هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

قانون المسئولية..هل يحد من أخطاء الأطباء؟

 

في عام 1976 نشرت الجمهورية أول تحقيق صحفي يحمل اسمي بعنوان "الأطباء يخطئون..والقانون يعاقبهم"..رغم أني كنت تحت التمرين وقتها؛ وربما كان ذلك مكافأة من رئيس التحرير وقتها الكاتب الصحفي محسن محمد تقديراً للقضية واعترافاً بجهدي المتواضع في تناولها.

ومنذ ذلك الحين جرت مياه كثيرة في نهر الطب وازدادت أوجاع المرضى وأحزان ذويهم بفعل الأخطاء الطبية التي هي ظاهرة عالمية تعاني منها البشرية كلها، وليس في مصر وحدها؛ ذلك أن منظمة الصحة العالمية تؤكد في تقرير لها أن الأخطاء الطبية تزهق أرواح 5 مرضى في كل دقيقة حول العالم، ونحو مليونين و600 ألف شخص سنوياً.. وفي مصر تتسبب في وقوع 3% من الوفيات.

ورغم أن ضحايا الخطأ الطبي يفوق ضحايا الحروب والأوبئة والانتحار والأمراض الفتاكة مجتمعة في العالم كله فإنه يمكن تلافي 83% من تلك الأخطاء إذا ما تبنت الدول- بحسب منظمة الصحة العالمية- سياسات مأمونة داخل منشآتها الصحية..وهو ما يستلزم كثيراً من الجهد المنظم والتوعية بخطورة المسألة المتعلقة بحياة الإنسان أكرم مخلوقات الله في الأرض..ناهيك عن ضرورة الحماية القانونية للضحايا  والردع للمخطئين المهملين وتوفير التأمين والتعويض المناسب حال وقوع مثل الأخطاء.

ولا نبالغ إذا قلنا إننا أمام ظاهرة خطيرة الأثر، فادحة الخسائر معاً،  ويكفي دليلاً على ذلك ما أكدته جامعة مانشستر في بحث لها من أن 6% من المرضى يتعرضون للإعاقة أو الموت بسبب أخطاء طبية تعتبر هي ثالث أسباب الموت في أمريكا بعد أمراض القلب والسرطان بحسب موقع CNBC  الأمر الذي يجعلها مشكلة صحية عامة وخطيرة تهدد سلامة المرضى وتنشر الفزع بينهم، كما أن ارتفاع معدل التقاضي بسبب الخطأ الطبي ينعكس إيجابياً على جودة الممارسة الصحية حيث يزداد الحذر والتدقيق خشية العقوبة..فمن أمن العقاب أساء الأدب كما يقولون.

وزارة الصحة قدرت وقوع آلاف الحالات من الأخطاء الطبية سنوياً، يجري بسببها شطب الأطباء المخطئين كما تقول نقابتهم ..لكن ذلك لم يكف لحصار هذه الظاهرة الخطيرة التي يقف القانون عاجزاً عن منعها أو مواجهتها..وقد تبين من خلال دراسة أجراها خبير العلوم الجنائية اللواء رفعت عبد الحميد عن الخطأ والإهمال الطبي الجسيم ومسرح الجريمة انعدام التشريع والمسئولية الجنائية في مواجهة تلك الأخطاء في الفترة من 1937 وحتى وقتنا هذا وليس هناك تفسير أو تعريف قاطع للتفريق بين الخطأ والإهمال الطبي الجسيم الذي يتسبب في وفاة مريض أو إصابته بعاهة مستديمة؛ ومن ثم فلا مناص والحال هكذا من تشريع حاسم يجرم ذلك. مطلوب قانون رادع وتعريفاً جامعاً مانعاً لكلا اللفظين يفرق بينهما بدقة ويضع لكل واحد منهما ما يناسبه من العقوبة الرادعة التي تحمي حقوق المريض والطبيب وجميع أطراف العملية الطبية.

ورأيي أننا في الطريق لمثل هذا القانون قريباً؛ فلجنة الصحة بمجلس النواب وحسناً فعلت حين بدأت مناقشة قانون المسئولية الطبية تمهيداً لعرضه على الجلسة العامة للمجلس لإصداره بصورة نهائية بما ينهى فوضى الأخطاء الطبية القاتلة، من ناحية ويلزم من ناحية أخرى مقدمي الخدمة على التأمين الإجباري لجميع العاملين في المنظومة الطبية حتى يحصل أي مريض تضرر على حقه المناسب في التعويض المالي حال تضرره من خطأ أو إهمال طبي جسيم لحق به بأي صورة كانت، على أن تُسند مهمة الحكم بوقوع ذلك الضرر إلى لجنة طبية على أعلى مستوى، وأن تترك الولاية القانونية في تلك المسألة للنيابة العامة والقضاء وليس لنقابة الأطباء، تفادياً لأي شبهة انحياز أو تعاطف لأعضائها لاعتبارات مهنية أو انتخابية.  

