كل أسبوع

الكبر رذيلة تهلك صاحبها

ما منع إبليس اللعين الامتثال لأمر الله تعالى إلا الكبر، وذلك حين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" (البقرة 33)، ولما سأله الله سبحانه وتعالى وهو أعلم بحاله ومآله عن سبب امتناعه عن السجود؟.. أجاب اللعين فيما حكى القرآن الكريم: "أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" (البقرة 74-٧٥).

ولخطورة رذيلة الكبر التى تهلك صاحبها وتنعكس على سلوكيات  جوارحه، نجد أن علماء التصوف  قد تحدثوا بشكل مفصل في معظم كتبهم عن خطورة هذه الرذيلة، وبينوا حقيقتها وأسبابها وأقسامها مع إشارتهم إلى الدواء الذي يطهر القلب منها مستدلين بآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة.

فمن الآيات القرآنية التي تذم هذه الآفة قوله تعالى: "سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ" (الاَعراف 146)، وقوله تعالى: "كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ" (غافر، 35)، وقوله تعالى: "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ" (النحل 24)، وغير ذلك كثير من الآيات.

وورد عن الحبيب المصطفى، أحاديث كثيرة تذم الكبر، منها ما أورده الإمام مسلم فى صحيحه، قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد" وفي الحديث القدسى يقول الله عز وجل: "العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعنى واحدا منهما عذبته".

ويذكر ابن قدامة في كتابه "المختصر" أن آفة الكبر عظيمة وفيها يهلك الخواص، وقلما ينفك عنها العباد والزهاد والعلماء، ويقول كذلك: "وكيف لا تعظم آفته وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". وقيل: إن الكبر هو الخصلة المهلكة رأسا، أما تسمع قوله تعالى: "أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" (البقرة، 32)

ويذكر الإمام أبو حامد الغزالي بأن التكبر، باعتبار المتكبر عليه، ثلاثة أقسام، القسم الأول: التكبر على الله تعالى، وقد وصف هذا القسم أنه من أفحش أنواع الكبر وأخطره، وقد قال تعالى في حق هؤلاء المتكبرين: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا" (الفرقان60).

القسم الثاني: التكبر على الرسل، من حيث النفس وترفعها عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس كما حكى الله تعالى في كتابه العزيز قولهم: ".. أَنُؤمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا" (المؤمنون ٤٧).

القسم الثالث: التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره فتأبى نفسه الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم.

وقد أجمع علماء التصوف على أن طهارة القلب من آفة الكبر فرض عين، ومنهم الإمام ابن قدامة المقدسى الذي دعا إلى ضرورة تطهير القلوب من هذه الآفة بقوله: "اعلم أن الكبر من المهلكات ومداواته فرض عين" ويضيف: إن من تكبر بسبب العلم فليعلم أن حجة الله على العالم آكد من الجاهل، وليتفكر في الخطر العظيم الذى هو بصدده، فإن خطره أعظم من خطر غيره كما أن قدره أعظم من قدر غيره.

ويقول الإمام الحارث بن أسد المحاسبى: وبعد.. فإنك منهي من تفضيل نفسك، وتزكيتها محرم عليك، وعساك في القيامة تحت أقدام الذين ازدريتهم في الدنيا، ويقول كذلك: "فتدبر ما سمعت واستعن بالله على نفي الكبر من قلبك".

أعاذنا الله وإياكم من رذيلة الكبر المهلكة لصاحبها.

______