مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

الحج في زمن كورونا..كيف تغير العالم ؟!


قبل أن يُبتلى العالم بكورونا كانت أمتنا تعيش أعظم مناسكها ومظاهر وحدتها في مثل هذه الأيام..ركن الحج الأعظم الجامع لما تفرق بفعل النوازع والأهواء والمطامع..يأتي هذا العام كما العام الذي قبله ليشهد تدفقاً قليلاً للحجيج بعد أن اكتفت المملكة السعودية بحج نحو 60 ألفاً من مواطنيها والمقيمين على أراضيها مراعاة لظروف الوباء الذي لا يزال جاثماً فوق صدور البشرية، متحوراً في سلالات متجددة لا تكاد اللقاحات على تنوعها وكثرة ما أنتج منها أن توقف هذا الزحف الرهيب على الأروح البشرية.

وحتى الآن ليس هناك إجابة حاسمة عن سؤال يراود كل إنسان على ظهر البسيطة وهو : متى ينزاح كابوس كورونا..الإجابات متفاوتة.. وربما متناقضة وأكثرها تفاؤلاً يتوقع انتهاء الجائحة العام المقبل 2022 كما يقول المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية هانز كلوغ ناسياً أن كورونا فيروس متحور، وله في كل يوم شأن جديد يرهق العالم كله ويحصد من سكانه الملايين عبر إنتاج سلالات جديدة أسرع انتشاراً وأكثر شراسة ..وفي المقابل توقعت شبكة بلومبرج الأمريكية انتهاء الفيروس عام 2028 في ظل تعثر توزيع اللقاحات المضادة لكورونا التي يستغرق توفيرها نحو سبعة أعوام، استناداً لنظرية علمية حسابية تقول إن تحقيق مناعة القطيع يتطلب تطعيم نحو 70 إلى 85% من سكان العالم ..وهنا فقط يمكن للحياة أن تعود لتدفقها الطبيعي حتى ولو لم ينته كورونا بصورة نهائية..والسؤال: هل لا يستطيع العالم ودوله الكبرى أن تتكاتف لتوفير تلك الطعوم بدلاً من الانخراط في سباق التسلح وإهدار مليارات الدولارات سنوياً في إنتاج الدمار والخراب .

وأياً ما كان الجدل العلمي حول موعد انتهاء كورونا فإن المعركة المقبلة هي بكل تأكيد معركة علم وأبحاث ندعو الله أن تكلل بنجاح ينهي كابوس هذا الفيروس المخيف.

وكفى البشرية ما عانته من عزلة وانكماش وتدهور اقتصادي وتراجع الإنتاج وحميمية العلاقات الاجتماعية ولعل أوضح مثال على ذلك أننا لم نعد نرى تدفقا للحجيج من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم في مؤتمرهم الجامع وليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام رغم إنتاج أكثر من لقاح ضد هذا الفيروس المتحور. 

فريضة الحج ليست مجرد عبادة تؤدى دون مغزى أو هدف، بل هى مؤتمر جامع بشعائر موحدة أريد بها تحقيق وحدة الأمة وجمع كلمتها دولاً وشعوباً.. والتأكيد على مبدأ أصيل وهو المساواة بين الحجيج الذين اجتمعوا في صعيد واحد وفي زي واحد وشعائر واحدة.. لا فرق بين غنى وفقير ولا  أبيض وأسود ولا عربي وأعجمي ولا ضعيف وقوي..كما أنها تدريب عملي على الزهد في متاع الدنيا وترك شهواتها ومفارقة الأهل والبلد والبعد عن الصراعات وكبح جماح الرغبات..وما أكثرها في زماننا!!

فهل أدركنا الآن قيمة الحج ووحدة الشعوب المسلمة التي باعدت بينها المطامع والصراعات .

ما أحوجنا لوحدة أمتنا درءاً لمخاطر كثيرة باتت محدقة تطبق عليها الخناق..وتستدعي تكامل أقطارها اقتصادياً وتشاركها في قوة عسكرية موحدة تحقق الردع لأعدائها الذين تكالبوا عليها من كل الاتجاهات..وليس بعيداً عنا ما يحدث من أثيوبيا التي تريد بسط سيادتها على نهر النيل وفرض إرادتها بالباطل على دولتي المصب؛ مصر والسودان في خرق عجيب لمباديء القانون الدولي المنظم للأنهار العابرة للدول..وتنسى أن الأنهار تجرى من عند الله وبأمره سبحانه القائل: " وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين" أي ليست خزائنه عندكم- كما يقول المفسرون- بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا.

