مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 لا عودة للوراء..!!


أوائل الثانوية العامة كالعادة جاء أغلبهم من مدارس حكومية، وهؤلاء هم صفوة طلابنا وحين يقولون إنهم اعتمدوا في تفوقهم على الدروس الخصوصية فإن ذلك يعني من بين ما يعني أننا مازلنا في حاجة لتفعيل دور المدرسة في العملية التعليمية لتعود كما كانت هي المبتدى والمنتهى..وحسناً فعلت وزارة التعليم حين قررت أن يكون حضور الطلاب لمدارسهم وجوبيًا في العام الدراسي الجديد، وهو ما نرجو أن يعالج أو يحد من تغول الدروس الخصوصية التي تلتهم معظم دخول الأسر المصرية بلا رحمة ولا هوادة.

مجاميع الثانوية العامة الجديدة أو المعدلة هذا العام تعيدنا لأجواء زمن جميل لم نكن نسمع فيه عن تخطي مجموع أحد الطلاب حاجز ال100%..كما حدث قبل سنوات قليلة..وهو ما يضعنا أمام حقيقة مهمة تؤكد أن تعليمنا بدأ يتغير على نحو منشود كنا نرجوه منذ زمن بعيد، فالمنظومة الحالية للتعليم تركز على تنمية ملكات الإبداع والتفكير والابتكار والاختراع واستقلالية التفكير بعيداً عن النظام العتيق القائم على التلقين والحفظ والاستظهار.

صحيح أن بعضنا وربما كثير منا لم يتعود على هذا النظام بعد وربما لم يألفه أو يتجاوب معه لأسباب عديدة منها ما هو تقني يجري تطويره ومعالجة قصوره، ومنها ما هو تربوي وفني..لكن منذ متى يجد الجديد طريقه نحو التطبيق بلا معوقات أو اعتراضات  .. كل فكر جديد عليه أن يخوض معركته حتى يغير مفاهيم وأفكاراً بالية تجاوزها الزمن وحتى يمكنه أن يجد حلولاً شافية لأزمات مستعصية طال عليها الأمد.

وفي كل الأحوال يمكننا القول باطمئنان إنه لا عودة للوراء فقط نحتاج مزيداً من التأهيل والتدريب عليه لجميع عناصر المنظومة التعليمية طلاباً ومعلمين وإداريين وقيادات وتوفير ما تحتاجه من بنية تكنولوجية وكفاءات تعليمية حتى يؤتي ثماره المرجوة..هنا يأتي سؤال: لماذا لجأت الحكومة للنظام الجديد الذي يستهدف خلق جيل يعتمد على الفهم والتحليل وليس الحفظ والاستظهار..والإجابة ببساطة أن تعليمنا افتقد منذ سنوات أدنى مقومات الجودة والتطوير والقدرة على المعرفة؛ فلا هو تربوي يهذب النفوس والأخلاق، ولا هو رياضي يبني الأجسام والأبدان، ولا هو تعليمي يبني العقول والأفكار ويصقل المهارات والقدرات.

تعليمنا كان رحلة عذاب تلهب ظهر كل أسرة مصرية حتى يصل أبناؤها إلى الثانوية العامة ويحصلوا على مجاميع باتت غاية في ذاتها حتى يتسنى لهم اللحاق بكليات قمة لا تتسع لغير فئة قليلة يذوق ما عداهم من ذوي المجاميع المتوسطة والدنيا مرارة الصدمة حين يجدون أنفسهم في مهب ريح التنسيق، حتى من حصلوا على مجموع أعلى من 95% لا يجدون مكاناً في تلك الكليات التي طالما سهروا الليالي وحلموا بدخولها وعاشت أسرهم تمني نفسها بها.. لكنهم صحوا على كابوس كبير بدد أملهم وأظلم المستقبل في أعينهم.

وفي سياق كهذا كان لابد للدولة أن تتنبه لهذا العوار وتسعى لعلاجه وتصويب مساره وبالفعل بدأت في تطبيق نظام الثانوية العامة المعدل والذي من ثمراته انتهاء ظاهرة ارتفاع المجاميع إلى 100% وهي بالتأكيد غير واقعية، فجاءت بنظام تقييم ينتج درجات مستحقة لكل طالب.. وكان طبيعياً والمجاميع هكذا أن تنخفض مؤشرات القبول بكليات القمة التي بدأت نظرة الطلاب وأولياء أمورهم تتغير نحوها شيئاً ما خصوصاً بعد كورونا ومستجدات أخرى غيرت أولويات المجتمعات تبعاً لاحتياجاتها الضرورية..فتقدمت في سلم الأولويات كليات الحاسبات ونظم المعلومات والرقمنة والأمن المعلوماتي والتمريض والذكاء الاصطناعي..وربما يأتي يوم قريب لتحتل مكان كليات القمة ..والنصيحة الواجبة لأبنائنا أن يختاروا كليات تتناسب وقدراتهم الفعلية وتحولات سوق العمل لا ما يختاره آباؤهم من كليات وتخصصات تهدف للوجاهة أكثر مما ترجو النفع وصالح الأبناء والمجتمع.

