مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 أعمدة الجمهورية الجديدة


التعليم والصحة والثقافة والإعلام ملفات أربعة تمثل أعمدة رئيسية لجمهورية جديدة انطلقت بقوة بفضل ما ما أنجزته الدولة من مشروعات قومية كبرى في عهد الرئيس السيسي الذي جعل تنمية البشر أولوية تسبق تنمية الحجر؛ حتى تتحقق الغاية الأسمى وهي"حياة كريمة" لمصر والمصريين بشتى فئاتهم وطوائفهم.

حياة كريمة تعني ضمن ما تعني حفظ كرامة المواطن بتوفير سكن كريم وتعليم مناسب وصحة عفية وهي المقومات التي تحققت عبر مبادرات رئاسية عديدة استهدفت تحسين حياة أهلنا في الصعيد والقرى والنجوع الذين عانوا الحرمان طويلاً.. وطواهم النسيان منذ عقود طويلة.

والجمهورية الجديدة ليست كما يعتقد البعض مجرد مبانٍ أو عاصمة إدارية جديدة نحتفل قريباً بتشغيلها بل إنها تعني أولاً خلق عقول نيرة نالت حظها من التعليم الراقي المثمر، و الاهتمام بالنشء والشباب وتعهدهم بالرعاية والتشجيع منذ نعومة أظافرهم بحسبانهم ركيزة المستقبل وأمل الشعوب في النهوض والتنمية..كما تعني وجود"حرية مسئولة" منضبطة تعرف الفارق بين النقد الهادف البناء الذي هو حق متاح، وبين النقد بقصد التشويه وإهالة التراب على كل قيمة ورمز وإنجاز مهما يكن حجمه وتأثيره..فالحرية ليست متروكة على عواهنها بلا ضوابط؛ فالحرية المنفلتة مفسدة مطلقة لا تقيم دولاً ولا تصنع نهضة ولا تقدماً.

الجمهورية الجديدة تقوم على احترام الآخر والتسامح واحترام حقوق الإنسان بمفهومها الشامل اقتصادياً واجتماعياً وليس بقصرها كما يحلو للبعض على حرية الرأي والتعبير أو الحصول على المعلومات وهو حق مكفول بالدستور.. لكنها تعني قبل هذا وذاك العيش بكرامة وفي مستوى معيشي يليق بالمواطن ومستقبل أبنائه؛ فهو يستحق وضعاً أفضل يكافيء ما تحمله من أعباء الإصلاح التى ما كان ليتحملها لولا إيمانه بوطنه ورغبته أن يحيا عزيزا مرفوع الهامة، وبأن الغد سيكون أفضل يحمل له ولأبنائه الخير والرخاء جزاء ما صبر وما تحمل عبر سنين طويلة.

مصر انطلقت نحو تغيير كبير بإجراءات إصلاحية تستهدف نهضة التعليم و ترقية الثقافة والأخلاقيات وتهذيب السلوكيات وإعلاء الفكر ..ولا سبيل لبلوغ تلك الغاية النبيلة إلا بتعليم متطور راقٍ منتج قادر على إعادة بناء الإنسان ومنظومة التفكير والأخلاق..  تعليم يخاطب العقل والوجدان، ويعلي قيم الإبداع والابتكار والنقد ويتحرر من أسر الحفظ والتلقين والاستظهار ..تعليم يبعث العقل المصري من مرقده الذي لم يبرحه منذ عقود نتيجة إهمال أنظمة سابقة لهذا الملف الذي تراجعت به للوراء كثيراً حتى صار عاجزاً عن النهوض بمصر والحفاظ على مكانتها .

الرئيس السيسي يحرص على صون القيم الخلقية الرفيعة التي هي أهم ما يميز مجتمعاتنا بما تجسده من قيم أصيلة تعلي الفضيلة والتماسك الأسري وتحض على حسن المعاملة والتراحم والتسامح والتكافل وحب الأوطان..كما يحرص الرئيس على صون أولويات المواطن وانتمائه وإدراكه لحقيقة ما يجري له أو حوله من متغيرات وتحولات..وهو ما استلزم إحداث نقلة نوعية في التعليم ليحرر العقل من الخرافة والتواكل وليطلقه على ساحة المعرفة والتحول الرقمي؛ إنجازاً وتطويراً وإسهاماً حضارياً..تعليم يستنقذ المجتمع من براثن الجهالة والتخلف والمرض.

ويمكننا القول إن ملف التعليم في بؤرة اهتمام الحكومة.. وما يجري من تطوير يؤكد أن العجلة انطلقت ولن تعود للوراء، وسواء أكان التطوير بتحديث ما هو قائم من جامعات أم بإنشاء أخرى جديدة، حكومية كانت أم أهلية وخاصة في المدن الجديدة إنما يهدف لتحفيز العقل المصري ورسم دوره الحضاري وحدود مسئولياته وواجباته في اللحاق بركب العصر وامتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا والمعرفة كلمة السر في امتلاك مقومات القوة والبقاء.

