مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 في ضرورة الاهتمام بالمبدعين والمبتكرين الصغار..!!


من يملك بشراً متعلمين وكوادر مدربة عفية فقد حيزت له أسباب التفوق ومفاتيح القوة ومقومات المستقبل الواعد ..فلولا العلم ومنجزاته ما وصلت البشرية إلى حضارة الإنترنت بكل ما تعنيه من استثمارات ضخمة وفرص واعدة في إنتاج المعرفة والرقمنة اللتين يعول عليهما الرئيس السيسي في الجمهورية الجديدة التي دخلتها مصر على يد الرئيس الذي يدرك تماماً أن استعادة الدولة عافيتها وقوتها لن تتحقق إلا عبر تنمية البشر صحياً وتعليمياً عبر منظومة  مستدامة تضمن تخريج ما تحتاج إليه مصر من عمالة فنية ذات كفاءة عالية مدربة على أحدث تكنولوجيات العصر، وعلماء نابهين قادرين على مسايرة العصر باختراعات ومكتشفات تضع مصر في مصاف الدولة المنتجة للعلم الرائدة في التصنيع.. فلا تعيش عالة على غيرها في الغذاء والدواء والكساء والسلاح، ومواطن واعٍ رشيد يعرف للمواطنة قدرها وللبلد فضله فلا يتوانى عن دعمه ومساندته في كل وقت وحين غير ملتفت للشائعات ولا لأباطيل الأعداء.

المستقبل لن يعتمد أوراق الشعوب الضعيفة، ولن يمد يده لمصافحة الكسالى ومن يخاصمون روح العصر.. وليس الحديث عن الحاضر والمستقبل ضرباً من الترف بل من اشتراطات البقاء والتقدم نحو الغد الآتي لا محالة..فإن يأتي ونحن أقوياء خيرٌ من أن يأتي ونحن نعيب زماننا ونشكو حالنا.

إعادة بناء الإنسان المصري فريضة لا مهرب منها إن أردنا أن نبقى على قيد الأمل..وكلما تسارعت الوتيرة تجنبنا تداعيات مرة تزداد كلفتها وتتفاقم حدتها..وسبيلنا إلى ذلك إصلاح جذري للتعليم والثقافة والبحث العلمي ومنظومة الصحة والخطاب الإعلامي والديني.

علمتنا تجارب النجاح أن التعليم حجر الزاوية في أي إصلاح ومنصة إطلاق أي نهضة مأمولة، وأن البحث العلمي أساس القوة ومدخلها الوحيد..فإنتاج الحلول لمشكلاتنا العصية وحيازة الموارد اللازمة للحياة وإشباع احتياجات الزيادة السكانية المطردة بمعدلات عالية لن يتحقق عبر العقل القادر على توليد الثروة وتعظيم العوائد والقيمة المضافة.

إصلاح السلوكيات السلبية للمجتمع لن يتحقق هو الآخر دون تغيير جذري لثقافة هذا المجتمع عبر خطاب تعليمى وإعلامي وديني رشيد ومقنع وجاذب..وحتى يتقبل العقل الجمعي هذا الخطاب فلابد أولا من إصلاح ما يقدم له من تعليم بعدها يمكن الحديث عن إصلاح الاقتصاد والسياسة وغيرهما.

مطلوب أن يعرف المواطن كيف يبني منظومة تفكيره .. ما واجباته..وما حقوقه وكيف يدافع عنها..كيف يحترم الآخر..لماذا تقدم غيرنا وتخلفنا عبر مئات السنين..كيف يختلف بأدب وينتقد بتهذيب.

إن العلم هو كلمة السر في كل حضارة ونهضة..في تاريخنا ما يدل على ذلك..كنا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس قبل أن تولد بريطانيا العظمى بقرون عديدة..كان العلم هو غاية المحكوم والحاكم..نعطي وزن الكتاب المترجم القيم ذهباً لمن تعب في ترجمته ولا نتوقف عن إنتاج كل جديد في كل مجال ..كنا نبصر الدنيا بعين العلم ونحترم العلماء ونرفعهم فوق ما عداهم ..لم يكن أسلافنا يعرفون تعظيم نجوم الكرة ولا الفنانين والمطربين ولا كان بينهم من يستمع لأغاني بير السلم أو المهرجانات..لم يكونوا مجتمعاً من الملائكة ولا كانوا يخلون من الموبقات بل كانوا بشراً يخطئون لكنهم لا يفتأون يصححون الخطأ ويقاومون أي اعوجاج ويتخلصون من أي آفات تعوق سيرهم نحو المستقبل.