وحسناً ما فعلته "التربية والتعليم" بحجب نتائج طلاب تسربت لذويهم في غفلة قبل إعلان النتيجة رسمياً، وهو ما يعني أن ظاهرة مرذولة كانت تسمح بتسريب نتائج آلاف الطلاب من الكنترول في طريقها للزوال.

ما نراه اليوم من تغيير يعيدنا بما بشرنا به وزير التعليم قبل عام حين أكد أن الثانوية العامة الراهنة مأساة الأسر المصرية وسلة الفشل سوف تنتهي بلا رجعة وتحل محلها ثانوية معدلة سوف تنهي الدروس الخصوصية التي لن تفيد طلابنا ولن تساعدهم في حل الامتحانات في صورتها الجديدة ..والسؤال: كيف سنغير واقعاً درج عليه أبناؤنا منذ الصغر واعترف المتفوقون منهم بأنهم اعتمدوا عليها بصورة أساسية ازدادت مع ظروف كورونا والتزام كثير منهم منازلهم تحاشياً لظروف الوباء..وهل تكفي وسائل التعليم الرقمي الحالية أم أنها في حاجة لمزيد من التفعيل والتطوير وتوفير التدريب المناسب للمعلمين كي يقدموا لأبنائنا خدمة تعليمية راقية ذات جودة عالية تترجم فلسفة المنظومة الجديدة إلى واقع وتجعل التعليم مدى الحياة ومن أجل الفهم وليس لأجل خوض امتحان والحصول على شهادة..تعليم ينمي المهارات ويحرض على الإبداع وهو قبل هذا وذاك محبب إلى قلوب الأبناء وليس عبئاً يتمنون الخلاص منه.

نصيحة الوزير واضحة:" لا تستجيبوا للضغط من أجل الدروس الخصوصية فلن يكون لها تأثير على الأداء في السنوات المقبلة".

ورأيي أننا في حاجة لمزيد من الفهم ومزيد من الجهد لإنجاح النظام وتلاشي ما قد وقع من سلبيات أو أخطاء لإزالة أي معوقات تقف في طريق التطوير، وتقضي على بعبع الثانوية العامة القديمة بكل سوءاتها وتخلفها وعقدها..لنستقبل تطويراً هائلاً في تعليمنا ومستقبل أبنائنا والبلد كله.

الوزير وعد أيضاً وأظنه صادقاً بإزاحة هذا الكابوس الجاثم فوق صدورنا منذ عقود لم تحقق الثانوية العامة خلالها أي عدالة أو تكافؤ فرص، ولم تصنع مستقبلاً أفضل ولا عبرت بأي حال عن قدرات أبنائنا الحقيقية وأولهم بالطبع الذين حصلوا على مجموع 100%؛ في سابقة لم تعرفها أعتى الدول تقدماً حتى الدول التي كانت أقل منا تعليماً صارت اليوم تناطح السحاب بعد أن جعلت تنمية البشر والاستثمار في تعليمهم وصحتهم أولى أولوياتها..بينما أنظمتنا السابقة أهملت هذا المسار غافلة عن أن كل تطور يلزمه تعليم جيد توضع له استراتيجية وبوصلة لا يخطئها وأهداف لا يحيد عنها.

من أسباب تراجعنا في التعليم فيما مضي أننا كنا نرضخ لضغوط جماعات رفض من مصلحتها أن يبقى تعليمنا متردياً يراوح مكانه بلا جدوى وهو ما أدركه الرئيس السيسي فجعل التعليم كما الصحة في صدارة أولوياته بحسبانهما من الملفات التي لا تقبل تأجيلاً ولا تسويفاً ولا إهمالاً؛ فمن دون إصلاحهما لا تنهض أمة ولا تتقدم قيد أنملة. وبفضل هذه الرؤية والإرادة السياسية تقوم حكومتنا بإصلاح حقيقي في التعليم والصحة؛ إصلاح ينهي سطوة الثانوية العامة ويضع حداً لمتاعبها..وكفانا ما تسببت فيه من هشاشة وقصور في منظومة التعليم ونوعية الخريجين، وما أحدثته من انفصام بين سوق العمل والمنافسة الحرة وبين حملة الشهادات الجامعية غير المطلوبة في تلك السوق شديدة التطور والتعقيد.

