كل أسبوع

لا‭ ‬تعليم‭ ‬بدون‭ ‬تربية‭ ‬

بمناسبة‭ ‬الضجة‭ ‬المثارة‭ ‬حول‭ ‬الطفل‭ ‬المنفلت‭ ‬أخلاقيا‭ ‬الثابت‭ ‬بالتحاليل‭ ‬تعاطيه‭ ‬للمخدرات،‭ ‬والشهير‭ ‬بفديوهات‭ ‬تعديه‭ ‬على‭ ‬رجال‭ ‬المرور‭ ‬وأشياء‭ ‬أخرى‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬خلل‭ ‬فى‭ ‬التربية،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬الشذوذ‭ ‬السلوكى‭ ‬والأخلاقى،‭ ‬وربما‭ ‬العقلى‭.‬

وأتذكر‭ ‬أننا‭ ‬نشأنا‭ ‬منذ‭ ‬نعومة‭ ‬أظفارنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التربية‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التعليم،‭ ‬وكان‭ ‬الوالدان‭ ‬–‭ ‬عليهما‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬الرحمات‭ ‬–‭ ‬يؤكدان‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬ويستدلان‭ ‬بأن‭ ‬التربية‭ ‬جاءت‭ ‬قبل‭ ‬التعليم،‭ ‬فى‭ ‬تسمية‭ ‬الوزارة‭ ‬المسئولة‭ ‬عن‭ ‬مراحل‭ ‬التعليم‭ ‬قبل‭ ‬الجامعى،‭ ‬فكانت‭ ‬المدارس‭ ‬بالفعل‭ ‬تساعد‭ ‬مع‭ ‬البيت‭ ‬فى‭ ‬التربية‭ ‬والتنشئة‭ ‬على‭ ‬الآخلاق‭ ‬الحميدة،‭ ‬وكذلك‭ ‬كانت‭ ‬الإذاعة‭ ‬والتليفزيون،‭ ‬بل‭ ‬السينما‭ ‬أحيانا‭ ‬والدراما‭ ‬تبث‭ ‬فى‭ ‬نفوس‭ ‬المستمعين‭ ‬والمشاهدين‭ ‬قيما‭ ‬جميلة‭ ‬بطريقة‭ ‬مباشرة‭ ‬أوغير‭ ‬مباشرة‭.‬

ولا‭ ‬أنسى‭ ‬ما‭ ‬حييت‭ ‬عبارة‭ ‬قالها‭ ‬والدى‭ ‬–‭ ‬يرحمه‭ ‬الله‭ ‬–‭ ‬لمدرس‭ ‬ذهب‭ ‬يشكو‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬شقاوتى‭ ‬فى‭ ‬الفصل،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يقول‭ ‬له‭ ‬أمامى‭: ‬‮«‬إكسر‭ ‬وانا‭ ‬أجبس‮»‬،‭ ‬فأيقنت‭ ‬أن‭ ‬المدرس‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬كسر‭ ‬عظامى،‭ ‬ووالدى‭ ‬لن‭ ‬يعترض‭ ‬بل‭ ‬سيكتفى‭ ‬بوضع‭ ‬كسرى‭ ‬فى‭ ‬الجبس‭.‬

هكذا‭ ‬كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأستاذ‭ ‬والتلميذ‭ ‬وولى‭ ‬الأمر،‭ ‬ولم‭ ‬نكن‭ ‬نسمع‭ ‬عن‭ ‬ولى‭ ‬أمر‭ ‬جاء‭ ‬للمدرسة‭ ‬متطاولا‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬المدرسين‭ ‬لقيامه‭ ‬بعقاب‭ ‬الابن‭ ‬أو‭ ‬الابنة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬حضوره‭ ‬تأكيدا‭ ‬لاحترام‭ ‬المعلم‭ ‬ووضعه‭ ‬فى‭ ‬مقام‭ ‬الوالدين،‭ ‬وأن‭ ‬له‭ ‬حق‭ ‬التربية‭ ‬قبل‭ ‬التعليم‭.‬

ولما‭ ‬نخرت‭ ‬الدروس‭ ‬الخصوصية‭ ‬فى‭ ‬أوصال‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية،‭ ‬وصار‭ ‬المدرس‭ ‬يمد‭ ‬يده‭ ‬لأخذ‭ ‬الأجرة‭ ‬من‭ ‬التلميذ‭ ‬سقط‭ ‬جدار‭ ‬الخوف‭ ‬ومعه‭ ‬سقطت‭ ‬هيبة‭ ‬المدرس‭ ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬سقط‭ ‬أيضا‭ ‬احترامه‭.‬

وما‭ ‬زلنا‭ ‬نجنى‭ ‬الثمار‭ ‬المرة‭ ‬لانهيار‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأستاذ‭ ‬وتلميذه‭ ‬وأولياء‭ ‬الأمور،‭ ‬وتخلى‭ ‬المدرس‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬التربوى‭ ‬خشية‭ ‬تعرضه‭ ‬للسفالة‭ ‬من‭ ‬التلميذ‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أولياء‭ ‬أموره،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬أمرا‭ ‬طبيعيا‭ ‬أن‭ ‬يتطاول‭ ‬ولى‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬المدرس‭ ‬والناظر‭ ‬أمام‭ ‬التلاميذ،‭ ‬وربما‭ ‬تطور‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬اللفظى‭ ‬إلى‭ ‬الاعتداء‭ ‬الجسدى،‭ ‬فماذا‭ ‬تبقى‭ ‬للمدرس‭ ‬من‭ ‬هيبة‭ ‬واحترام‭ ‬فى‭ ‬نفوس‭ ‬الطلاب‭.  ‬

اعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأوان‭ ‬قد‭ ‬آن‭ ‬لمواجهة‭ ‬الانحدار‭ ‬الذى‭ ‬وصلنا‭ ‬إليه‭ ‬فى‭ ‬منظومتنا‭ ‬التربوية،‭ ‬والعيب‭ ‬كل‭ ‬العيب‭ ‬فى‭ ‬الاستمرار‭ ‬بتوريث‭ ‬التربية‭ ‬الخاطئة‭ ‬والتعليم‭ ‬الخاطئ‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬بين‭ ‬يدى‭ ‬أب‭ ‬مفاهيمه‭ ‬خاطئة،‭ ‬فهو‭ ‬سابقاً‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الطالب‭ ‬بين‭ ‬يدى‭ ‬معلم‭ ‬مفاهيمه‭ ‬أيضا‭ ‬خاطئة‭ ‬فى‭ ‬منظومة‭ ‬اللا‭ ‬تربية‭ ‬ولا‭ ‬تعليم‭.‬

لابد‭ ‬أن‭ ‬تأنى‭ ‬التربية‭ ‬دائما‭ ‬فى‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬للنشء‭ ‬الجديد‭ ‬والأطفال،‭ ‬فمن‭ ‬السهل‭ ‬تعليم‭ ‬الطفل‭ ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬التربية‭ ‬والأخلاق‭ ‬والمبادئ‭ ‬هى‭ ‬الأصعب‭ ‬والأهم،‭ ‬فزرع‭ ‬المبدأ‭ ‬والأخلاق‭ ‬فى‭ ‬الطفل‭ ‬يأتى‭ ‬بالمواقف‭ ‬والتقويم‭ ‬والمحاولة‭ ‬الشاقة‭ ‬ودور‭ ‬المدرسة‭ ‬التربية‭ ‬قبل‭ ‬التعليم‭  ‬مع‭ ‬الأسرة،‭ ‬وعدم‭ ‬ترك‭ ‬الطفل‭ ‬يفعل‭ ‬السلوك‭ ‬الذى‭ ‬يحلو‭ ‬له‭ ‬مدام‭ ‬متفوقا‭ ‬دراسيا،‭ ‬والاعتماد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬نشاطه‭ ‬التعليمى‭ ‬ونهمل‭ ‬الجانب‭ ‬الأخلاقى،‭ ‬فالتعليم‭ ‬بلا‭ ‬تربية‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التربية‭ ‬تأتى‭ ‬أولا‭ ‬والأخلاق‭ ‬تأتى‭ ‬أولا،‭ ‬ثم‭ ‬يأتى‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬العلم،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬العمليتين‭ ‬مرتبطتان‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا،‭ ‬وأن‭ ‬أحدهما‭ ‬لا‭ ‬يغنى‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬حسن‭ ‬الأخلاق‭ ‬يشفع‭ ‬لصاحبه‭ ‬قلة‭ ‬علمه‭ ‬أو‭ ‬تدنى‭ ‬مستواه‭ ‬التعليمى،‭ ‬وليس‭ ‬العكس،‭ ‬فالتربية‭ ‬أساس‭ ‬للحياة‭ ‬المجتمعية‭ ‬والعملية‭ ‬والتعليم‭ ‬دون‭ ‬تربية‭ ‬لا‭ ‬يغنى‭ ‬ولا‭ ‬يثمر،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬المدارس‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬سلوك‭ ‬الطلبة‭ ‬خلال‭ ‬الحصص‭ ‬الدراسية‭ ‬فهى‭ ‬تكمل‭ ‬عمل‭ ‬الوالدين‭ ‬فى‭ ‬التربية،‭ ‬وفى‭ ‬ظل‭ ‬انشغال‭ ‬الوالدين‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬التربوى‭ ‬بالسعى‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬ضرورات‭ ‬الحياة،‭ ‬يصبح‭ ‬الدور‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬المدرسة‭ ‬والجامعة‭ ‬ودور‭ ‬العبادة‭ ‬ووسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬جميعها‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المختلفة‭. ‬

وفى‭ ‬ظل‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬والتحول‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬بعد،‭ ‬ينبغى‭ ‬ألا‭ ‬تغيب‭ ‬العملية‭ ‬التربيوية‭ ‬والتركيز‭ ‬عليها‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدروس‭ ‬التى‭ ‬تبث‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬التليفزيون‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬القنوات‭ ‬التعليمية‭ ‬الأخرى‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬التى‭ ‬أنشأتها‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬أو‭ ‬فى‭ ‬فصول‭ ‬التقوية‭ ‬بالمدارس،‭ ‬وليكن‭ ‬شعارنا‭ ‬فى‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تعليم‭ ‬بدون‭ ‬تربية‮»‬‭ ‬