هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

أكبر ضمانة لتحصين الشعوب

 

لا أبالغ إذا قلت إن وعي الشعوب هو أكبر ضمانة لاستقرارها وتقدمها؛ ومن ثم فإن هذا الوعي هو المستهدف الأول من الخصوم والأعداء والمتربصين، وتزداد الصعوبات في معركة الوعي إذا ما كانت الشعوب المستهدفة أقل تدقيقاً فيما يلقى إليها من معلومات وما يصنع لأجلها من شائعات وأباطيل تتردد على مدار الساعة، ويزداد الأمر تعقيداً إذا كان بين تلك الشعوب نسبة لا يستهان بها من الأميين وهم الفئة الأكثر قابلية للتشكيل والتأثير وتصديق الشائعات والأكاذيب التي تهب عليها عبر وسائل الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي دون فلترة ولا رقيب.

ويبدو طبيعياً في سياق كهذا أن يحرص الرئيس السيسي في كل مناسبة أن يعيد تذكير المصريين بأهمية تكوين وعي حقيقي يضع المواطن في الصورة ليدرك عن فهم وقناعة حقيقة ما يراد بدولته.. ومن هم خصومها الحقيقيون الذين لا يتورعون عن بث الأكاذيب لتوهين العزم وإثارة البلبلة وإضعاف الروح المعنوية العامة تمهيداً لتفكيك الجبهة الداخلية وصرف المواطن عن دولته وضربها في أعز ما تملك؛ ظهيرها الشعبي حائط الصد الأول عنها في مواجهة المخاطر والمهالك.

أهم أسلحة معركة الوعي في رأيي هو قناعة المواطن وتصديقه لما تسعى الدولة لبثه من رسائل ومعلومات، والقناعة من الاقتناع.. وفي النهاية لن يقنع إلا ما هو مقنع؛ وهو ما يبرر لماذا يصر الرئيس السيسي على الشفافية والمصارحة حتى ولو على حساب رصيده الشعبي، ويدفع المسئولين أياً ما تكن مواقعهم إلى ضرورة تبسيط حقائق ما يجري للناس، كل في نطاق مسئولياته؛ وأن يسارعوا بالنزول إليهم ليحدثوهم بلغة يفهمونها وبمعلومات حقيقية عما تعيشه مصر من تحديات وما يحدق بها من مخاطر من اتجاهاتها الأربعة وما تخوضه من معارك البقاء والبناء وما تصارعه من إرهاب لا دين له، وما تعانيه من صعوبات في علاج اختلالات اقتصادية تراكمت على مدى عقود حتى صارت تلالا مستعصية من المشكلات.

الرئيس وهو يفعل ذلك بنفسه، بين حين وآخر، يراهن على وعي المواطن ويصر على وصول الصورة إليه على حقيقتها دون رتوش لموجهة سيل الزيف والأكاذيب التي تبثها قنوات ومواقع الشر على مدار الساعة..ولقد نجح الرئيس في خلق وعي حقيقي لدى المواطن يحتاج لمزيد من الجهود المخلصة والواعية من المؤسسات المعنية بصناعة الوعي والفكر والضمير والوجدان..وهي مهمة ثقيلة تستلزم خطة منظمة يضعها مفكرون ومثقفون ويقوم على تنفيذها كوادر مدربة ذات كفاءة وإيمان بطبيعة الهدف وغاية المقصد الوطني.

معرفة المواطن بحجم التحديات والمخاطر والتهديدات والثوابت الوطنية والطموحات والإنجازات والنجاحات التي تحققها دولته يجعله جزءاً من الحل وليس جزءا من المشكلة، كما يجعله عصياً أو صعب الاستهداف من قوى الشر.

ورأيي أن أهم شروط بناء هذا الوعي هو سرعة بث المعلومات وتدفقها في وقتها وبدقة عالية؛ حتى لا نضطر لبذل جهد أكبر في تكذيب الشائعات التي سوف تنال بصورة أو  أخرى من نفسية المواطن وحالته المعنوية، فالسبق دائماً ما يصنع صنيعه شئنا أو أبينا وهو ما تسعى  الدولة لتحقيقه الآن ونرجو أن تتكاتف الجهود لتثمر نتائج مرضية تغلق أبواب الشر والفتنة.

