هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

العلم والموهوبون..ركائز الجمهورية الجديدة

 

ما من شك أن مصر تملك الآن إستراتيجية مستقبلية تسمى رؤية 2030؛ فإذا كانت تجارب الحاضر والماضي علمتنا أنه لا مكان للضعفاء تحت الشمس فما بالنا بمستقبل شديد الغموض والتعقيد تبشر به مقدمات وإرهاصات غير مسبوقة، تتطلب عقولاً تبدع وأفكارًا خلاقة قادرة على التكيف والتعايش فضلاً على التنافس وحيازة السبق والتفرد..فثمة كورونا التي لا يمكن لأحد أن يتنبأ متى تتوقف عن التحور..ومتى تغيب عن مسرح العالم..وثمة نظام عالمي جديد يتشكل مع ما يكتنفه من صراعات وتوازنات تأتي دائماً على حساب الضعفاء من الأمم والشعوب.

كلمة السر في حيازة أسباب القوة هي العلم والمبدعون؛ وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم..فلا مستقبل لمن لم يتسلح بالعلم ويرعى الموهوبين والمبتكرين والمخترعين فوجود أمثال هؤلاء من اشتراطات البقاء وهو ما يدركه الرئيس السيسي ويعمل لأجله من تولى مقاليد البلاد.

 رعاية المواهب وإبراز ذوي القدرات الخاصة وتقديم أهل العلم مبدأ قرآني أصيل لقوله تعالى " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون"..وقد اهتم القرآن بمثل هؤلاء أيما اهتمام، وتناولت آياته الكريمة نماذج منهم في عصور مختلفة، منها مثلاً ما ورد في سورة يوسف الذي عرف عنه تأويل الرؤيا، وكان ذلك سببا في اهتمام الملك به وتقريبه منه، كما استثمر يوسف عليه السلام ذلك في نهضة مصر وحمايتها من القحط والجدب..يقول تعالى" وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي".

فكيف ننطلق للمستقبل وندخل آفاق الجمهورية الجديدة دون بناء قوي للإنسان، ودون نهضة حقيقية لمؤسسات التعليم والتربية والثقافة والبحث العلمي واكتشاف الموهوبين منذ نعومة أظفارهم.

إن التقاط مثل هذه الكنوز وصقلها وتأهليها للإبداع والإنتاج عملية ليست يسيرة بل تحتاج لجهود منظمة وإرادة حقيقية،وهو ما فعلته الدولة حين سعت  لتأسيس المشروع القومي لاكتشاف ورعاية الموهوبين في مصر الذي طالب به الرئيس السيسي..وهو أكبر تأكيد على أهمية صناعة العقل وبناء المواطن الصالح من جميع النواحي؛ فهو أهم مكونات القوة الناعمة والقوة الضاربة وأهم أسس الجمهورية الجديدة.

إن بذل الجهد في التنقيب عن الموهوبين ثم احتضانهم بالرعاية وتعهدهم بالتشجيع والعناية يحقق أكثر من هدف في وقت واحد؛ فهو من ناحية يسهم في الارتقاء والحفاظ على تلك العقول النيرة من الهجرة وحرمان البلد من خيراتهم ليصبحوا قوة مضافة في جميع الاتجاهات  بعد الذي أُنفق عليهم سنين عديدة.. ومن ناحية ثانية يرتقي بمكانة مصر علمياً في المحافل كافة..ومن ناحية ثالثة ينمي الشعور بالولاء فيهم وفي غيرهم من الأجيال التالية ويغرس فيهم محبة هذا الوطن الذي يسهر على رعايتهم ولا يبخل عليهم ما وسعه الجهد والمال.

من شروط استمرار نجاح الموهوبين والمبتكرين أن نتعهدهم منذ نشأتهم، والاستمرار معهم دون كلل أو ملل أو تهاون فهم ذخيرة الوطن وهم عينه التي يبصر بها المستقبل وهم قادته ومفكروه وعلماؤه..فمثل هذا الاهتمام من شأنه أن يوفر لهم بيئة مواتية للإبداع فيخرج لنا زويل جديد أو مجدي يعقوب آخر أو هاني عازر أو مصطفى كامل السيد أو نجيب محفوظ أو العقاد أو طه حسين أو المنفلوطي أو أحمد لطفي السيد أو توفيق الحكيم..فبمثل هؤلاء تبنى النهضات وتصنع الإنجازات والمعجزات ونناطح بهم السحاب.

لكن الفارق الذي سنراه ساعتها أن هؤلاء علماء مقيمون لا يذهب خيرهم لغير بلدهم؛ عينهم على مصر وقلوبهم مع مصر، وولاؤهم لمصر..لا تغويهم المغريات ولا تبعدهم المسافات، هم النواة الصلبة والطليعة التي تنقل البلاد نقلة نوعية تضعها في مصاف الكبار..

