مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

رغيف العيش والحياة الكريمة

 

تظل قضية دعم رغيف الخبز تشغل بال قطاع كبير من المواطنين المصرىين فى ظل عملية الاصلاح الاقتصادي التى تمر بها البلاد، والتى أدت إلى إرتفاع أسعار السلع الأساسية مع استمرار الأجور دون زيادة مناسبة خلال الفترة الأخيرة. وتأتى فكرة التحول النقدي لدعم رغيف الخبز ورفع كفاءة وتحسين منظومة المخابز الجديدة، بمثابة بادرة جيدة استكمالًا للمبادرات الطموحة لمبادرة (حياة كريمة)، والتى تستهدف تحقيق التنمية المستدامة للمواطنين الأكثر احتياجًا، وذلك فى إطار توجيهات القيادة السياسية وحرصها الشديد على دعم المواطن الأولى بالرعاية والدعم وتخفيف العبء عن كاهله، وتقديم كافة سبل الراحة والرفاهية لكافة المواطنين، وقد صرح السيد الرئيس بأن الوقت قد حان لزيادة سعر رغيف العيش المدعم والذى يباع بخمسة قروش، لتوفير تكلفة التغذية المدرسية المجانية لطلاب المدارس والتي من المتوقع أن تصل تكلفتها إلى 8 مليارات جنيه. حيث تسعى الحكومة المصرية ومن خلال أدوات السياسة المالية إلى تحقيق أهداف المجتمع، ومن ضمنها هدف تحقيق العدالة في توزيع الدخول وضمان حياة كريمة للطبقات الفقيرة والمهمشة. وهي تركز إهتمامها في هذا المجال على أدوات السياسة الإنفاقية خاصة الدعم والإعانات. وذلك لتخفيف ما قد ينشأ من آثار جانبية في ظل وجود تعارض في كثير من الأحيان بين إمكانية تحقيق هدف العدالة في توزيع الدخول لتحقيق هدف التنمية الاقتصادية أو الاستقرار والاصلاح الاقتصادي وإعادة النظر في منظومة الدعم المطبقة، والتي لم يعد هناك شك في ضرورة اصلاحها بسبب تكلفتها المتزايدة، وانخفاض كفاءتها الاقتصادية وفاعليتها في تحقيق العدالة في توزيع الدخول. كما أن توجيه الدعم النقدي بصورة مباشرة للمستفيد دون وسطاء، يساهم في منع تسرب الدعم إلى غير مستحقيه علاوة على إختفاء إزدواج أسعار السلع المدعمة وبالتالي تجنب تشوهات السوق.

ويعرف الدعم النقدي على أنه تقديم الأموال إلى فئة معينة من فئات المجتمع لاشباع حاجاتهم الأساسية والضرورية عبر المساعدات الاجتماعية النقدية العامة، ويكون الغرض منها ضمان مستوى دخل للأفراد بحيث لا يقع الفرد تحت خط الفقر، حيث أن الأولى بالدعم النقدى هم الفئات الأكثر فقرا والأقل دخلا وهم عمال اليومية والعاطلون عن العمل والعمالة غير المنتظمة والأرامل والأيتام وذى الاحتياجات الخاصة وأصحاب الأمراض المزمنة وكذلك المستحقون لمعاش تكافل وكرامة والسادات والضمان الاجتماعى وأصحاب المعاشات وكبار السن من غير القادرين على العمل، وهو إلا أحد أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الدول لإعادة توزيع الدخل القومي باعتباره تحويلات تتم من قبل الدولة )بدون مقابل) لصالح الفقراء ومحدودي الدخل، بغرض حمايتهم ورفع مستوياتهم المعيشية، من خلال حصولهم على نصيبهم من الناتج القومي وبما يحقق في النهاية هدف العدالة الاجتماعية.