ونرجو لقانون المسئولية أن يصدر بأسرع ما يمكن متضمناً سد كل الثغرات وتحديد المسئولية الطبية بصورة قاطعة ، كما نرجو أن يحدد- كما قال د.أبو بكر القاضي، أمين صندوق النقابة العامة للأطباء- العلاقة بين المريض والفريق الصحى المعالج، محققًا اشتراطات عمل هذا الفريق ومسئولياته، ليأتي مردوده إيجابياً على المريض والطبيب ، بحيث يضمن للأول التدخل الطبى الصحيح فى الوقت المناسب من أطباء مؤهلين تماماً و فى المكان المناسب، كما يضمن له تعويضاً ماديًا مناسبًا دون الدخول فى إجراءات التقاضى التى تستغرق فترات طويلة.

وكما نرجو للقانون الجديد أن يكفل الحماية اللازمة للمريض والطبيب معاً فإننا نأمل كذلك أن يلزم المستشفيات بالتجهيز طبقا لمعايير معتمدة، كما هو مُطبق فى كل دول العالم، خاصة فى الحالات الحرجة ذات نسب الشفاء القليلة، حتى لا يتردد  الأطباء فى عمل التدخلات الطبية خوفا من الوقوع فى مساءلة قانونية أو ابتزاز، وأن يبذلوا أقصى جهودهم لإنقاذ هذه الحالات.

وفي رأيي أن صدور القانون مراعياً لكل تلك الاعتبارات من شأنه أن يبث الطمأنينة في نفوس المرضى وذويهم كما يسهم بالدرجة ذاتها في تقليل هجرة الأطباء إلى الخارج وفقدان كفاءات وكوادر يصعب تعويضها في بيئة تعاني نقصاً ظاهراً في الأطباء والتمريض أيضاً، وهو ما يتطلب من أعضاء مجلس النواب دعم هذا القانون، وسرعة إقراره ليعطي كل ذي حق حقه.

القانون المعمول به حالياً تنص مادته 244 على أن عقوبة الخطأ الطبي الجسيم الحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تزيد على مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين ، وهي عقوبة لا تقتصر فقط على أخطاء الأطباء وحدهم بل تتسع لآخرين معهم وهو ما لا تتناسب ووضع الأطباء الذين لهم كادر خاص والأحرى أن يكون لهم قانونهم الخاص أيضاً وهو ما يجري تجهيزه الآن تحت قبة البرلمان لاسيما بعدما تفاقمت الأخطاء الطبية وخرجت على كثرتها إلى صفحات الحوادث بالصحف والمواقع وصفحات السوشيال ميديا على اختلافها وقد أودت بحياة كثيرين لاذوا بحمى الطب بشكاوى مرضية بسيطة فإذا بهم يخرجون محمولين على الأكتاف بشهادة وفاة ليس آخرها جراحة بسيطة لرحم إحدى السيدات تحولت بفعل الإهمال إلى  ثقب في الرحم ثم القولون ثم تلوث بالدم أدى لوفاة الضحية.

يحدونا أمل كبير أن يحد قانون المسئولية الطبية من كوارث الأخطاء الصحية وأن يعيد ضبط العلاقة بين أطراف تلك العملية؛ بحيث لا يتغول طرف على آخر؛ فلا  يضيع حق المريض في التعويض المناسب إذا ساقه حظه العاثر إلى طبيب معدوم الضمير أو الكفاءة ، ولا يتعرض الطبيب لابتزاز ومطاردات واتهامات كيدية من مرضى أفاكين ولا تفلت المؤسسة الطبية من مسئوليتها عن أطبائها المخطئين وتقاعسها عن تطبيق المعايير المهنية وهنا لابد من إلزامها بالتأمين الإجباري على جميع العاملين بها.

الخطأ الطبي أمر وارد في أي مكان، يقع في عمومه عند امتناع طبيب عن علاج مريض أو لخطأ في التشخيص ووصف العلاج، أو لقصور في الرعاية اللاحقة وما أكثر ما يعتريها من إهمال وقصور.