العلم يبني بيوتا لا عماد لها.. والجهل يهدم بيوت العز والكرم ..هكذا قال أحد شعرائنا..و" إنما يخشى الله من عباده العلماءُ" هكذا يقول قرآننا ..لم تتقدم البشرية في فراغ ولا حققت ما وصلت إليه طفرة واحدة بل سعت حثيثاً عبر التطور بدءاً باكتشاف الكتابة وتسجيل الحضارة، مروراً باكتشاف الطباعة وصولاً لعصر المعلومات ثم المعرفة فالرقمنة التي نحيا ثمراتها اليوم..وكلها مراحل ارتكزت في مسعاها نحو الرشد والكمال على التعليم والبحث العلمي ..حتى طوعت الطبيعة وصار ممكناً اليوم  ما كان بالأمس مستحيلاً.

تفاضل الأمم يقاس بما تملكه كل أمة من العلم وما تنتجه من منجزات التمكين في الأرض من غذاء وكساء ودواء وسلاح ورفاهية..ولا يستوى من يملك المعرفة ومن يعيش عالة على غيره، إن شاء منحه وإن شاء منعه.

هذا ما أدركه الرئيس السيسي موقناً أن مصر لا يليق بها أن تحيا على إرث الماضى غارقة في مشكلاتها القديمة بل آن لها أن تملك مقومات القوة وأن تنعم بتعليم جيد ومستوى معيشة كريمة وأن يكون تعليمها وبحثها العلمي على قدر جيد وطموح..فبدأت الدولة خطوات ملموسة في رعاية الموهوبين والمبتكرين بتوفير بيئة حاضنة لهؤلاء النوابغ تدعمهم وترعاهم وتنمي ما لديهم من أفكار ومواهب..ولا يكف الرئيس عن مطالبة الحكومة في كل اجتماع ومناسبة بصياغة مشروع قومي لاكتشاف ورعاية الموهوبين في كل المجالات..وصقل قدرات الأطفال والشباب النابهين وإزالة كل ما يعوقهم حتى تستفيد بهم الدولة وتبني بهم تقدمها بما يتوفر لديها من إمكانيات مع استغلال التكنولوجيا والإبداع لتعظيم الاستفادة من طاقات الشباب في تطوير المشروعات وحل المشكلات العالقة في الاقتصاد والزراعة والصناعة  والمرور والتعليم ..إلخ.

غنية هي مصر بأبنائها المبتكرين ..وليتنا نبادر بإحصاء المبدعين والأفذاذ من أبنائها هنا وخارج هنا..لنضرب حولهم سوراً من الاهتمام والرعاية الفائقة..إن أردنا تحقيق الطفرة المنشودة..فثمة أفكار إبداعية كثيرة لشبابنا المبتكرين تنتظر خروجها لحيز التطبيق..تحتاج من يبحث عنها ويحوطها بالرعاية والتشجيع والتمويل ..ولو أن كل رجل أعمال تبنى طائفة من هؤلاء لكنا في حال غير الحال..لكن الرئيس فعل ذلك وكم شهدنا في مناسبات عديدة تكريمه للمبدعين وتشجيعهم حتى يستمر عطاؤهم ويزداد..

هناك مثلاً ابتكارات لتطوير المشروعات، وأخرى لكشف الألغام ومخترعات طبية وهندسية غير محدودة تنتظر من يدعمها ويميط عنها اللثام لتسهم بدورها في زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتوليد الثروة..  ومن يمد لها يد الدعم المالي ومن يوفر لها الخامات والأجهزة والبيئة الحاضنة للإبداع حتى تواصل سعيها في خدمة بلدها قبل أن تخطفها يد الغير بعد إغراقها بالمغريات.

ما أحوجنا لكل فكر مبتكر وكل منجز علمي مثمر وكل عقل قادر على وضح حلول ناجعة لأزمات طال بقاؤها..ولعل مبادرة السيدة قرينة الرئيس بإطلاق جائزة الدولة للمبدع الصغير إضافة جيدة ودعم للجمهورية الجديدة على طريق اكتشاف المواهب الصغيرة في شتى المجالات..وتلك الجائزة واحدة من جوائز أخرى تتبناها وزارة الثقافة لبناء جيل جديد متطور، وتؤكد حرص الدولة على رعاية مبدعيها؛ صغاراً وكباراً.

إن بناء الإنسان المصري في الجمهورية الجديدة ينبع أساساً من الطفولة التي تكفلها الدستور بالاهتمام والرعاية؛ تعليماً وتغذية وصحة ومأوى آمناً ، وتأهيلاً لذوي الاحتياجات الخاصة على أسس صحيحة تتوخى دمجهم في المجتمع.

