مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

يوم الخلاص


أمس عبرت بنا الذكرى الثامنة لثورة 30 يونيو التي وقعت في يوم مشهود وسط غضب شعبي وحشود لم يشهد لها العالم مثيلًا ..وكانت ثورة شعبية فارقة بين حكم فاشي سمته التكويش والسيطرة على كل شيء في زهوة خادعة.. وبين حكم مدني ديمقراطي يعلي قيم المواطنة بما تعنيه من مساواة وعدالة اجتماعية تصل ثمراتها للجميع.

أجواء ما قبل الانفجار الشعبي العظيم في وجه الإخوان ومن وراءهم كانت ملبدة بمشاعر ترقب وخوف من صدام كان محتملاً بقوة ومجهول العواقب بعد أن تقع الثورة وكانت حتماً ستقع وسيتبعها صدام اجتماعي قد يتطور إلى احتراب أهلي دموي كنا على شفا حفرة منه بعد أن حشدت الجماعة كل أسلحتها لاسيما غير المشروعة دفاعاً عن حكم تحرقت إليه شوقاً، وسعت له بالخيانة والعمالة للغرب والأمريكان على وجه الخصوص.

إرهاصات ما قبل 30 يونيو كانت تقول إن انفجاراً شعبياً سيقع، وهو ما تأكد بخروج ملايين المصريين للشوارع ثائرين على الظلم والاستبداد السياسي والتدهور الاقتصادي الذي لحق بالبلاد خلال العام الذي حكمه الإخوان الذين توهموا أنهم سيخلدون في الحكم، وأسروا لمن حولهم بأنهم باقون 500 عام حتى جاءهم حساب الشعب فأزاح رئيسهم من فوق سدة الحكم وحوسبوا على جرائمهم الكبيرة التي ارتكبوها في حق هذا البلد وأهله.

30 يونيو كانت زلزالاً سياسياً فجرته سياسة فاشلة انتهجها الإخوان الذين انشغلوا بالسيطرة والتكويش على كل المناصب وإقصاء كل ما عداهم حتى ولو كانوا من أنصارهم من التيار ذاته..وقعت الجماعة في غواية السلطة واستسلمت لشهوة الحكم الذي لم تكتف به بل عمدت إلى التحكم في البلاد والعباد حتى انفجر الغضب الشعبي في وجهها.. وهو غضب حقيقي تلقائي استعادت به مصر هويتها، وعادت وطناً يسع الجميع ولا يقصي أحداً، توفر لمواطنيها على اختلاف مشاربهم وطوائفهم حياة آمنة كريمة وعزة وكرامة.. ولا تسمح للإرهابيين ودعاة الفتنة بالعربدة في ربوعها.

30 يونيو كانت يوماً تاقت إليه نفوس ملايين المصريين الذين كانوا يدعون الله أن يبلغهم إياه حتى ينقشع كابوس أرغمهم عليه الإخوان بعد أن تولوا مقاليد الحكم فذاق المصريون وبال الأزمات والعنف والبطالة والغلاء والفتن التي تهدد وحدة الوطن وتروع أبناءه الذين افتقدوا الأمن والسلم حتى استجاب الله لهم ونصرهم بجيش انحاز لإرادتهم وشرطة استبسلت في الدفاع عنهم ..وتحقق القصاص من حاضر شديد السوء ومستقبل أشد سوءاً.

الخلاص كان جماعياً فرضته إرادة الملايين الذين قال فيهم الشاعر: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر ..وقد أراد شعب مصر الحياة ولن يتنازل عن حياة كريمة ولا عن حق من حقوقه؛ مائية كانت أو معيشية.. وما كان ذلك ليتحقق لولا 30 يونيو التي أراها قمة الثورات في مصر، ويكفي أنها صححت مسار 25 يناير التي طفحت بكثير من السلبيات والفوضى.

ولم تكن 30 يونيو مجرد مظاهرات قام بها الملايين بل هي ثورة شعب واعٍ بخطورة ما تعرض له من محاولات طمس الهوية وهدم أعمدة الدولة ومفهوم الوطن؛ ثورة رفضت اختطاف مصر لحساب مشروع وهمي أريد به تقسيم الأمة العربية ونهب مقدراتها..ثورة كانت بعثاً جديداً للهمة العربية وعودة لروح الشعب المصري الذي أثبت أنه القائد المعلم والملهم للمنطقة كلها حين رفض مشروع الشرق الأوسط الكبير الهادف لتمزيق أوصال الدول العربية.