ويبقى عليك أيها المواطن أن تحكم عقلك وألا تسلم نفسك لأحد مهما تكن الظروف، فهل يسرك ما تراه في دول حولنا وقعت في شراك الغواية ودخلت دائرة الانقسام الجهنمية وباءت جهود إصلاحها بالخسران..اجتهد بفهم ما تمر به منطقتك ودولتك من تحديات ومخاطر ولا تسمح لأحد بأن يستخدمك كمعول هدم أو أداة لعرقلة تنمية بلدك وتشويه دولتك وبث الفتنة في أوصالها ..عليك أن تجتهد وأن تمحص كل خبر وكل معلومة وكل كلمة تصل إليك من أي طريق حتى تتشكل لديك قناعة ورؤية متماسكة وحقيقية قادرة على الصمود في وجه الرياح العاتية التي لا تتوقف..تسلح بحبك للوطن وإيمانك بربك حتى تكون لبنة صالحة في بنيان النسيج الوطني القادر على صد محاولات الاختراق والبلبلة وتوسيع الفجوة بين مكونات الوطن ومنع وقوع أي توترات أو تربص بين تلك المكونات.

التوعية الصحيحة للمواطن ينبغي أن تقترن دائماً بتوفر معلومات صحيحة تخلق حيوية مجتمعية واصطفافاً وطنياً في أحسن حالاته، وتسهم في قوة الدولة وهيبتها لتكون ملاذاً آمناً لكل من يسكن ديارها ويلوذ بحماها بلا استثناء ولا تمييز.

الوعي الرشيد يجعل بلدنا دولة للمواطنة يسود قانونها الجميع ويحترمه الجميع وتبسط العدالة أجنحتها على الجميع فليس هناك أحد فوق القانون.

الوعي الصحيح يخلق أجيالاً تحقق قيمة مضافة لبلدها ومدداً لا ينقطع في معاركها للبقاء والنماء وهو وعي يربي النشء والأطفال على احترام القيم وروح الأديان السماوية كافة التي تحرم سفك الدماء بغير حق و تنهى عن العنف بشتى صوره، والتحلي بروح المواطنة والتسامح وقبول الآخر والعيش المشترك بسلام.

ومن مقومات بناء الوعي الصحيح أن تفهم أجيالنا الحاضرة والجديدة صحيح الدين الذي جاء لصيانة النفس والمال والدين ، والعقل، والنسب، وأداء الحقوق لأصحابها وصون الأعراض والخصوصيات وعدم التجسس أو التنمر أو السخرية من أحد، وعدم الظن السييء الذي يفتك بالعلاقات ويبدد حسن النية.

تشكيل وعي صحيح يعني مواطن صالح قادر على خوض معارك البقاء والتنمية وتجفيف منبع الإرهاب ومحاربة الفقر والعشوائية وإصلاح التعليم والخطاب الديني والثقافي والمعاملات وخلق مجتمع القدوة الصالحة إزاء الإسفاف والانحطاط وسوء الأخلاق.

ما أحوجنا اليوم أكثر من أي وقت مضى لمركز أو جهة تضم خيرة الخبراء والباحثين تكون مهمتهم خلق وعي جمعي رشيد وصناعة حالة تنويرية تأخذ بأيدي الناس لتكوين قناعات حقيقية إيجابية صحيحة منحازة للوطن ومصالحه العليا أولاً..مثل هذا المركز يمكنه أن يوكب المتغيرات السريعة حولنا وأن يتوخى خلق حالة من التوعية الممهنجة في مواجهة أعداء الوطن الذي يستخدمون أحدث فنون التكنولوجيا والمعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي لصناعة حالة وعي زائف تفضي إلى هشاشة مجتمعية قابلة للاختراق والتشويه.