الموهوبون هم صفوة العقول ونخبتها ومنحة من الله ساقها للبشرية كي توفر لها سبل الراحة والتكيف مع الحياة ومن ثم فإن رعايتهم واجبة من أجل بناء الوطن وسلامته ولا غنى عن تفريخ كفاءات تقود المجتمع نحو التنمية والرخاء ..وحسناً فعل الرئيس السيسي أثناء احتفالات عيد العلم في العام الماضي حين كلف بإنشاء صندوق لرعاية الموهوبين والمبدعين مهمته البحث عنهم لتأهيلهم ورعايتهم وإتاحة الفرصة لهم للإفادة من أفكارهم ورؤاهم وابتكاراتهم لبناء طفرة علمية في المجالات كافة.

مثل هذا المسعى يجسد إدراك الرئيس لدور هؤلاء المبدعين من الشباب والأطفال بحسبانهم أساس أي تقدم وعمود الجمهورية الجديدة التي هي غنية بكثير منهم في القرى والنجوع والمدن والمراكز والمدارس والجامعات.

آن الأوان لتكثيف الاهتمام بصفوة العقول والمواهب واحتضان أفكارهم وإبداعاتهم وتنميتها للوصول إلى إنتاج متميز عبر منافسة شريفة تتوخى صالح البلاد والعباد، وتوفير منح دراسية  للمبدعين منهم وتوفير ما يحتاجونه من معامل وأدوات تعينهم على ترجمة أفكارهم لمكتشفات ومنجزات تدر دخلاً وتحقق التفوق والسبق ..ولعل منح المتفوقين "حافزاً علمياً"يعادل "الحافز الرياضي" المطبق حالياً على طلاب الثانوية العامة خطوة جيدة ترفع همتهم وتضخ الحماس في أوصالهم.

الوصول للموهوبين ليس عملية صعبة وإلا ما طالب الرئيس السيسي وزير الشباب والرياضة باكتشاف ألف "محمد صلاح" في كفاءته ومهارته وعبقريته..لكن واقع الوصول لتلك النماذج ورعايتها حق الرعاية لا يزال دون طموح الرئيس.

رعاية المواهب وإبراز ذوي القدرات الخاصة وتقديم أهل العلم مبدأ قرآني أصيل لقوله تعالى " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون"..وقد اهتم القرآن بمثل هؤلاء أيما اهتمام وتناولت آياته الكريمة نماذج منهم في عصور مختلفة منها مثلاً ما ورد في سورة يوسف الذي عرف عنه تأويل الرؤيا، وكان ذلك سببا في اهتمام الملك به وتقريبه منه، كما استثمر يوسف عليه السلام ذلك في نهضة مصر وحمايتها من القحط والجدب..يقول تعالى" وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي".

فإذا كان ذلك كذلك ..فإن السؤال: لماذا أهملت أمتنا رعاية الموهوبين والمبتكرين من أبنائها ..وماذا كانت النتيجة؟!

هناك فرق بين الموهبة والإبداع والتفوق..فالموهوب يملك قدرات أو ملكات معينة تجعله متميزاً عن غيره في مجال ما. الموهبة تولد مع الإنسان دون تدخل من الطبيعة أو البيئة المحيطة التي بإمكانها فقط أن تساعد في تطويرها وتنميتها ليصبح الموهوب أكثر إبداعاً وتميزاً. وعادة ما تظهر الموهبة في سن صغيرة؛ ويعبر الطفل من خلالها عن نفسه بالرسم أو إلقاء الشعر أو كتابة القصص أو اللعب على آلة موسيقية أو الغناء.. وهنا ينبغى للأسرة تشجيع ابنها الموهوب وتوفير الجو الملائم والدعم اللازم لتنمية تلك الموهبة ..أما التفوق فليس فطرة تولد مع الإنسان لكنها تحتاج لبعض الذكاء وكثير من الاجتهاد.

المتفوق يمتاز عن أضرابه بمستوى ذكاء مرتفع وقدرة على التفكير بطريقة جيدة ومبتكرة ولديه بعض صفات القيادة وحب النجاح والتميز والإلمام السريع والتفكير الابتكاري والتفاعل الجيد مع الآخرين ..ولا يشعر باليأس من كثرة المحاولات.

المبدع يمتاز بمرونة التفكير وبساطته وبقدرة فائقة على التخيل وحل المشكلات ببساطة وبطرق مبتكرة، كما يأتي بأشياء غير معتادة ويخلق علاقات جديدة بين تلك الأشياء..الإبداع موهبة متطورة تظهر في الفنون التشكيلية مثلاً وفي مجال التصميم والعمارة وإنتاج أشياء جيدة متطورة..المبدع يرى جوانب لا يستطيع الآخرون رؤيتها وينظم أفكاره ليظهر أفكاراً جديدة لحل المشكلات المختلفة..ويبقى أخيراً أن نرى مزيداً من الاهتمام بالموهوبين والمتفوقين  والمبدعين  فهم أساس الجمهورية الجديدة وعمادها ..ومن حسن الطالع أن بلدنا زاخر بهم ..فماذا ينقصنا يا سادة..؟!