     والسؤال إذا كان ذلك كذلك ..فلماذا أهملت أمتنا رعاية الموهوبين والمبتكرين من أبنائها طيلة العقود الماضية  ..وماذا كانت النتيجة..وكيف نعوض- في ظل ما يتوفر الآن من إرادة سياسية على أعلى المستويات- ما فاتنا على طريق التقدم والابتكار..هل نحن في حاجة لمزيد من التشريعات التي تكفل لهم الرعاية ..أم نحن في حاجة لصحوة مجتمعية تؤمن بالعلم وتقدر المواهب المبدعة..أم في حاجة لاستلهام تجارب النجاح وحاضنات المواهب الفذة..أم لكل هذه العوامل مجتمعة..؟!

بناء العقول من الصناعات الثقيلة تبدأ بالاكتشاف المبكر وتمر عبر مراحل عديدة من الفرز والتنقيح والرعاية والتدريب ..ومن حسن الطالع أن بلدنا زاخر بالمواهب ذوو القدرات وهؤلاء يمكن معرفتهم بالفطرة  في جميع المراحل السنية وكلهم مطلوبون لكن كلما تم اكتشافهم في سن صغيرة كان عطاؤهم أسرع وأكثر نفعاً.

ويجب أن نفرق بين الموهوب المبدع والمتفوق دراسياً..وبينهما فارق شاسع  ..فالموهوب يملك قدرات أو ملكات معينة تفوق غيره وتجعله متفرداً في مجال ما..والموهوبون لا تزيد نسبتهم عالمياً على 2% من مجموع السكان..ولولاهم ما وصل العالم لما نراه من تقدم تكنولوجي ورقمي وعلمي مذهل.. الموهبة نعمة يهبها الله لمن يشاء وهي نبتة لا يستفاد منها إلا إذا تعهدناها بالرعاية والاهتمام ..ولأنها تولد مع الإنسان دون تدخل من الطبيعة أو البيئة المحيطة لكن بإمكان الأهل والمعلمين اكتشافها بسهولة ومن  ثم تطويرها وتنميتها ليصبح الموهوبون أكثر إبداعاً وتميزاً فهم ثروة أي أمة ومفتاح مستقبلها إذا ما أحسن رعايتهم وتطوير ملكاتهم وتوفير ما يحتاجون من رعاية نفسية ومادية واجتماعية وصحية ودراسية ووضع برامج إرشادية تضمن لهم النمو المنشود. وعادة ما تظهر الموهبة في سن صغيرة؛ ويعبر الطفل من خلالها عن نفسه بالرسم أو إلقاء الشعر أو كتابة القصص أو اللعب على آلة موسيقية أو الغناء.

الطالب الموهوب يحتاج إلى معلم ملهم ومؤثر يبتعد به عن الحفظ والتلقين إلى الفهم والابتكار واستقلالية التفكير والريادة في التطبيق مستفيداً من منتوجات التكنولوجيا المتجددة في كل لحظة..وهنا يظهر مدى الحاجة طريقة تدريس مغايرة ومعلم أكثر تأهيلاً وإلماماً بطبيعة وفلسفة التربية الجدية وضرورة اكتشاف ورعاية الموهوب؛ فالمعلم الناجح لا يعلِّم بمادته فحسب بل بطريقته وأسلوبه وشخصيته وعلاقاته الطيبة بتلاميذه ..وكم نرجو أن نجد مدرسين على هذه الشاكلة في كل مدرسة وأساتذة كهؤلاء في كل كلية وجامعة؛ فمعظم العلماء والمبتكرين الأفذاذ قد تخرجوا على أيدي هؤلاء المعلمين الذين سمعنا عنهم في الزمن الجميل.

إني أتعجب أن قانون الرياضة يلزم الهيئات الرياضية والأندية بتأسيس مراكز لرعاية الموهوبين وتنميتهم رياضياً، وحتى الآن ورغم مطالبة الرئيس السيسي وزير الشباب تحديداً باكتشاف أكثر من ألف صلاح في ربوع مصر لكن ذلك لم يحدث حتى الآن رغم أن بلدنا زاخر بالمواهب..فماذا يمنع دون وصولهم للعالمية..؟!