ما طرأ على أخلاق المصريين وعاداتهم وسلوكياتهم من تراجع يؤكد أننا بحاجة لابتعاث ثقافتنا الأصيلة لربط الحاضر بالماضي وصولاً لمستقبل أفضل يزاوج بين الأصالة والمعاصرة موصولاً بهويتنا العريقة القادرة وحدها على حماية أجيالنا الجديدة من رياح التغريب وسموم التطرف والإرهاب.

الإعلاء من شأن لغتنا العربية بمثابة جسر أو منصة إطلاق ضرورية لأي مشروع حضاري قادر على النهوض بأمتنا؛ فلغتنا هويتنا والحفاظ عليها فريضة طالب بها الرئيس السيسي حتى تصبح لغة الخطاب والتعليم والبحث العلمي، وتقديمها على ما سواها بحسبانها وعاءً للحضارة وصمامًا للهوية ويمكنها إذا ما استردت عافيتها أن تنقذ الأجيال التائهة المغتربة حتى وهي داخل وطنها جراء غزو اللغات الأخرى للتعليم بشتى مراحله ودرجاته..أن تنقذهم من براثن هذا الغزو الثقافي المقيت الذي يرتدي ثوب التكنولوجيا شديدة الإغراء والتذويب والذي لم يعدم وسيلة لاخترق العقل المصري ومحاولة طمس هويته تارة عبر الاستشراق الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وقام بدراستها وفحصها بدقة متناهية سعياً لفهم مكنون الشخصية المصرية والعربية توطئة لتطويعها والسيطرة عليها.

الشخصية المصرية اعتراها تغيير سلبي كبير في العقود الأخيرة الأمر الذي جعلها قابلة للاستهداف تارة بالشائعات والأكاذيب..وتارة أخرى بالغزو الثقافي عبر الفضاء الإلكتروني والبث الفضائي أو عبر تعليم متعدد المشارب والهويات واللغات.

رياح عاتية هبت ولا تزال على بلادنا ولا يمكن صدها إلا باستعادة وعيها الحضاري وهويتها الأصيلة راسخة الجذور قوية العماد، وهو ما جعل الدولة في عصر السيسي تبادر بوضع منظومة عصرية متكاملة للتعليم والثقافة والإعلام الرشيد الملتزم بقضايا وطنه وأمته، المدرك لمقتضيات واجبه في صناعة رأي عام مستنير وواعٍ وتوجيهه وجهة صحيحة ترقى بالعقل والوجدان والضمير .

ومن شأن تلك المنظومة إذا ما اكتملت على النحو المنشود أن تعالج ما اقترفته منابر إعلامية من جرائم وما تبثه قنوات الإخوان من شائعات وافتراءات لا هدف لها إلا تشويه صورة مصر أمام العالم وتغييب العقل أو إغراقه في بحور الجدل العقيم والملاسنات اللفظية والمعارك الوهمية تارة بين لاعبي الكرة والأندية وجماهيرها بعضهم بعضاً، وتارة أخري بين المتسلقين على أكتاف الفن وهو منهم براء كما نرى من سفاهات وتفاهات تصدر عمن يسمون أنفسهم بمطربي المهرجانات وغيرهم ممن تسببوا في انحدار الذوق وانحطاط الأخلاق.

عايشنا بعد أحداث الربيع العربي ظواهر غريبة طفحت بالسلبيات في مجتمعاتنا ورأينا كيف انتشرت دكاكين السمسرة الإعلامية بفعل فاعل لتسهم مع غيرها من العوامل  في إحداث حالة فوضى وانفلات طال كل شيء وانقسام وتناحر واستقطاب حاد ضرب بيوت المصريين وهدد تماسكهم وسلامهم الاجتماعي حين تنازعتهم الأهواء وغلبتهم النوازع..حتى بلغت ذروتها بإحداث فتنة طائفية بين أبناء الوطن الواحد بصورة غير مسبوقة تنفيذا لأجندات لا تخفي على أحد، ولا يزال أصحابها يقفون بقوة خلف ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا واليمن والجزائر وأفغانستان وغيرها من دول ضربتها رياح الفتن والاضطرابات.

