مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

البصيرة: بين النعمة والبلاء! 

 

ويبقى الإنسان عالقًا بين مفاهيم عديدة للنِّعم المحاط بها وبين الابتلاءات المصاب بها، ليجلس تائهًا هائمًا بين مدارات أفكاره متسائلًا هل تلك نعمة أم ذاك بلاء؟ 

وفي لحظة سكون مع النفس دعونا نرى بأرواحنا لا بأعيننا، ونسأل أنفسنا ما هو الفرق بين النعمة والبلاء؟ فهل النعمة تنحصر في كل ما هو دنيوي ومادي مثل الأموال والأبناء والنفوذ والسلطة ...إلخ؟ وهل البلاء ينحصر في قلة أو انعدام تلك النعم الدنيوية؟ حينها سنجد الإجابة المحايدة أن تلك مفاهيم ضيقة الأفق فقيرة العمق ذات تاريخ صلاحية مثل أي منتج، فهي محصورة في أزمنة الدنيا المحدودة ولم تسمو إلى مفاهيم وقوانين السماء؛ حيث أن مفهوم النعمة الحقيقي يدور في فلك البقاء وليس الفناء، فما يفنى وإن أُدرج تحت بند النعم فهو نعمة مؤقتة ينقصها ركن الدوام، فتكون حينها مجرد وسيلة وأداة وضعها الله كي يُسعِد بها عباده في محطة الدنيا العابرة، ومادامت المحطة عابرة فكل ما يخصها ويحيط بها هو أيضًا عابر ومؤقت. 

ولذلك الإدراك بحكمة الله في الوجود والكون والأرزاق وكل شيء هو قمة النعم وعدم الإدراك هو البلاء الأعظم الذي ليس بعده بلاء! لأن الإدراك في ثوبه الروحاني يصبح البصيرة؛ فإذا أبصرت بالرحمة الكائنة في باطن العذاب والعذاب الكائن في باطن الرحمة تكون قد توّجت بتاج البصيرة، وإذا أطلعك الله على حقائق الأمور فذاك مقام رفيع تغلفه البصيرة، وإذا ارتاح قلبك واطمأنت روحك بأن وراء كل حال غرض يبتغيه الله لعباده فتلك بصيرة، فمثلا من يدعو بالرزق المدعوم بالبركة فهو يبصر أن الرزق الخالي من البركة خطير ومخيف؛ لأن وجود البركة مثل القلاع والصون تحمي من أعداء النفس، مثل من يؤتى قوت يومه القليل ليكفي به أهل بيته في أمان وسلام، أما خلو البركة مثل من رُزق قصرًا لكنه يقف على حافة هاويته. 

وكما علّمنا ووجّهنا شيخنا الجليل سيدي زين السماك - رضي الله عنه وأرضاه - بالتفكر والتدبر في كتاب الكون الكبير، والذي أنزل الله القرآن الكريم من أجل أن نهتدي إليه؛ فالقرآن هو المرشد الأعظم لكل ما في الكون، وهو الدليل الذي نستدل به إلى آيات الله العظمى كي تأخذ بأيادينا رويدًا رويدًا لمعرفة ذات الله العليّة. حيث أشار شيخنا إلى مدى الجلل والعظمة والخطورة في دائرة المعرفة بالله، والتي كلما اقترب منها الفرد مقدار خطوة ازدادت المسئولية على عاتقه أميال، فالخطوة في طريق الله - إن جاز التعبير والتشبيه - مثل أحوال الدنيا كطول الطرق وانخفاض الوديان وعلو السماء وأعماق الأرض. ولذلك يسبق أسماء أولياء الله الصالحين مصطلح (العارف بالله)؛ فالمعرفة بصيرة والبصيرة نور والنور هو الله، ومن لم يلحق بركاب النور عليه أن يهرول بل يمضي قُدمًا مسرعًا وإن اضطر أن يصرخ من أعلى قمم الجبال وأعماق البحار، وينادي ويبكي ويناجي: يا حبيبي يا إلهي، يا قلب القلب وجاهي، صنعتني وأنا بصنعك أباهي، يا من بك العباد لا تضاهي، تمطر الأعين شوقا وبسهام حبك يحضر ربيعي الزاهي.  

إن المبصر بنور الله يستطيع أن يرى عمق الأمور والغوص في خبايا الأسرار فتهدأ نفسه ولا تفزع، فقد عَلِم بداية الأمر ونهايته، فقد علم أحوال الدنيا من حوله، فإن حزن لحظة خاطب نفسه على تلك اللحظة معاتبًا: كيف يا نفسي تحزني على دنيا ترابها فان ونحن في حضرة الباقي؟ كيف يا قلبي تنبض متألمًا ونحن في حضرة اللطيف؟ كيف يا روحي تتأثرين وتظنين أنك سجينة الجسد وأنتِّ الحرة الطليقة في حضرة المصور البديع. 

دعونا ندعو لأنفسنا يا أحبتي بأن يجعل لنا الله في كل صباح صفحة جديدة تمحي جروح الماضي وآلام الأمس، وأن يجعلنا لرايات التسليم رافعين، ويبقينا على العهد مؤتمنين، وفي طريق الحق والعدل والرحمة سائرين.