آن الأوان أن  نسلط ضوءًا كثيفاً على الموهوبين في مختلف المجالات لاسيما الرياضة دعما لقوة مصر العالمية؛ فهؤلاء خير سفراء لنا في المحافل الدولية التي رأينا ماذا يفعل صلاح فيها وهو الذي يحمل اسم مصر وعلمها وكيف ينادونه بالفرعون المصري..ألا يستحق صناع بهجتنا في شتى التخصصات أن نحتفي بهم ونكثف الضوء على منجزاتهم ليكونوا قدوة حسنة لشبابنا وأجيالنا الجديدة حتى لا تنساق لتقليد نماذج شاذة وهدامة ينتسبون زوراً وبهتاناً لهذا الوطن لكنهم للأسف أكبر معاول الهدم لأخلاقه وقيمه الأصيلة..فشتان بين رياضي ناجح يحلق في سماء العالمية وبين مهرج يبث في أبنائنا غناءً منحطاً وألفاظاً مبتذلة وموسيقى ماجنة تجذبهم للقاع والضياع ..أين هؤلاء من عباقرة الفن الجميل والثقافة الرشيدة البناءة بين أعمال درامية وسينمائية تغذي العنف وتتسبب في نشر الرعب بما يقع بسببها من جرائم قتل يحاكي مرتكبوها أبطال مسلسلات هابطة وأغانٍ سافلة لا قيم فيها ولا جمال ..لتؤكد أن الفن والإعلام فشلا في تقديم ما ينفع الناس ويمكث في الأرض وأصبح رافداً من روافد الجريمة وأهم أسبابها في مجتمعنا.

إن صناع النهضة الحقيقيين هم من يستحقون حياة أفضل عوضاً لهم عما عانوه في سنوات الإصلاح والحرب ضد الإرهاب والفساد والتخلف ؛ فهؤلاء هم أبطال معركة البناء والتنمية والتعمير الذين لا يكف الرئيس عن الإشادة بهم عملاً بقول المولى عز وجل : " ولا تنسوا الفضل بينكم".

الرياضة، وفي القلب منها كرة القدم،  لم تعد كما كانت في زمن مضى، مجرد هواية للمتعة أوالتنفيس عن الذات أوتقوية للبدن بل صارت استثماراً وصناعة وسياحة وخير دعاية إذا أحسن توظيفها وتسويقها إعلامياً بعيداً عن التعصب وبث الفتن والتحريض والوقيعة بين جماهير الأندية بعضهم بعضاً.
الرياضة يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة وأن تبني إذا ما خلت من التعصب واتسمت بالروح الرياضية جسوراً من التواصل الإنساني بين الشعوب والأمم على اختلاف أعراقها ودياناتها وألوانها..ويمكنها أن تكون أداة لبناء جيل قوي يتحلى بالخلق الرياضي والروح الودودة؛ جيل نافع لبلده، مخلص لترابه وفي لقيادته، ومحافظ على عادات وتقاليد مجتمعه ويكفيه انه يرفع علم بلاده عالمياً في المحافل الرياضية.

منظومة الرياضة في مصر تحتاج حتماً لإصلاح جذري، ينهي ظاهرة التعصب، ويرفع مستويات الأداء لتقترب من تلك التي نراها في الدوريات الأوروبية وكفانا تراجع الاتحادات والأندية لحد اقتراب بعضها من الفقر ولا أقول الإفلاس؛ لعوامل كثيرة ليس أقلها الأداء الإداري، ناهيك عن سوء الإعلام الرياضي ..فكيف نتوقع نجاحاً من أناس فشلوا أساساً في إدارة حياتهم العملية والعلمية ولا يملكون قدراً كافياً من الثقافة العامة أو ثقافة العمل الإداري الاحترافي أو الفكر الرياضي المتطور أو كيفية التعامل التعامل الصحيح مع الناشيء الرياضي واكتشاف الموهوبين فيهم.

هناك واجب وطني على المسئولين ورؤساء الأندية والاتحادات وقد آن الأوان للابتعاد تماماً عن المحاباة والمجاملات في اختيار الكوادر الفنية والإدارية المشرفة على الفرق من شتى الفئات العمرية ووضع الرجل الكفء في مكانه المستحق..وهذا دور الجمعيات العمومية التي يجب أن تتصدى بقوة لاختيار رؤساء الأندية والاتحادات وفرز أفضل عناصر تعيد صياغة المنظومة الرياضية على أسس سليمة..وكفانا مجاملات ومواءمات لا نجنى من ورائها إلا مزيداً من التدهور والتراجع الرياضي.

آن الأوان أن يتصدر ملف إصلاح الرياضة جدول أعمال الجهات المعنية بالرياضة حتى نجد أكثر من صلاح في كرة القدم وأكثر من نجم في اللعبات المختلفة لاسيما الفردية فهؤلاء هم أكبر داعم لمصر ولقوتها الناعمة التي تحتاجها بشدة الجمهورية الجديدة التي تستهدف التميز والإبداع في كل المجالات.