لم يجن بلدنا من تعليمه التقليدي سوى طابور طويل من العاطلين الذين يتخرج آلاف منهم سنوياً ثم لا يجدون عملاً مناسبا لمؤهلاتهم..وكان أحرى بنا لو حببناهم في التعليم الفني وغيرنا نظرتهم الدونية إليه بمزيد من الحوافز والاهتمام وتوفير فرص العمل فما أحوجنا في مصر لمثل هذا النوع من التعليم  الذي تجنى ألمانيا منه أكثر من 100 مليار دولار سنوياً نتاجاً للأيدي العاملة الفنية المدربة..ما أشد حاجتنا لعمالة فنية متعلمة تعليماً راقياً ومدربة على أحدث تكنولوجيا العصر لسد احتياجات مصانعنا ومزارعنا والقطاعات الخدمية لمثل تلك الأيدي الفنية الماهرة في تخصصات مطلوبة مثل التربة والميكانيكا والسكك الحديدية وغيرها.

يقيني أن لدى الرئيس السيسي خطة إصلاحية طموحة يجري تنفيذها لإعادة صياغة منظومة التعليم بشتى مكوناته وإحداث نهضته المأمولة على أسس أكثر حداثة وتقدما لتضع مصر على خريطة العالمية.

التطوير المطلوب في رأيي ينبغي أن يكون شاملاً يلبي الاحتياجات الحقيقية للدولة والجمهورية الجديدة القائمة على الرقمنة والتكنولوجيا الفائقة، تطوير يوازن بين سوق العمل والتخصصات العلمية المطلوبة.. وهنا ينبغي للقطاع الخاص أن يبادر لمساعدة الحكومة بضخ استثمارات ضخمة في التعليم لصناعة خريج أو باحث كفء لتجنى البلاد ثمرات إنتاجه العقلي عبر مراحل أساسية من الدعم والتحفيز وتبني النماذج الفذة القادرة على مضاعفة القيمة المضافة والعائد الاقتصادي من ورائها وحمايتها من الهجرة للخارج وحرمان مصر من عطائها وما يمكن أن توفره من فرص عظيمة للترقي وحيازة أسباب القوة.

لا جدال أن اكتمال مقومات القوة لن يتحقق دون نجاح التعليم ووجود خريج يملك أدواته ومهاراته وهو ما تعمل لأجله الدولة حالياً وساعتها سنجد صناعة راقية تغنينا عن الاستيراد وزراعة صالحة تحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتوفر مستلزمات التصنيع وصحة عفية وأخلاقاً رفيعة تكرس للأمن والاستقرار والتقدم، ويوم نستطيع بتعليمنا المنافسة العالمية في إنتاج الأفكار والمعرفة وإفراز خريجين ذوي قدرات ومهارات وخبرات تؤهلهم لارتياد سوق العمل بقوة وخلق بيئة جاذبة للمتعلمين لاسيما في التعليم الفني، بيئة تنشر السعادة بين أطفالنا فيذهبون لمدارسهم فرحين يحملون البهجة والتفاؤل وليس حقائب ينوء بحملها الكبار، حقائب محشوة بكتب وكراسات ترهقهم وتبدد طاقاتهم وأحلامهم وتعكر صفو طفولتهم..فضلاً عما يلقونه من معاملة جافة تأتيهم أحياناً من بعض القائمين على العملية التعليمية..يومها من حقنا أن نطمئن ونفخر بنجاح تعليمنا و نأمن على قادة مستقبلنا يوم يجد أبناؤنا اهتماماً بالرياضة والرحلات والأنشطة والفنون ومسابقات الثقافة والإبداع والمشاركة المجتمعية والتغذية المدرسية كما قال الرئيس السيسي.     

    النظام الجديد للثانوية العامة لا يزال محل تقييم فإما أن يكون إصلاحاً حقيقياً أو مراوحة في المكان دونما أي فعالية حقيقية..لكن ما نرجوه حقاً أن تتحرر العقول من النمطية التعليمية ومن الحفظ والتلقين والاستظهار إلى آفاق أوسع من إعمال الفكر والحوار والابتكار والتحليل والنقد البناء والمبادرة وقبلها التخلص من كل أنظمة الامتحانات البالية مقبرة التعليم وسلة الفشل ..ما زلنا في حاجة لآليات حقيقية لاكتشاف المواهب والتقاطها وتنميتها والإفادة من إسهامها في نهضة البلاد والعباد وعدم تركها فريسة للإحباط وأعداء النجاح والتطوير حتى لا تضيع على مصر فرص مؤكدة في النهوض والتقدم بأيدى أبنائها البررة وهو أمر يحرص عليه الرئيس ويسعى لتحقيقه عبر مد جسور التواصل مع عقول مصر المهاجرة ..وحري بنا لو أمكننا وقف هجرة تلك العقول التي تمثل نزيفاً حقيقياً ينبغي أن يتوقف..فمصر أولى بأبنائها.