والسؤال الذي لا مفر منه: ماذا نفعل لتحصين شعوبنا من وباء الفتن ورياح الفوضى..والجواب: إذا تغلب الوعي الصحيح على الوعي الزائف أو الكاذب ..فإذا نجحنا في خلق مثل هذا الوعي لدى المواطن يمكننا القول باطمئنان إننا كسبنا المعركة؛ فوعي المواطن الرشيد كفيل دون غيره بإفشال سيناريوهات الفوضى ..ومن ثم فلا غرابة والحال هكذا أن تسعى الدولة بكل قوة لبناء منظومة تعليم صالح تبني العقل الواعي والفكر الناضج واليقين الصادق، ولا تدخر وسعاً في توفير الإمكانيات ومضاعفة مخصصات التعليم والصحة حسبما صرح بذلك وزير المالية أخيراً.

ولا تقف حدود نشر صحيح الوعي عند حدود الاهتمام بالشأن المحلى والانكفاء على همومنا الوطنية بل لابد من استعادة دور مصر الحضاري وتمتين علاقاتها الثقافية مع دوائر أمنها القومي عربياً وإسلامياً وأفريقياً ..وكم نرجو لمواكب الثقافة المصرية وقواها الناعمة أن تعود لتشق طريقها من جديد وصولاً لتلك الدوائر فائقة الأهمية وللأشقاء في كل الاتجاهات والمسارات، فحدود أمننا القومي تبدأ من حيث يمكن أن تهب رياح الفتن وتعكير الصفو الوطني ؛ فمثل ذلك الدور يأتي استكمالاً لمشوارها الحضاري واستناداً لما يحظى به أزهرنا الشريف والكنيسة القبطية من مكانة تاريخية رفيعة في العالم أجمع؛ ولا أقل من البناء على ذلك الميراث الحضاري، وأن يجتهد رجال الدين ومعهم أهل الفكر والثقافة والإعلام لتجديد الفكر الديني وتصحيح المفاهيم المغلوطة وبناء مفاهيم دينية صحيحة تكون نواة سليمة لإيمان رشيد لدى شبابنا في مواجهة الفكر الضال والمنحرف الذي يغرر بهم فكرياً ووجدانياً وعقيدياً ويجعلهم هدفا سهلاً لمن يريد استغلالهم سياسياً لتنفيذ مخططات تخريبية للإضرار بمصر حتى أنهم يستهينون بأرواحهم وأرواح غيرهم بلا سند قويم من صحيح الدين في غيبة أي دور تربوي فعال للأسرة والمدرسة وضعف التعليم وتهافت الخطاب الديني والثقافي والإعلامي؛ الأمر الذي يجعل شبابنا يعاني واقعاً اجتماعياً وسلوكياً وأخلاقياً لا ترضى به الضمائر السوية مثلما حدث من مهازل أخلاقية في مارينا والساحل الشمالي والإسكندرية هذا العام.

ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن تتنادى مؤسساتنا كلها حكومية ومجتمعية وبحثية لمناقشة مثل تلك القضايا والتحديات والأزمات ووضع دراسة حالة لأخلاق المصريين وما أصابها من تدهور وتصاعد مخيف في حوادث العنف ومعدلات الطلاق ..ومعرفة فيم وكيف يفكر شبابنا وبمَ يحلمون ومن أين يستقون معلوماتهم ..وكيف يصوغون أفكارهم ويبنون قناعاتهم.. وإلى أي مدى يؤثر فيهم الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ..مثل هذا الاهتمام ينبغي ألا يغيب عنه أن الشباب هم النسبة الغالبة في تعدادنا السكاني، فضلا على أنهم المكون الرئيسي لأي تقدم أونهضة في المستقبل.

الرئيس السيسي يبذل مع أجهزة الدول أقصى جهد ليرفع مرارة السنين وأعباء الإصلاح عن كاهل المواطن؛ فهذا الإصلاح كان ضرورة لا مجال لتأجيلها.. كما تمثل المشروعات الكبرى أهمية بالغة لأجيال الغد؛ وهي المشروعات التي سوف تحدث تغييراً إيجابياً كبيراً في سلوكيات المواطن وتصوراته ومفاهيمه وتبث العزيمة والإرادة في أوصاله، وتبتعث الهمة الوطنية من سباتها..ويبقى أن نجد حلاً جذرياً لمشكلة الأمية؛ فملايين المصريين الأميين لا يزالون حجر عثرة في طريق أي تقدم أو تطور اجتماعي أو سياسي منشود..فالجهل آفة تجلب معها الفقر والمرض وتتسبب في مفاقمة الانفجار السكاني الذي يبتلع كل جهد تنموي وكل مورد اقتصادي ..ولن نتحرر من هذه الدائرة إلا بتنوير العقول والأفهام وتغيير الثقافة وإصلاح التعليم والصحة والإعلام ومهما تكن كلفة العلاج باهظة فهي قليلة إذا ما قورنت بثمرات وعوائد هذا الإصلاح إذا ما تم على النحو المأمول.