وقد شاءت إرادة العلى الحكيم أن تكون المياه أصل الحياة والأنهار وسيلتها للشعوب ..فكيف تأتي حكومة أثيوبيا وتريد فرض إرادتها بقوة الأمر الواقع على مصر والسودان مهدرة حقوق وحياة 150 مليون إنسان يتهددهم العطش والمجاعة..إذا ما استمر تعنت أديس أبابا وإقدامها على الملء الثاني بإرادة منفردة ودون اتفاق قانوني ملزم يضمن حقوقنا التاريخية.

ما أحوجنا للتوحد على قلب رجل واحد في مواجهة تحديات وجودية تهدد حياة شعوبنا..ومعضلات اجتماعية تعرقل سيرنا للتقدم مثل الفقر والتخلف والمرض والتطرف والإرهاب المبني على الفهم المغلوط للدين ومقاصده السمحة التي دعت لامتلاك ناصية العقل وأسباب القوة جاعلة المؤمن القوي خيراً وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ولنا أن نتصور كيف يكون حالنا إذا صرنا أمة قوية يخشاها الآخر ويعمل لها ألف حساب..وكيف أوصلنا ما نحن فيه من فرقة وضعف وتخاذل أغرى أعداءنا لاستباحة حقوقنا وأمننا وحتى وجودنا بلا خجل ولا ضمير..تُرى هل كان يفعلها لو كنا على حال غير الحال ؟!

وفي مناسبة الحج يتجدد سؤالنا في كل عام: أيهما أفيد للأمة والمجتمع: تكرار الحج والعمرة سنوياً أم إعانة الفقراء والمحتاجين والمرضى وإصلاح العشوائيات والتعليم والصحة..وإلام يستند من يكررون الحج والعمرة حتى اطمأنت نفوسهم وظنوا أن مثل هذا التكرار يمحو ذنوبهم ويغسلهم من خطاياهم التي يصر البعض على ارتكابها طول العام..؟!

وإذا كان الحج فريضة تجب على المسلم المكلَّف مرة واحدة في العمر إذا ما توفر له شرطان هما الاستطاعة المالية والبدنية بنص القرآن :" ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً".. فلماذا يصر البعض على التكرار وكأنه في سباق محموم  والأعجب هو الحرص على إظهار ذلك تباهيا به وافتخاراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثلا..وحرص البعض على اقتناص لقب "حاج" رغم أن الحج ركن كالصلاة والزكاة فهل سمعنا من قبل أحداً ينادى شخصاً أدى الصلاة مثلا بقوله يا مُصلِّى أو يا مزكِّي..؟!

وكيف يرتاح ضمير من يفعل ذلك وحوله من يعاني فقراً وشظفاً في العيش قد يذيقه آلام الجوع أو مرضاً قد يحرمه من طيب الحياة..وماذا يفعل آلاف الطلاب الذين لا يجدون أماكن آدمية في مدارسهم المكتظة..ألا يعي من يكررون الحج والعمرة بغير ضرورة شرعية أن خير الناس أنفعهم للناس ..أليس الإنفاق على المحتاجين أولى وأفضل عند الله..فما جاع فقير إلا ببخل غني ..أليس ثواب من ينفقون أموالهم في علاج مرضى أو بناء مستشفى أو ملجأ للأيتام أعظم قربات عند الله وأكثر نفعاً للناس ..؟!

لماذا يفرض هؤلاء على أنفسهم بتكرارهم للحج والعمرة ما لم يفترضه الله عليهم..ألم يسكت المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما سأله سائل عن تكرار الحج والعمرة  ثلاثاً بقوله: أفي كل عام يا رسول الله ..ثم ردّ عليه رسول الله : "لو قلت نعم لوجبت"..فمن أين أوجبها هؤلاء على أنفسهم.. ثم أين علماؤنا وفقهاؤنا من ذلك الفهم المغلوط لديننا ..لماذا لا يخرجون ناصحين للناس، وتلك مهمتهم، ليقولوا إن شرع الله يتحقق أينما تحققت مصلحة الناس..وإن الله سائلهم على أموالهم من أين اكتسبوها.. وفيمَ أنفقوها..؟!