انحاز الجيش كعادته لإرادة الشعب، وأنقذ البلاد من حرب أهلية لا يعلم إلا الله وبالها وعواقبها.. ولولا تدخل الجيش بقيادة السيسي وقتها لتحولت مصر إلى دولة فاشلة منقسمة متناحرة، وصار مصيرها كدول حولها تصارع للبقاء وهو ما يجعلنا نعض بالنواجذ على ما تحقق من استقرار يتطلب استمرار توحدنا على قلب رجل واحد حتى تعبر مصر تحدياتها وما يحاك ضدها ولا يزال من مؤامرات تهدف لتركيعها وتعطيلها عن القيام بدورها في الإقليم والعالم.

ورغم ما حققته مصر من انتصارات وإنجازات في شتى الاتجاهات فإن المعركة لم تنته بعد ولم يضع أعداؤها في الداخل والخارج أسلحتهم  بل لا يزالون يتربصون بها الدوائر وينتظرون لحظة ضعف مواتية للنيل منها ..وأكبر دليل على ذلك ما يجري في كواليس أزمة سد النهضة..فانتبهوا يا أولي الأبصار.

تاريخ ثورة 30 يونيو لم يكتب بعد وإن ظهرت للوجود بعض وثائقه؛ وحين نسترجع ما وقع من أحداث ومشاهد مؤلمة كاغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات يستدعي إلى الأذهان أسئلة مفصلية: ماذا لو أخفقت ثورة 30 يونيو ..ماذا لو لم ينحز الجيش لثورة الشعب وإرادته وأمسك العصا من المنتصف إيثاراً للسلامة كما فعل ذلك ساسة وقادة أحزاب وشخصيات عامة ونخبة زاعقة..كم من أعواد المشانق كانت ستُنصب..وكم من رقاب كانت ستقطع..وكم من أنفاق مظلمة كنا سندخلها لو اندلع احتراب أهلي رأيناه بأم أعيينا في بلاد مجاورة فقدت السيطرة والتحكم وانقسمت وتنازع أهلها وذهبت ريحهم وضاع أمنهم واستقرارهم..

أتذكرون ما قيل للفريق أول عبد الفتاح السيسي "إننا سوف نحكم 500 عام..وكيف جرى التخطيط لتحقيق ذلك الهدف حتى ولو على أنقاض شعبنا..وهل نسيتم من كان يمدّ يده لأعداء الخارج ويخون بلده ويستنزفه ويمزق أوصاله ويرهق أهله..هل يعرف من يفعل ذلك ولاء لبلده..وهل يمكن لمن يصر على إهدار ومصادرة إرادة ملايين المصريين الذين خرجوا رافضين حكم الإخوان أن يعود مواطناً صالحاً يمارس حقه في المواطنة ورسم ملامح المستقبل..؟!

المستبدون والخائنون ليس من شيمتهم الانصياع لحكم القانون والعدالة والدولة الديمقراطية..وقد كان اغتيال النائب العام رسالة تهديد لكل أركان الدولة من جيش وشرطة وإعلاميين رفضوا إرهاب الجماعة التي خرج من عباءتها تنظيمات العنف هنا وخارج هنا، وارتكبت أبشع الجرائم دون أن يطرف لهم جفن.

الإخوان ومن دار في فلكهم كانوا عمي البصيرة؛ ذلك أنهم أغفلوا شعب مصر الرافض لحكمهم رغم أنه الطرف الأهم في معادلة السياسة والقوة والشرعية، وقد انكشفت له بشاعة جرائمهم وكيف تسللوا عبر التستر بالدين، ولم يتورعوا عن التآمر مع أطراف خارجية ضد مصالح هذا الوطن..وهي جرائم كشفتها أحكام القضاء العادل أثناء محاكمات الإخوان بالأدلة والبراهين الدامغة.

تاريخ الإخوان وما جرى كشفه من خطاياهم  وإرهابهم وخيانتهم في العقود الأخيرة وحتى 30 يونيو 2013 لم يكتب بعد رغم توفر مصادره التي لا يقدح في صحتها شك، مثل وثائق القوات المسلحة وأحكام القضاء الموثقة ناهيك عن شهادات حية لشخصيات وقيادات عاشت تلك الأحداث  وروتها بأمانة وحياد لتزيح الستار عن أسرار وخفايا يشيب لها الولدان وبعض هؤلاء الشهود منشقون عن جماعة الإخوان.

