مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 وتلك قضيتنا التي ينبغي أن نعمل لها..!!


بناء الوعي أهم ركائز الاستقرار ودعائم التنمية؛ ومن ثم فقد أولاه الرئيس السيسي عناية قصوى منذ تولى مقاليد البلاد؛ ذلك أن الفوضى والانفلات اللذين صاحبا وأعقبا أحداث يناير 2011 تجعلنا نتساءل دوماً: هل يمكن استدراج شعب لهدم دولته بنفسه دون أن يطلق أعداؤه رصاصة واحدة..هل كان وعي المصريين في أفضل حالاته آنذاك..ولماذا استسلم بعضنا لغواية الفوضى وانساق وراء الغوغائية الزاعقة، ناسياً أن الهدم لا يأتي بخير، وأن الإصلاح خير وسيلة للتقويم والتغيير.

ولا سبيل لإصلاح الفكر المنحرف أو المتطرف إلا بفكر أقوى منه حجة وأكثر إقناعاً وتأثيراً..فأخطر ما تواجهه مجتمعاتنا هو رياح التشويش والتشويه التي تعصف بكل قيمة وتهدر كل رمز فلا يبقى بعدها ثوابت ولا قيم ولا راية يصطف خلفها المواطنون ومن هنا يتسلل أعداؤنا مستخدمين أفكاراً مغلوطة لأغراض سياسية تخدم مصالحهم.

وفي ظروف كهذه تصبح مضاعفة جرعات الوعي الحقيقي والمعرفة الرشيدة فريضة لازمة في بناء الإنسان وتحصين الوطن وزيادة الإنتاجية.

ولن يتحقق شيء من ذلك إلا إذا نهضت المؤسسات المعنية ببناء العقل وصياغة الوجدان بدورها مؤمنة بأننا في حاجة لإحداث تغيير جذري في ثقافة شائعة ومغلوطة تغذي التواكل والخرافة والفهلوة وانعدام الضمير واستحلال المال العام والخاص أيضاً، تغيير مفاهيم خاطئة صارت لطول بقائها مسلمات تعشش في العقول وتضع العراقيل في طريق التطور ..تغيير جذري يدحض الفتاوى المخربة والمتهافتة ويكرس للاجتهاد المستنير بأدواته وضوابطه المعتبرة من أهل التخصص ذوي الاعتبار والاستنارة.

فإذا فعلنا ذلك فإننا على الطريق الصحيح لبناء مواطن صالح ونهضة راسخة تصلح أساساً قوياً للجمهورية الجديدة..وأول   الخطى ترك الجدل العقيم الذي يضيع الوقت ولا يشبع البطون الجائعة ولا يصلح حلاً لوقف الانفجار السكاني الذي يبدد كل جهد، ويلتهم كل تنمية ويأكل في طريقه الأخضر واليابس إذا ترك على حاله بمعدلات زيادة سنوية تبلغ نحو 2.5 مليون نسمة.. ومهما قابل ذلك من إنتاج ونمو اقتصادي فلا يمكن له أن يكفي متطلبات الأجيال الجديدة وهو أمر غاية في الخطورة.

معركتنا مع التطرف والإرهاب فكرية بالأساس، تقتضي أن نشتبك مع الفكر الضال المتطرف والمتجذر في بيئة لم تقاومه بطريقة صحيحة منذ عقود، ولا سبيل لاستئصاله إلا بجهد وعلم وتوعية ووسائل غير تقليدية في محاربته وأدوات تناسب سرعة انتشاره لاسيما في عالمنا العربي المنكوب بمثل هذا التطرف والإرهاب.

ثورة الاتصالات والمعلومات ساعدت للأسف في انتشار الفكر المغلوط حتى صارت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة تتلقى الأفكار والمعلومات من كل صوب وحدب بلا فلترة ولا رقابة؛ الأمر الذي جعل السيسي يدعو صناع الفكر عبر مداخلة تليفزيونية مع الكاتب الدرامي عبد الرحيم كمال لكتابة مزيد من أعمال الدراما المبدعة الهادفة لتجديد الخطاب الديني وإعادة تشكيل وعي المصريين بصفة عامة، ووضع الثقافة والسينما والدراما والفنون في مصر في وضع يليق بها ويتناسب مع تأثيرها القوي في المجتمع مثلما حدث مع مسلسل الاختيار 1 و2 و"القاهرة كابول".

الرئيس بادر كعادته مؤكداً أن الدولة ستدعم مثل هذه الأعمال الكبرى مهما تكن تكلفتها؛ الأمر الذي يبعث على الطمأنينة ويدعو أهل التخصص من الكتاب التنويريين إلى تحمل مسئولياتهم والتحرك بأقصى سرعة وفي جميع الاتجاهات لنشر الفكر وتجديد الخطاب الثقافي ومحو آثار التشويه ووقف محاولات استهداف العقل المصري بالأعمال التافهة والمتردية والساقطة؛ فنشر الرذيلة لا يقل خطراً عن نشر الإرهاب وكلاهما تدمير منظم لأهم ما تملك مصر..ولابد أن يمتد ذلك الأثر ليشمل النجوع والقرى والمدن التي تشهد الآن حركة غير مسبوقة في العمران والتطوير على طريق "حياة كريمة".