مثل هذه الأخطاء مع تكرارها تهتز الثقة في المنظومة الصحية برمتها، وينال من سمعة كوادرنا الطبية في ناظري الدول الأخرى، ناهيك عما تسببه من فقدان للأرواح ..وهناك بلاد نجحت بالفعل في علاج تلك الظاهرة بتحديد دقيق لمسئولية الطبيب الذي عليه أن ينهض بجهود صادقة يقظة تجاه مريضه تتفق مع أصول مهنة الطب، فإذا ثبت خطؤه وجب عليه أن يتحمل ومعه المنشأة التي يعمل لحسابها تعويضاً مادياً ومعنوياً يناسب ما ارتكبه من خطأ.

ولعل أهل الطب يعرفون أن مسئوليتهم لا تقف عند التشخيص أو وصف الدواء للمرضى أو التدخل الجراحي  فقط بل تمتد لتشمل الرعاية اللاحقة لاسيما في الحالات الحرجة لتفادي حدوث مضاعفات ..ويُسأل الطبيب إذا تبين أن خطأه في التشخيص يعود لعدم استعماله الوسائل العلمية الحديثة فإذا بدأ بتكوين رأي ثم أهمل في إحاطة هذا الرأي بضمانات كافية تضعه في دائرة الإهمال بدرجة أو بأخرى.

ويحضرني ما قاله د.صلاح الغزالي حرب إن المريض المصري بصفة عامة عندما يذهب للطبيب فإنه يسلمه نفسه ونادراً ما يناقشه فيم يقول وما يصف من علاج..بل يخرج المريض من العيادة في أحيان كثيرة وهو يجهل اسم المرض الذي أصابه ..وقد اعتدت سؤال المريض في البداية عن اسم المرض الذي يعالج منه قبل حضوره وتأتي الإجابة غالباً: "مش عارف، بس باخد العلاج ده" وهو ما يؤسفني ويغضبني؛ ولهذا الأمر وجهان، أحدهما يشير إلى ثقة شبه مطلقة فيما يقوله الطبيب ويفعله، وذلك أمر حميد ومطلوب؛ أما الآخر فيشير إلى إحساس المريض بأنه لا وجه للمناقشة فيما يقوله ويقرره الطبيب؛ فهو أدرى بواجبه ..كما أن هناك –والكلام للغزالي- زملاء في المهنة يرفضون توضيح الحالة لمرضاهم، ويقتصدون كثيراً في الكلام معهم، وهو أمر مرفوض لتعارضه الواضح مع ميثاق شرف المهنة ..وهذا في رأيي السبب الرئيس فيما نراه من حالات خداع ونصب واحتيال من ممارسي المهنة، وكثير منهم دخلاء عليها..فهناك من يبيع الوهم للمريض الذي يدفع ثمنه غالياً..ما قاله د.الغزالي شهادة من أهل الطب على ممارسات بعض الأطباء ..وأضيف من عندى ما يلقاه المرضى وخصوصاً الفقراء من عنت ومشقة في توفير ثمن الكشف لدى بعض الأطباء الذين رفعوا أجورهم بصورة تفوق قدرة كثير من الأسر على تحملها، ناهيك عن تكلفة الأشعات والتحاليل والدواء والعمليات الجراحية ..ورغم كل ذلك فكثير من الأطباء يتحللون من إعطاء مرضاهم فاتورة مدوناً بها الرقم الذي تقاضوه مقابل الكشف؛ وهو ما يعني تهرباً من الضرائب ومن حق الدولة..فهل يمكن لمن تهرب من أداء حق الدولة أن يلتزم بأداء حق المريض في الحصول على خدمة طبية جيدة تضعه في الصورة وتطمئنه على حياته..؟!!

أليس المغالاة في الكشف والتهرب من الضرائب مما يقع ضمن اختصاص إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة..أليست الأخطاء الطبية ومواجهتها من واجباتها الأصيلة..لماذا نترك المواطن المريض فريسة في أنياب من لا يرحم مرضه وضعفه واحتياجه للدعم والمساندة لا بمن يزيد همه ويضاعف أعباءه ويستغل لحظات ضعفه..؟!

أين الرحمة ممن يفترض أنهم ملائكة الرحمة..أين هم من قول ربنا عز وجل: " وتواصوا بالمرحمة"..ولا من قول نبينا الكريم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ..؟!

أملنا أن تختفي ظواهر سلبية كالأخطاء الطبية الكارثية في الجمهورية الجديدة خصوصاً وأن هناك اهتماماً ما بعده اهتمام من رئيس الجمهورية بتحسين حياة المواطن وجودة ما يقدم له من خدمات طبية تعدد من أجلها المبادرات الرئاسية بدءاً من 100 مليون صحة مروراً بمبادرة علاج فيروس "سي" وليس انتهاء بتطعيم المواطنين من فيروس كورونا المستجد الذي ندعو الله أن يريح العالم منه.