وبصفة عامة فقد تبنت الكثير من الدول سياسة الدعم العيني لفترات محدودة أثناء الأزمات مثل الحروب والكوارث الطبيعية كوسيلة مؤقتة لتوزيع السلع الاستراتيجية غير المتوفرة للمواطنين الراغبين فيها بغض النظر عن قدرتهم على الشراء، وقد درجت مصر لفترة طويلة على استخدام الدعم كأداة لتخفيف المعاناة المرتبطة بإرتفاع الأسعار وتدني مستويات الدخل عن كاهل المواطنين خاصة ذوي الدخول المحدودة ولتحقيق نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي. أن تحقيق العدالة في توزيع الدخول يٌعد من الأمور الهامة لتحقيق التنمية الاقتصادية علاوة على دوره في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وقد حظيت فكرة التحول من الدعم السلعى إلى الدعم النقدي على إهتمام الحكومة وأعلن السيد وزير التموين أن الدعم النقدى أثبت كفاءته عن العيني، وأن الحكومة تولى التحول إلى الدعم النقدى إهتماما كبيراً، على أن يتم صرفه فى شكل سلع أساسية وليس سيولة مادية، وهو ما يعني وضع مبلغ مالي للمواطن في بطاقته التموينية يستطيع من خلاله الحصول على حصته اليومية من الخبز، وما يتبقى يتم وضعه في حسابه ليشتري بها ما يريد. وسوف يلغى الدعم النقدي مسئولية الدولة عن إنتاج الرغيف وتوريد القمح وفساده ويجعل المخابز تتنافس في إنتاج أرغفة بأسعار مختلفة تناسب كل المستويات وتتنافس فيما بينها لجذب المستهلك.

ومنظومة رغيف الخبز المدعم والتي يستفيد منها 72 مليون مواطن. ويصل إجمالى الأرغفة المستحقة للمستفيدين إلى نحو 120.8 مليار رغيف. وتخصص الدولة 89 مليار جنيه سنويا فى الموازنة الحالية لدعم السلع التموينية والخبز، ويصل إجمالى دعم رغيف الخبز فى الموازنة العام للدولة للعام المالى الجارى 2021-2022 إلى حوالي 53 مليار جنيه بنسبة تتجاوز 60%، وهو ما يمثل عبئا على موازنة الدولة، ويبلغ نسبة حجم الفاقد والإهدار لميزانية دعم رغيف الخبز حوالي 30%، ومبلغ يقدر بحوالى 15مليار جنيه سنوياً، وعدم وصول مبلغ الدعم العيني أو السلعي إلى مستحقيه بنسبة 25%، كما أن الدعم العينى ساعد فى خلق السوق السوداء بين حلقات التعامل فى توزيع الدعم، هذا وتحتاج قيمة دعم الفرد مراجعة دورية بسبب إرتفاع الأسعار ونسب التضخم، كما أن هناك  نسبة لايستهان بها من غير حائزي البطاقات التموينية ممن يستحقون الدعم. وحال تطبيق توجيهات السيد الرئيس، ستصبح هذه هي الزيادة الأولى في سعر رغيف الخبز المدعم بمصر حيث ظل ثابتًا منذ 33 عامًا عند سعر 5 قروش في حين تبلغ تكلفته الفعلية 65 قرشًا، بحسب الأرقام الرسمية. حيث يحصل حاليا كل مواطن على 5 أرغفة يوميًا أى 150 رغيفًا شهريًا دون أى شروط، وجميع المصريين متساوون فى الحصول على دعم الخبز، والأرغفة التى لا يقوم المواطن بالحصول عليها يقوم باستبدالها بسلع أساسية مقابل 10 قروش للرغيف الواحد، وهو ما يسمى سلع نقاط الخبز، علما بأن 90% من أطفال مصر تحت مظلة الدعم التموينى. ويعد التحول النقدي لدعم رغيف الخبز خطوة كبيرة نحو إصلاح وضع الموازنة العامة، وقد تؤدى هذه الخطوة إلى القضاء بنسبة 100% على أى فساد كانت تشهدها منظومة الدعم العينى بوضعها الحالى، وتقضى على الروتين والبيروقراطية. وهناك الكثير من الايجابيات الاقتصادية الناتجة عن التحول من الدعم العيني للدعم النقدي لرغيف الخبز البلدي والمصاحبة لإزالة التشوهات السعرية الناتجة عن تبني الحكومة لسياسات الدعم العيني، فعلى مستوى الأسرة فإن يتوقع أن يؤدي التحول فإنخفاض معدل استهلاك الخبز مع ارتفاع استهلاكها من السلع الأخرى، مما يعني انخفاض الحافز لدى الأسرة لإهدار أو لسوء استخدام سلعة الخبز البلدي نتيجة لارتفاع قيمتها النسبية، كما يمكن للحكومة توفيرجزء كبيرمن مخصصات دعم رغيف العيش دون المساس بمستوى الرفاهية الاقتصادية للأسرة والأفراد في المجتمع، وبذلك تستطيع الحكومة توفير جزء لايستهان به من قيمة الدعم العيني لرغيف العيش وتخفيض العبئ على ميزانية الدولة المرتبط بدعم رغيف الخبز. يمكن للحكومة من أن تقوم بإعادة توزيع جزء من هذا الوفر على الطبقات الفقيرة والمحرومة والمهمشة بالمجتمع لتحقيق أهداف اجتماعية.

