كل أسبوع

فتوى‭ ‬نشاز

بداية‭ ‬أود‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬فى‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬ضرورة‭ ‬احترام‭ ‬التخصص،‭ ‬وعدم‭ ‬أخذ‭ ‬الفتوى‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬فقيه‭ ‬تمرس‭ ‬على‭ ‬الفقه‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬له‭ ‬سجية‭. ‬
وفى‭ ‬ظل‭ ‬فوضى‭ ‬الفتاوى‭ ‬على‭ ‬الفضائيات،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬لمن‭ ‬له‭ ‬حق‭ ‬الفتوى‭ ‬على‭ ‬الهواء،‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬الإجازة‭ ‬للإفتاء،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬فى‭ ‬القراءات‭ ‬القرآنية،‭ ‬فهذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬فى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬جرأة‭ ‬المشايخ‭ ‬على‭ ‬الإفتاء‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعرض‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬أسئلة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أحدهم‭ ‬عبارة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬ادرى‮»‬‭ ‬التى‭ ‬كان‭ ‬يقولها‭ ‬أئمة‭ ‬الفقه‭ ‬العظام‭ ‬أصحاب‭ ‬المذاهب‭ ‬الأربعة،‭ ‬فى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تعرض‭ ‬عليهم‭ ‬فى‭ ‬مجالسهم،‭ ‬ومن‭ ‬مقولات‭ ‬الحكماء‭: ‬‮«‬من‭ ‬قال‭ ‬لا‭ ‬أدرى‭ ‬فقد‭ ‬أفتى‮»‬‭ ‬وهى‭ ‬ليست‭ ‬حديثا‭ ‬نبوياً‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬البعض،‭ ‬والمقصود‭ ‬بها‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬للمسلم‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬فى‭ ‬دين‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬علم‭ ‬له‭ ‬به‭ ‬وليس‭ ‬خبيرا‭ ‬وفقيها‭ ‬فيه‭ ‬وغير‭ ‬محيط‭ ‬بأحكامه،‭ ‬وفى‭ ‬هذا‭ ‬قال‭ ‬الإمام‭ ‬على‭ ‬رضى‭ ‬الله‭ ‬عنه‭: ‬ولا‭ ‬يستحى‭ ‬من‭ ‬يعلم‭ ‬إذا‭ ‬سئل‭ ‬عما‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬الله‭ ‬أعلم‮»‬
وقال‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭: ‬من‭ ‬فقه‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لا‭ ‬أعلم،‭ ‬وقد‭ ‬ذكرالإمام‭ ‬ابن‭ ‬الجوزى‭ ‬فى‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬صيد‭ ‬الخاطر‮»‬‭ ‬فى‭ ‬فصل‭ ‬‮«‬من‭ ‬قال‭ ‬لا‭ ‬أدرى‭ ‬فقد‭ ‬أفتى‮»‬،‭ ‬أنّ‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬أنس‭ ‬روى‭ ‬أنّ‭ ‬رجلا‭ ‬سأله‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬فقال‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أدري‮»‬‭ ‬فقال‭ ‬الرجل‭: ‬سافرت‭ ‬البلدان‭ ‬إليك،‭ ‬فقال‭: ‬ارجع‭ ‬إلى‭ ‬بلدك‭ ‬وقل‭: ‬سألت‭ ‬مالكاً‭ ‬فقال‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أدري‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬علماء‭ ‬الصدر‭ ‬الأول‭ ‬يفصحون‭ ‬عمّا‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭ ‬باعتداد‭ ‬ودون‭ ‬حرج،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يقولوا‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬ورسوله‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعلمون‭.‬