ولسنا في حال يدعونا للاستكانة والاستهتار بما يشكله الفكر الظلامي من خطورة داهمة على الأجيال الجديدة؛ إذ لا يزال يشكل وعي الناس في القرى وهو ما ينبغي للجميع –حكومة ومجتمعاً مدنياً- أن يتصدى له وليس المؤسسة الدينية فحسب فهناك مؤسسات أخرى يقع على عاتقها مسئوليات كبرى في تجديد الخطاب العام ثقافياً كان أم إعلامياً لتوعية المواطن بحجم المخاطر وطبيعة التحديات.

تماسك الجبهة الداخلية مرهون دائماً بوعي كل فرد بما عليه ولن يتأتى ذلك إلا عبر إلمام كل واحد بقضايا أمته وشأنها العام وشواغلها وهمومها حتى يتكون في الأخير إدراك جمعي كامل بخطورة ما يجرى من حولنا وضرورة تفاعلنا جميعاً معه حتى يتسنى لنا التعامل مع ما تشهده منطقتنا من تحديات ومتغيرات معقدة.

ولا يزال شعبنا في حاجة لمن يتحدث معه ويكاشفه باستفاضة وموضوعية بمنطلقات متنوعة تناسب كل الفئات وتراعي كافة الأفهام والمدارك حتى يتحقق تكافؤ في فرص المعرفة والوعي بكافة القضايا كما طالب الرئيس السيسي دوماً..فمازلنا في حاجة لتغيير جذري في الفكر الديني لقطع الطريق على كل فكر جامد أو متطرف وكل متاجرة بالدين أو تفسيرات خاطئة أومنحرفة تتبناها جماعات التطرف وتنظيمات الإرهاب..

ما زلنا في حاجة لتغيير يعيد الخطاب الديني لمساره الصحيح دون إفراط أو تفريط، تغيير يعلى المصالح العليا للبلاد والعباد، ويجعلها معياراً حاكما لمسارات الاجتهاد والتجديد.

ما زلنا في حاجة لإرادة مجتمعية صادقة لتغيير الأفكار الخاطئة؛ فبعضها صار لفرط شيوعه ثقافة مسلماً بها خصوصاً لدى شبابنا الذين استهوتهم تلك الأفكار حتى اتخذها البعض معتقداً لا يقبل نقاشاً ولا تغييراً، وهي الأفكار التي تسربت إليهم في ظل ما يعانيه بعضهم من إحباط وفراغ وانفلات أعقب ما عرف بثورات الربيع العربي.

وإحقاقاً للحق فإن السيسي بذل ولا يزال جهداً جهيداً لبناء وعي حقيقي قادر على تحصين المواطن ضد الحروب الحديثة ليعوض غياب الإعلام المستنير والثقافة الأصيلة والفن الهادف.

ببساطته وصراحته المعهودة تصدى الرئيس لشرح تحديات المرحلة ومتطلباتها ومخاطرها عبر مؤتمرات وندوات تثقيفية ومناسبات وطنية عديدة، ووجدت كلماته طريقها للشعب الذي أصغى إلى رئيسه الذي بيَّن له كيف جرى توظيف مواقع التواصل لاجتماعي لخلق صورة ذهنية زائفة لتستقر في وعي المواطن وتحبطه وتهز ثقته في نفسه ودولته وقيادته..ورغم المحاولات المستميتة من جانب أعداء مصر لزعزعة الاستقرار وإثارة القلاقل بين الحين والآخر فإن ما تشكل لدى المواطن من وعي إثر تلك الأحداث كان كبيراً للغاية، ومن ثم فالرئيس لا يخشى على مصر أخطار الخارج وتحدياته ما دامت جبهتنا موحدة قوية على قلب رجل واحد ..وما أكثر ما تحطم من شائعات على صخرة الوعي الذي يتحلي به شعبنا رغم متاعبه ومشكلاته.