ثورة 30 يونيو سلطت ضوءاً كثيفاً فضح بشاعة ما جرى تدبيره بليل ضد مصر وأهلها، وهو ما يجعل لها مذاقًا خاصاً يميزها عما سبق أن خاضته مصر من هبَّات وثورات ونضالات ضد المحتلين والظالمين والغزاة الذين ذهبوا لمذبلة التاريخ وبقيت مصر شامخة منتصرة ما رماها رامٍ إلا وخاب رميه وارتد في نحره خزياً وخسراناً..ويكفي "30 يونيو" أنها حررتنا من ربقة الحكم الإخواني الفاشي وردت فينا الروح وفي الأمة كلها .. وربما العالم أجمع.

ما يتحقق من إنجازات على أرض مصر يجعلنا أكثر إيماناً بعظمة هذه الثورة الشعبية وما فعلته الملايين الثائرة من إزاحة الإخوان عن حكم مصر وأنقذتنا من التقسيم والاحتراب الأهلي الذي كنا قاب قوسين أو أدنى منه..ويجعلنا أكثر إيماناً بأن الشعب هو صاحب قرار التغيير، وأن الجيش هو صمام الأمان الذي عصم البلاد من الفوضى والخراب والدم بانحيازه لإرادة الملايين وليس صحيحًا أنه تدخل لإقصاء الرئيس الإخواني عن الحكم وإنما لتنفيذ إرادة الشعب حتى لا تتحول البلاد إلى حلبة صراع دموي بين ملايين المصريين من ناحية وآلاف الإخوان من ناحية أخرى.

تداعيات الخطر الإخواني ظهرت بجلاء فيما زرعته الجماعة وأنصارها خفية من إرهابيين في سيناء أيام حكمهم لاستدعائهم وقت اللزوم لإخضاع الشعب والانتقام منه إذا ما أبى ..وهو ما أثبت الواقع صحته.

لقد استوقفني ما قاله السيسي ردا على سؤال خلال لقائه ذات مرة بالمثقفين والأدباء حول لرؤيته فأجاب بسرعة وحسم إنها تتخلص في الحفاظ على الدولة ومؤسساتها؛ فتلك هي الأمانة التي وضعها الشعب في عنقه يوم اختاره رئيساً للبلاد..وقد وفّى الرئيس بوعده الذي قطعه على نفسه ولا يحتاج الأمر إلى دليل..فها هي هيبة الدولة قد عادت وتحقق استقرارها، ومضت.. ولا تزال في طريق نهضتها وإنجازاتها بلا حدود.

ويبقى للتاريخ دروسه وعبره التي لا تنسى.. وإذا عدنا لما عانته مصر بعد أحداث يناير 2011 تأكد لنا أن الحفاظ على الدولة الوطنية وأعمدتها الأساسية فريضة لا غنى عنها لأى استقرار أو تقدم..فما عاناه المصريون من عنف واستقطاب ديني وانقسام حاد كان كبيراً وثقيلاً وكفيلاً بأن يهدم أعتى الدولة وأشدها قوة وليس دولة تكافح لتحيا في أمان.

الحفاظ على أركان الدولة والإصلاح التدريجي والتنمية والتعمير في كل ربوعها كانت ولا تزال حلم الرئيس السيسي وهدفه الأسمى وهو ما نجده واقعاً يتحقق ويزداد رسوخاً ساعة بعد ساعة ليس في المدن وعواصمها فحسب بل في ريفها وصحاريها وأطرافها قبل مركزها وهو ما يؤكد حسن اختيار المصريين الذين راهنوا على السيسي وأثبتت الأيام عمق وعيهم وصدق فراستهم عندما يرون كل يوم إنجازات ضخمة في كل المجالات..لتتحقق أحلامهم في دولة قوية عفية وحياة كريمة هي أبسط حقوقهم في الحياة على أرض المحرسة..تحية لثورة 30 يونيو الشعبية ولإرادة شعبنا العظيم الذي هو السند الحقيقي لدولته والظهير الأقوى لها في السراء والضراء.

ويبقى أن تفي بواجبها مؤسسات الدولة التي يعول عليها الرئيس لإحداث تنوير وتثقيف مثمر  وخلق وعي حقيقي للمواطن في مواجهة الوعي الزائف الذي يهدد الاستقرار والمستقبل..وهنا لا بد أن تسأل المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية والإعلامية والمفكرون والعلماء هل قاموا بواجبهم المنشود..وهل نجحوا في تغيير واقعنا للأفضل اتساقا مع توجهات الدولة وطموحاتها..ويبقى أن نعتز ونفخر بثورة 30 يونيو ونحن نحتفل بها في كل عام ..ويكفي أنها " تجسيد حي لإرادة ملايين المصريين في إنهاء حكم الإخوان الإرهابي إلى الأبد"..حفظ الله مصر.