وإذا كنا في صدد مسألة الوعي نطالب دائماً بتجديد الخطاب الديني فلا أقل من خطاب موازٍ لتجديد الخطاب الثقافي والإعلامي وأن يتنادى المثقفون والمفكرون لإنشاء مثل هذا المركز أو تلك الجهة التى ندعو لإنشائها على وجه السرعة لتكون لتضع خارطة طريق وطنية وخطة عمل عاجلة ومحكمة لترجمة فكر الجمهورية الجديدة وتوجهاتها لواقع ينخرط فيه الجميع؛ عملاً وإنتاجاً ، وإطلاقاً لحرية الإبداع فمازلن نعاني وجود من يسعى لتغييب دور الوعي بما يجري ويحاول خلط الدين بالسياسة لتحقيق أهداف تضر بالدولة؛ وهو ما يتطلب تكاتف كل مؤسسات الدولة، وعدم التهاون في مواجهة تلك الجماعات ومحاصرة محاولات الإضرار بوعي المصريين وترسيخ ظواهر ضارة عانينا منها في أعقاب أحداث يناير 2011 وتكبدنا بسببها خسائر جمة على شتى الأصعدة وما زلنا ندفع ثمنها فادحاً حتى هذه اللحظة.

 محاولات تزييف الوعي لا تتوقف، الأمر الذي يجعلنا نتنبه لضرورة إيقاظ الهمم لتصحيح المفاهيم المغلوطة عبر خطابات منضبطة ترفع الوعي السياسي بقضايا الساعة داخل مصر وخارجها حيث لا تزال جماعة الإخوان وقادتها يمارسون عملية استنزاف لعقول شبابنا وخداعهم، وهو ما يتطلب من الدولة ومؤسساتها المبادرة بحركة مضادة تستبق حركة جماعات الإرهاب وتنظيماته وتطرح الفكر الديني الوسطي الرشيد وفق مفاهيم صحيحة أعاد الرئيس السيسي تذكيرنا بها خلال احتفال المولد النبوي الشريف مطالباً بدحض المفاهيم الخاطئة للجماعات المتطرفة بالتوازي مع نشر قيم التعايش والمحبة والمشاركة الإنسانية وغيرها.

ونحمد الله أن شعبنا استفاد كثيراً من تجارب السنوات الماضية وتشكل لديه وعي بأهداف خبيثة اجتمع لها أهل الأشرار وقوى التطرف، وأطراف عديدة هنا وخارج هنا تمويلاً وتخطيطاً وتزويداً بالمعلومات وكلهم يبغون هدم الدولة لكن شعبنا بفطرته يعرف كيف يواجه تلك التحديات والمخاطر..فقط يحتاج لإستراتيجية بناء وعي مستمر لخلق مجتمع خالٍ من العنف والإرهاب والفساد والمرض؛ مجتمع متماسك بفضائله وقيمه الحضارية الموروثة وتعليمه الجيد، مجتمع الترابط الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى حتى يظل في رباط إلى يوم القيامة.

وإذا كنا بصدد جمهورية جديدة فأحرى بنا أن تغيير مفاهيم مغلوطة كثيرة ترسخت في بيئة مواتية لم تتصدى لتصحيحها ولو بعمل درامي جيد يعيد صياغة الوجدان على أسس سليمة تتوخى روح المواطنة وتنبذ العنف والتمييز أو التمترس خلف أسوار الطائفة أو الجماعة أو العشيرة فلم يعد لتلك الولاءات مكان فرداء الوطن أولى والاصطفاف خلفه فريضة لا يصح التخلف عنها لأي سبب كان؛ فثمة مهمة أسمى وهي محاصرة دعوات التعصب والتطرف التي لا تمت للأديان بأي صلة وقد أثبتت الأيام فشل رهان الإخوان ومن لف لفهم فالشعب المصر أثبت كما هي عادته أنه على قلب رجل واحد وأن الوطن يتقدم عنده على كل ما سواه؛وهو بما يملك من وعي فطري ذكي قادر على إسقاط كل الدعاوى الزائفة ومحاولات الوقيعة بين مكوناته؛ فعلها مع داهية السياسة البريطاني اللورد كرومر حين أراد تمزيق وحدة المصريين بمبدأ "فرق تسد"أيام بريطانيا العظمي التي فشلت في الوقيعة بين عنصري الأمة أثناء احتلالها لمصر..فهل تنجح في ذلك شراذم الإرهاب وفلول التطرف..؟!