والإمام‭ ‬مالك‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬الأئمة‭ ‬الأربعة‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬السنة‭: ‬‮«‬مالك‭ ‬والشافعى‭ ‬وأحمد‭ ‬بن‭ ‬حنبل‭ ‬وأبوحنيفة‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مجددى‭ ‬أمور‭ ‬الدين‭ ‬فى‭ ‬القرن‭ ‬الثانى‭ ‬للهجرة،‭ ‬حيث‭ ‬ولد‭ ‬عام‭ ‬93‭ ‬هـ‭ ‬وتوفى‭ ‬عام‭ ‬179م‭ ‬عن‭ ‬ستة‭ ‬وثمانين‭ ‬عاما،‭ ‬وكان‭ ‬محدثا‭ ‬وفقيها‭ ‬يتحرى‭ ‬الدقة‭ ‬فى‭ ‬الرواية‭ ‬والفتوى‭ ‬والموضوعية،‭ ‬خاصة‭ ‬فى‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يأخذها‭ ‬عن‭ ‬ذى‭ ‬هوى‭ ‬مبتدع‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬شيخ‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬من‭ ‬فقه‭ ‬يحدث‭ ‬به،‭ ‬وهو‭ ‬منهج‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬ملامحه‭ ‬بجلاء‭ ‬فى‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الموطأ‮»‬‭ ‬وبقية‭ ‬كتاباته‭ ‬التى‭ ‬جمع‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬تأكد‭ ‬من‭ ‬صوابه‭ ‬وصحته‭ ‬من‭ ‬الأحاديث‭ ‬النبوية،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬من‭ ‬سبقوا‭ ‬من‭ ‬الصحابة‭ ‬والتابعين‭ ‬ويشبههم‭ ‬فى‭ ‬أمور‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬عدم‭ ‬التشدد‭ ‬فى‭ ‬أمورلا‭ ‬تقتضى‭ ‬ذلك‭ ‬وعدم‭ ‬التعصب‭ ‬لرأى‭ ‬قاله‭ ‬فى‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬وظهر‭ ‬ما‭ ‬يخالف‭ ‬أو‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬رأيه‭. ‬
كان‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬شديدا‭ ‬جدا‭ ‬فى‭ ‬تأكده‭ ‬من‭ ‬علمه‭ ‬فى‭ ‬الفتوى،‭ ‬ودقيقا‭ ‬جدا‭ ‬فى‭ ‬صحتها،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متأكدا‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬ما،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليجرؤ‭ ‬على‭ ‬الحديث‭ ‬فيها،‭ ‬يقول‭ ‬الهيثم‭ ‬بن‭ ‬جميل‭: ‬كنت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬مع‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬عندما‭ ‬سئل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬سؤالا،‭ ‬وسمعته‭ ‬يرد‭: ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬على‭ ‬اثنين‭ ‬وثلاثين‭ ‬منهم‭. ‬وقال‭ ‬عنه‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعى‭: ‬عندما‭ ‬يذكر‭ ‬العلماء،‭ ‬يكون‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬نجما‭ ‬بينهم‭. ‬ويقول‭ ‬الإمام‭ ‬مالك‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يجلس‭ ‬لإعطاء‭ ‬فتوى،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجيزه‭ ‬عليها‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬سبعون‭ ‬عالما‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬وقال‭ ‬عن‭ ‬كتابه‭ ‬الموطأ‭: ‬عرضت‭ ‬كتابى‭ ‬على‭ ‬سبعين‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬المدينة،‭ ‬وكلهم‭ ‬وطّأنى‭ ‬عليه‭ - ‬أى‭ ‬وافقه‭ ‬عليه‭ -‬،‭ ‬لذلك‭ ‬سمّاه‭ ‬‮«‬الموطأ‮»‬‭.‬
بعد‭ ‬هذا‭ ‬البيان‭ ‬الوافى‭ ‬لخطورة‭ ‬الفتوى،‭ ‬وعدم‭ ‬الاجتراء‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬إجازة‭ ‬سبعين‭ ‬عالم،‭ ‬فأجيبونى‭ ‬بربكم‭: ‬من‭ ‬أجاز‭ ‬هؤلا‭ ‬المشايخ‭ ‬الذين‭ ‬تضج‭ ‬بهم‭ ‬الفضائيات‭ ‬ويطلقون‭ ‬فتاواهم‭ ‬فى‭ ‬الفضاء‭ ‬الواسع؟‭ ‬
كما‭ ‬استفزتنى‭ ‬الدكتورة‭ ‬آمنة‭ ‬نصير‭ ‬لكتابة‭ ‬المقال‭ ‬السابق،‭ ‬فقد‭ ‬استفزنى‭ ‬لكتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬الدكتور‭ ‬مبروك‭ ‬عطية‭ ‬الذى‭ ‬قال‭ ‬فتوى‭ ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬توصف‭ ‬به‭ ‬إنها‭ ‬نشاز‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬شاذة،‭ ‬حيث‭ ‬اشترط‭ ‬لمن‭ ‬يقدم‭ ‬على‭ ‬التعدد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مليونيرا،‭ ‬ولمن‭ ‬يقدم‭ ‬على‭ ‬الزواج‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬شقة‭ ‬تمليك،‭ ‬وأن‭ ‬يجهز‭ ‬شقة‭ ‬الزوجية‭ ‬بما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬‮٣٠٠‬‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬هو‭ ‬فى‭ ‬زواج‭ ‬ابنه‭!‬،‭ ‬وإنى‭ ‬أسأل‭ ‬الدكتور‭ ‬مبروك‭: ‬من‭ ‬أجازك‭ ‬للفتوى؟‭.‬