ولا يخفي ما يتحلى به الرئيس السيسي منذ تولى حكم مصر من إدراك عميق لحجم ما يتهددنا من مخاطر فانطلق يؤسس لمرحلة جديدة قوامها استعادة الدولة الوطنية والحفاظ على مقومات وجودها وهو نفس ما طالب به الرئيس كتاب الدراما الذين عليهم أن يؤسسوا أعمالهم وفقاً لتلك الاعتبارات..وهي الدعوة التي كان يقابلها البعض للأسف باستخفاف ولا مبالاة وكأن هؤلاء عمي البصيرة لا يرون حجم ما يتهدد البلاد من مخاطر جمة من كل اتجاه..واليوم عرف من لم يكن يعرف وفهم من كان يجب أن يفهم ما قاله الرئيس وأعاد تأكيده مراراً وتكراراً في إصرار لم يتزعزع ويقين لم يهتز..ولعل مثل هذه الرؤية نابعة بالأساس من حس استخباراتي متأصل في شخصية السيسي الذي قال خلال لقائه بالمثقفين في مستهل توليه الحكم رداً على سؤال حول أولوياته رؤيته لما يجري فأجاب بحسم إنها تتلخص في الحفاظ على الدولة ومؤسساتها..وتلك في رأيه أمانة كبرى وضعها الشعب في عنقه يوم اختاره رئيساً للبلاد وقد فوضه قبلها بمحاربة الإرهاب وحماية البلاد من أعدائها.

ولا يزال الرئيس مهموماً بتشكيل وعي حقيقي للمصريين يبين لهم حقيقة ما يدور حولهم ويستهدف دولتهم حتى يتكون لديهم من فرط خطورته فوبيا إسقاط الدولة ليس تخويفاً ولا تهويلاً بل تحصيناً لوحدتهم وتأميناً لدولتهم من عواصف الفتنة والتآمر التي تبغي جرجرتهم لمستنقع الاضطرابات ..ولمَ لا وقد رأوا بأم أعينهم كيف جرى تحضير عفريت داعش لاستنزاف دولنا وهز استقرارها ودفعها إلى طريق اللاعودة ..ولعل ما حدث أخيراً في أفغانستان وقفز طالبان على الحكم دليل على أن الرهان على الخارج أو أمريكا تحديداً رهان خاسر ..ثم ألم يسأل المتشككون في كل شيء كيف نقي أنفسنا من مغبة مصير كهذا ..ألا يرى هؤلاء كيف يجرى بين الحين والآخر تجهيز المسرح بألاعيب مكشوفة تقليدية أو مبتكرة لتفكيك المنطقة وإبقائها رهناً لتجاذبات هنا وصراعات هناك .

وإذا كان الرئيس لا يتوانى عن القيام بواجبه لصون أمانته وتجنيب مصر شر الفوضى بجهد منظم وتنبيه مستمر للخطر من حيث يراه فإن على جميع أجهزة الدولة والإعلام والمفكرين, وأصحاب الرأي أن يتنادوا لدرء كل مفسدة واستنهاض كل همة وشحذ كل عزيمة تحصيناً للجبهة الداخلية بوعي صادق أمين يعي مقتضيات المرحلة وواجباتها ومخاطرها الحقيقية.

ولست مبالغاً إذا قلت إن شعبنا أذكى من أن يخدعه أحد؛ فهو تاريخياً يبصر بفطرته النقية أي خطر محدق بأمته لكنه رغم هذا الإدراك وتلك البصير يحتاج دوماً لمن يذكره بما يجب عليه فعله؛ فمشاغل الحياة تنسي، ومتاعب الحياة تلهي، ولعل الذكرى تنفع المؤمنين كما  توجهنا آيات الذكر الحكيم..ومصر تعرضت ولا تزال لموجات عاتية من التشكيك ومحاولات نشر الفوضى وخلخلة مؤسساتها وتوهين عزيمة شعبها عبر أساليب شتى من حروب الجيل الرابع والخامس وهي أساليب لا تقل خطورة عن الإرهاب وجرائمه الدامية ..وتفرض علينا في المقابل أن نكون على أهبة الاستعداد لمواجهة مثل هذا الخطر الذي لن يدرأه عنا إلا وحدتنا واحتشادنا خلف راية الوطن.

أما التعويل على الخارج فهو خاسر خاسر والأمثلة حولنا عديدة؛ فما من دولة دخلها الأمريكان إلا أفسدوها وجعلوها خراباً وجعلوا أعزة أهلها أذلة..فإذا لم لديك قضية تموت من أجلها -كما يقول المفكر الإنجليزي كبلنج- فلا تستحق  حياة وهبها الله لك.

وليس أهم الآن من صياغة فكر جديد وثقافة جديدة وفن راقٍ ورؤية خلاقة تستشرف آفاق المستقبل وتؤسس أولويات الوقت وتشتبك واقعياً مع إشكاليات التعليم وتراجع الأخلاق والأمية والخطر السكاني وتحارب ظواهر سلبية عديدة كالعنف والإدمان والفن الهابط وخصوصاً أغاني المهرجانات وألفاظ الشارع البذيئة التي انتشرت في مجتمعنا بصورة فجة تنذر بما هو أخطر وأكثر قبحا، وتحفز  في المقابل على زيادة الإنتاجية وتحرض على الإبداع والاجتهاد والإتقان والحفاظ على الدولة ..وتلك هي القضية التي ينبغي أن نعيش ونموت من أجلها ..فليس بعد الأوطان حياة.