العطاء الحقيقي يصدر عن إيمان ومحبة ويجد صاحبه متعة لا يجدها آخرون في كنز المال ..هذا ما تقوله التجربة العملية وما توصلت إليه دراسات علم النفس التي تؤكد إحداها أن إنفاق النقود على الآخرين يجلب السعادة للإنسان أكثر مما يجلبه إنفاقها على نفسه..كما أن السعادة تأتي من العطاء مجهول الهوية؛ أي عندما يتبرع شخص لآخر لا يعرفه وهو ما يسميه علماء النفس بالإيثار الذي مدح القرآن أصحابه بقوله "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة".
خلصت الدراسة أيضاً إلى أن الذين تبرعوا بجزء من أموالهم لصالح الأعمال الخيرية كانوا أكثر سعادة ورضا عن غيرهم الذين آثروا الاحتفاظ بثرواتهم لأنفسهم.

دار الإفتاء قالت صراحة إن من كانوا ينوون الحج والعمرة هذا العام وحالت كورونا بينهم وبين ما يريدون ثم تصدقوا بأموالهم فكأنهم أدوا مناسك الحج والعمرة وزيادة..ثم إن قرار السعودية بشأن الحج هذا العام يتفق أيضاً مع مقاصد الشرع بالحفاظ على النفس البشرية من الإصابة بكورونا الذي ينتقل بصورة متزايدة وسريعة وسط الأعداد الكبيرة كتجمعات الحجيج أثناء أداء مناسكهم  في الأماكن المقدسة .

كفالة الأيتام والفقراء والمحتاجين وعلاج المرضى وسداد ديون الغارمين وغيرها من صور تفريج كربات الناس أكثر ثواباً عند الله وأحب إليه وأقرب قبولاً منه سبحانه من تكرار الحج والعمرة.

وحسناً ما ذهب إليه فضيلة مفتى الديار المصرية بقوله إن المعذور مأجور؛ فالعمل أساسه النية، والمؤمن يؤجر بنيته وهو وإن لم يذهب لأرض الحرمين فعليه أن يتاجر مع الله بتوجيه أموال الحج والعمرة لدعم من يستحقون خصوصاً الفقراء الذين ازدادوا بعد كورونا فمن يفعل ذلك أيضاً فكأنه قد حج واعتمر.

ثمة حقيقة ينبغي ألا نغفل عنها وهي أن الدين يسرٌ، والتيسير على خلق الله من الفضائل الكبرى..ولا عجب والحال هكذا أن تتطلع شعوب الأرض كافة لعالم أفضل خالٍ من الكراهية والصراع والنزاعات والفتن والتمييز بشتى صوره والفقر والتخلف والاستغلال وممارسة شريعة الغاب من جانب الأقوياء على الفقراء.

ما أحوج البشرية ليوم يتوقف فيه العالم عن إنفاق مليارات الدولارات سنويا على شراء الأسلحة ويتجه لتنمية الإنسان وعلاجه والتخفيف من معاناة ملايين البشر مع الحياة التي زادتها كورونا معاناة وآلاماً وفقراً وتخلفاً ..حتى باتت أرقام التعساء والمهمشين في تصاعد بشهادة منظمة الفاو إحدى مؤسسات الأمم المتحدة التي قالت إن هناك تزايداً  في معدلات الجوع حول العالم بسبب سوء التغذية والعلاج لاسيما في أفريقيا والشرق الأوسط .

أما لماذا زادت معدلات الجوع حول العالم ..فإن مرجعه الصراعات والإرهاب والتغيرات المناخية وهو ما يضعنا إزاء حقيقة مهمة مفادها أنه ما لم يتحقق لدينا أمن غذائي فلا سبيل لتحقيق أي أمن أو استقرار..فكيف يأمن العالم وفيه ملايين الجياع الذين لا يستطيعون إشباع حاجتهم للغذاء ..كيف تستقر الشعوب ويتحقق السلام وتختفي الجرائم وهناك من يستوي لديهم الموت والحياة بعد أن حرموا أهم مقومات العيش الآمن..

حاجة الشعوب إلى الغذاء كحاجتها للسلام والأمن مصداقاً لقوله تعالى : الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" ..فمتى يفيق قادة العالم إلى تلك الحقيقة ليجعلوا السلام معادلا للتنمية ..متى يختفي الجوع والحرمان ويتكاتف العالم لمواجهة تداعيات كورونا التي كنا نرجو أن تغير وجه العالم للأفضل ليصبح أكثر إنسانية ورشدا وتكافلا..فمن لم يتعظ بالوباء والمرض فبم يتعظ ؟!