في الزمن الجميل كان للإعلام دوره الطليعى في إذكاء روح الوطنية والحفاظ على الهوية المصرية وتنمية الوعي والارتقاء بالذوق العام بما كان يملكه من رؤى وقناعات وقدرة هائلة على التأثير والتغيير للأفضل.

نجح الإعلام في تلك الفترة الخصبة من عمر مصر لأنه احترم عقل ووجدان القاريء أو المتلقي  وقدم له محتوى جيداً وفق مبدأ " ما يحتاجه المشاهدون" لا "ما يطلبه المشاهدون" وشتان الفارق بينهما..وهو محتوى أبقى المواطن في أعلى درجات الوعي واليقظة والإدراك لكل ما يحيط به ويهدد حاضره ومستقبله..كنا نجد كيف أبرز الإعلام أولويات الناس وانتصر لقضاياهم وانحاز لهمومهم وحمل على الفاسدين والمفسدين ودافع عن الحريات واحترم الخصوصيات والحرمات وهو ما نرجو أن يعود بقوة، لتتنوع الآراء وتتكامل الرؤى كما يطالب الرئيس السيسي في البرامج التليفزيونية والإذاعية والمحتوى الرقمي والخطاب الثقافي والديني والاجتماعي والاقتصادي.

المعلوم من الواقع بالضرورة أن الإعلام القوي هو الذي يساعد الدولة ويقف في ظهرها ويساعدها في النهوض والارتقاء بأحوالها وأحوال مواطنيها..باختصار هو أكبر مظلة حماية للمصريين والمحافظة على حقوقهم وأكبر مساند للدولة في قضاياها وما يواجهها من تحديات ومخاطر.

إحقاقاً للحق فإن الرئيس السيسي لا يكف عن مطالبة الحكومة والمسئولين كافة بالتواصل الفعال والمنتظم مع المواطنين لإكسابهم وعياً حقيقياً وإطلاعهم على واقع التحديات التي تعيشها الدولة في الداخل والخارج وهي تحديات لو تعمون عظيمة تحتم ضرورة التوحد على قبل رجل واحد ضد الشائعات ودعاوى التضليل ومحاولات الوقيعة بين المواطنين وحكومتهم وضد الفساد والإهمال وتفويت فرص التقدم على البلد.

ويبقى أن يقدم المسئول- كل مسئول- من نفسه قدوة حسنة للمواطن وأن يتحلى ليس بالحس السياسي وهو مطلوب بشدة بل بالموضوعية التامة في التعامل مع قضايا الشأن العام متجرداً عند اختيار الكوادر البشرية داخل أي مؤسسة على نحو يحتفي بقيم التميز والكفاءة ويسمو بالإخلاص والعطاء والإنصاف وتكافؤ الفرص وإسناد الأمر لأهله ذوي الخبرة والكفاءة لا أهل الحظوة والثقة..فلن يبني بلادنا إلا من يعملون بجد وإخلاص ويتحلون بأعلى درجات الكفاءة والإيمان..ويبقى أن القناعة والاقتناع أهم مكونات الوعي الإيجابي الرشيد الذي يحتاج لتوفر المعلومات الصحيحة في وقتها المناسب معلومات لا يرقى إليها شك ولا يقدح في صحتها الشائعات مهما تكن ضراوتها ..هنا فقط يمكننا أن نطمئن على أن وعياً حقيقياً قد تشكل ويزيد جبهتنا الداخلية قوة وتماسكاً.