الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

عيون الشعب 

راهب الجغرافيا !

 

فى حياة الشعوب .. شخصيات تعيش فى الوجدان مدى الحياة .. بما قدمته من علم وفكر وثقافة وايضا رياضة .. هؤلاء يتركون بصمة .. لا يمحوها الزمن .. من هؤلاء العمالقة د. جمال حمدان .. عالم الجغرافيا الذى وهب حياته للعلم .. والذى نعيش ذكرى ولادته هذه الأيام .. فهو من مواليد ٤ فبراير ١٩٢٨ بقرية ناى .. احدى قرى مركز قليوب .. حصل على ليسانس الآداب .. قسم جغرافيا فى عام ١٩٤٨ من جامعة القاهرة بامتياز .. ولم يتجاوز العشرين عاما .. وعين معيدا .. ثم حصل على الماجستير والدكتوراه .. من جامعة ريدنج بانجلترا .. ليعود الى كليته بجامعة القاهرة .. حتى عام ١٩٦٣ .. ليقدم استقالته ويتفرغ لكتبه ومشروعه الكبير كتاب شخصية مصر : دراسة فى عبقرية المكان .. الذى استغرق عشر سنوات وصدر فى اربعة الاف صفحة .. فى اربعة مجلدات .. وكان قد أصدر الصياغة الاولى لهذا الكتاب فى عام ١٩٦٧ .. وقد اطلق هو عليه .. مشروع عمره الاساسي .. وترجم الى الإنجليزية والفرنسية .. وقدم بعد ذلك كتابه اليهود انثروبولوجيا .. ثم استيراتيجية الاستعمار والتحرير .. فكتاب العالم الإسلامي المعاصر .. وله اكثر من (٢٠) كتابا .. بالاضافة إلى العديد من الدراسات .. التى نشرت فى مجلات ودوريات علمية .. بمختلف دول العالم .. حصل عام ١٩٨٥ .. على جائزة الدولة التقديرية .. كما حصل على جائزة التقدم العلمى بالكويت .. توفى داخل شقته محترقا فى ١٧ ابريل ١٩٩٢ فى حادث مأساوي .. مجهول .. لم يكن جمال حمدان عالم عادى .. ولكنه استطاع ان يجمع بين الزمان والمكان .. فى علم الجغرافيا .. ولعل سر عظمته .. وتفرده .. انه جعل الجغرافيا .. مفتاح لشخصية سكان المكان .. بمعنى اكثر دقة .. انها تنفذ او تستكشف روح المكان .. لتصل الى وضعه الحقيقى .. او شخصيته الكامنة .. وكما يقول جمال حمدان .. ان البيئة قد تكون فى بعض الأحيان خرساء .. ولكنها تنطق خلال الانسان .. والجغرافيا صماء .. ولكن التاريخ لسانها .. وكما ان التاريخ ظل الانسان على الأرض .. فإن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان .. ولعل جمال حمدان من القلائل فى العالم .. الذى استخدم الجغرافيا .. فى كشف شخصية اصحاب الأرض .. كما فعل فى كتابه الرائع شخصية مصر .. وامامى عدد من المؤرخين الكبار .. ليسوا من الجغرافيين .. قدموا لنا .. بحثا فى الشخصية الإقليمية .. مثل المؤرخ الإنجليزى سيربل فوكس .. فى كتابه المعروف شخصية بريطانيا .. ولعلنا نتذكر المبدع حسين فوزى فى سندباد مصر .. ود. جلال امين فى ماذا حدث للمصريين .. وشفيق غربال فى تكوين مصر .. وكتاب شخصية فرنسا .. ولكن للعالم المصرى الكبير جمال حمدان .. فكر بناه باجتهاده وبحثه .. وتفرغه .. فهو لم يتزوج .. عاش كراهب للجغرافيا .. التى عشقها .. وطوعها طبقا لفكره ومعتقداته .. وهو القائل : ان للجغرافيا كلمتها .. فى معرفة جوهر الوطن .. فهى التى تربط الأرض بالناس والحاضر بالماضي والمادى باللامادي .. تكاد الجغرافيا تتعامل مع كل ما تحت الشمس وفوق الأرض .. وهكذا يضع د. جمال حمدان .. كعالم جغرافيا .. يضع علمه فى خدمة مجتمعه .. وكما يقول العالم جمال حمدان .. اننا فى حاجة ماسة الى فهم كامل لوجهنا ووجهتنا .. لكياننا ومكاننا .. لامكانياتنا وملكاتنا .. وايضا لنقائضنا .. بلا تحرج او هروب .. فليس فى العلم .. شعب مختار .. ولا أرض موعودة .. انه يشخص نقاط القوة والضعف .. يقول جمال حمدان .. ان مصر فرعونية بالجد .. ولكنها عربية بالاب .. وجسمها النهرى قوة بر .. وبسواحلها قوة بحر .. تضع قدما فى الأرض وقدما فى الماء .. برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا .. اكثر من ضخم .. تمد يدا نحو الشمال .. والأخرى نحو الجنوب .. هى قلب العالم العربى وواسطة العالم الإسلامي وحجر الزاوية فى العالم الافريقى .. وهذا ما يجعلها امة وسطا بمعنى الكلمة .. وهى سيدة الحلول الوسطى .. انها فلتة جغرافية .. لا تتكرر فى اى مكان فى العالم .. ولا يوجد فى التاريخ بلد يرتبط تاريخه بجغرافيته مثل مصر .. وبحكم هذا الموقع .. مصر ملتقى العرب ومجمع الاسرة وملجأ وملاذ وخط دفاع عن التراث العربى .. وفى كل الأحوال فإن مصر .. بؤرة تستقطب موجات النازحين والمهاجرين .. وفى كل الحالات تلعب مصر دور المنار للإسلام ودور المنير للعروبة .. وبقناة السويس وضعت مصر يدها على نبض العالم .. رحم الله العالم الكبير د. جمال حمدان .. فى ذكرى يوم مولده .. الذى قدم لنا حقيقة شخصية مصر .. عن طريق الجغرافيا .. بصورة غير مسبوقة  .