وهذا ما يؤكد أن دعم الخبز يحتل مكانة لايستهان بها من حجم الدعم الكلي المباشر، وأن فكرة تخفيض عدد الأرغفة المخصصة للمواطنين لم يتم التطرق إليها من قريب أو من بعيد. ومن المتوقع أن تصل حصة الفرد من الدعم النقدى إلى حوالي 150 جنيها لكل فرد، ولكن بشرط ان يكونوا من الأشخاص المستحقين للدعم. وذلك لترسيخ الاستقرار الاجتماعي في ظل الارتقاء بمستوى الكفاءة الاقتصادية، وترشيد استهلاك السلع المدعومة بغية رفع مستويات الكفاءة الاقتصادية في الانتاج والتوزيع وخفض قيمة الانفاق الحكومي الموجه للدعم. وهناك أهمية للقياس الدقيق للمكونين الاقتصادي وغير الاقتصادي لفاتورة الدعم ليتوافر لصانع القرار السياسي والاقتصادي المعلومات الكاملة عن دور الدعم في حياة المواطن المصري عند إتخاذ أي قرار بشأن توفير تلك السلع الاستراتيجية للمستهلكين. وترتفع تكلفة إنتاج الخبز في مصر بسبب استيرادها معظم احتياجاتها من الخارج، إذ تعد مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم بمتوسط 12 مليون طن سنويًا. وقد أعدت وزارة التموين خطة الدولة لانشاء عدد من الصوامع لتقليل الفاقد أثناء تخزين القمح وخفض تكلفة الاستيراد إلىجانب المساهمة في توفيره طوال الوقت بحالة جيده وكذلك تحويل المخابز البلدى للعمل بالغاز الطبيعى بدلا من السولار بما يساهم فى خفض تكلفة إنتاج رغيف الخبز، وتحسين جودة الرغيف وحماية البيئة من التلوث وينعكس بدوره على الموازنة العامة للدولة.

إن الدعم النقدى سيظل أكثر استهدافا ووصولا إلى مستحقيه بصورة أكفأ وأضمن وأنفع للمواطن من خلال بطاقة إئتمانية أو بطاقة ذكية للأسرة يتم الحصول عليها من البنوك أو مكاتب البريد، محدد فيها كافة بيانيات المستفيد ورقمه القومي لإحكام الرقابة والسيطرة على معدلات التسريب، على أن يتم مراجعتها دوريا، وتصبح رصيدا نقديا للمواطن تحدد مخصصاته من الدعم ليقوم بالشراء المباشر من السوق الحر، فى صورة سلع أساسية تحتاجها الأسرة من أى منفذ تجارى يختاره، على ألا تتضمن أى سلع ضارة بصحة للانسان كالتدخين وغيرها، ولا يسمح بصرف مبلغ الدعم النقدى نقدا سائلا، وهذا يحقق المنافسة الشريفة بين من يتعامل معهم المستفيد من الدعم النقدى. وسوف يحقق هذا النظام العديد من المزايا للمواطنين، أهمها، أنها ستتيح للمواطن الحرية كاملة فى تحديد أولويات إنفاقه للدعم النقدى المخصص له ببطاقة التموين، والحصول على السلعة فى الوقت المناسب له، وحسب تفضيلاته وإختياراته بخلاف الدعم العيني واختيار المخبز ونوعية الخبز الذي يفضله وسعره، خاصة وأن المواطن سيصبح محور المنظومة ولديه الأموال اللازمه لذلك، كما سيتيح للمواطن شراء السلع والمنتجات بدلا من حصته من الخبز أو بدل جزء منها فقط، كما ستساعد على فتح مجالات كثيرة للعمل، وضخ مليارات من الجنيهات في السوق التجاري مباشرة، ويجعل هناك تنافسا بين مختلف القطاعات التجارية، وهذا يتطلب أن تلتزم الدولة بدورها الرقابي بشكل أكبر.

خاصة وأن الدراسات تشير إلي أنه لو استفاد الفقراء من الأموال الموجهة للدعم علي الوجه الأكمل، لانخفض الفقر بمعدل يفوق أثر زيادة معدل النمو الناتج بنسبة 3%، واختفت السوق السوداء للسلع وترشد الاستهلاك، مع ضمان عمل الأسواق بصورة سليمة،  اذ يجب أن يكون نموا مواليا للفقراء وموسعا لقدرتهم وفرصهم وخيارات حياتهم، أي ضرورة العمل على ازالة أسباب الفقر وليس فقط التخفيف من آثاره.

ومن المتوقع إنخفاض حجم الدعم خلال السنوات القليلة القادمة، ولأول مره منذ ثمانون عاما، نتيجة لجني ثمار عملية الاصلاح الاقتصادي وإنخفاض معدلات البطالة والتضخم وإرتفاع مستوى المعيشة لنسبة كبيرة من المواطنين.

ولتعظيم الاستفادة من عملية التحويل من الدعم العيني للدعم النقدي نقترح الآتي:

- تصنيف الفئات المستحقة للدعم إلى ثلاث مستويات: الأولى للطبقات المحرومة وشديدة الفقر والثانية للطبقات الفقيرة والثالثة للطبقة الوسطى وأصحاب المعاشات ويختلف حجم الدعم من طبقة لأخرى طبقا لمستواها المادي.

- الاعتماد على السلع المحلية في منظومة النقاط لدعم العامل والمزارع والاقتصاد المصري ووقف نزيف العملة الوطنية بالاستيراد الجائر.

- إمكانية ضم الدعم  النقدي لبطاقات برامج تكافل وكرامة ومعاش السادات ومعاش التضامن الاجتماعي.

- البدء في تنويع أصناف الدقيق، والبدء في تصنيع الخبز من الدقيق المخلوط بدقيق الذرة والشعير والكينوا والبطاطا والشوفان والكاسافا لخفض تكلفة رغيف الخبز بنسبة لاتقل عن 30% من التكلفة الحالية، وزيادة التنوع في أصناف الخبز المعروضه للمستهلك وخلق حالة من المنافسة في سعر رغيف الخبز وأشكاله إلى جانب رفع القيمة الغذائية له والحد من الأمراض المرتبطة باستهلاك دقيق القمح الأبيض.

- تحويل جزء من الدعم العيني في صورة كوبونات غذاء للفقراء، حيث أن تكلفة هذه الكوبونات أفضل بالنسبة للحكومة من الناحية الاقتصادية ولتحسين مستوى التغذية والحالة الصحية للطبقات الفقيرة، وكذلك يمكن للمستفيدين الحصول على تذاكر المترو أو القطارات خصما من حصته بالدعم، لتيسير وصولهم إلى أعمالهم.