مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

بعد كل تلك الجرائم هل يستحق آبي أحمد نوبل للسلام؟!

 

شيء من الأمل تجدد بعد الموقف الداعم لمصر من وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الذي انعقد في الدوحة الأسبوع الماضي وتأكيدهم أن الأمن المائي لمصر والسودان جزء من الأمن القومي العربي..كما دعت الجامعة العربية مجلس الأمن لمناقشة أزمة سد النهضة؛ معلنة أنها قد تتخذ " إجراءات تدريجية"لدعم البلدين الشقيقين في خلافهما بشأن هذا السد مع أديس أبابا التي رفضت موقف الجامعة، ووصفته ب "غير العادل" ..مجددة رفضها تدويل الأزمة.

مثل هذا الرفض الأثيوبي يكشف عن النيات الحقيقية التي يضمرها حكام أديس أبابا تجاه مصر والسودان فقد ماطلوا وتعنتوا وانسحبوا من مفاوضات شاقة وغير مثمرة استغرقت بضع سنوات بلا طائل.

ما يهمنا في هذا السياق هو التأكيد على أن قوة العرب في وحدتهم وتضامنهم؛ فذلك وحده كفيل بحمايتهم من كل خطر وجودي يتهددهم.. وما أكثر ما يحيط بهم من مخاطر لا يمكنهم اجتيازها إلا إذا اجتمع شملهم والتأمت صفوفهم..وكفاهم ما فات من نكبات وصراعات وانقسامات تسببت في ضعفهم وتراجع الدعم الدولي لقضاياهم والانتصار لحقوقهم رغم ثبوتها.

أمتنا العربية تمر بظروف أشبه ما تكون بأجواء سايكس بيكو التي أعادت رسم خريطتهم وحدودهم السياسية وزرعت ألغاماً لم تنج منها دولة عربية واحدة وهو الأمر الذي فتح الباب لصراعات مكتومة أحياناً ومعلنة في أحايين كثيرة بين الأنظمة العربية بعضها البعض.

التوافق أو الإجماع العربي حول عدالة قضية مصر والسودان وحقوقهما التاريخية في مياه النيل يوفر ظهيراً إقليميا داعماً  لصانع القرار في مصر والسودان معا ويخلق أريحية في التعامل مع البدائل والسيناريوهات المطروحة للتعامل مع الجانب الأثيوبي المتعنت والساعي لجعل النيل بحيرة أثيوبية خالصة..كما وصفها مسئول أثيوبي بارز عقب انتهاء الملء الأول العام الماضي.

لقد مدّت مصر والسودان حبال الصبر لأبعد مدى، وأظهرتا أقصى مرونة ممكنة في  طرح الأفكار والبدائل في التفاوض للوصول لحلول توافقية عادلة حول سد النهضة تستلهم روح القانون الدولي وتجنب المنطقة أي اهتزازات خطيرة حذر منها الرئيس السيسي .. وهو ما قابلته أثيوبيا للأسف بمراوغة وتشدد وصلف يطرح علامات استفهام كثيرة حول السر وراء هذا الموقف الأثيوبي العدواني..أهو نظام أديس أبابا الذي يتاجر بورقة السد سياسياً لخلق عدو يوحد جبهته الداخلية المتطاحنة والآيلة للسقوط بفعل ما فجره آبي أحمد من حروب أهلية وصراعات داخلية طاحنة أملا في نقل تلك الحرب من أرضه إلى خارج حدوده للإفلات من السقوط السياسي ومن المحاسبة والعقاب الدولي لقاء ما ارتكبه من انتهاكات ترقى بحسب منظمات دولية إلى جرائم حرب..أم هي الرغبة في جرجرة مصر والسودان لنزاعات تستنزفهما و تخدم أطرافاً إقليمية  تسعى لإشغال مصر وصرفها عن مسيرة التقدم وبناء جمهوريتها الجديدة بإطالة أمد هذه الأزمة التي تهدد بانفجار صراعات تهز المنطقة وتنزع منها الأمن والسلام اللذين تنعمت بهما منذ قرون.

ولعل ما قاله الجنرال كينيث مكينزي قائد القيادة المركزية الأمريكية منذ أيام بأن سلوك أثيوبيا بشأن سد النهضة "يقلقنا" ، فنحن ندرك الأهمية الفريدة للنيل لدى مصر والسودان ليس فقط من الناحية الثقافية بل من ناحية الموارد المائية والاقتصاد عموماً ..مضيفاً أعتقد أن مصر تمارس قدراً هائلاً من ضبط النفس وهي تحاول الوصول لحل دبلوماسي وسياسي لمشكلة حقيقية سنستمر في محاولة إيجاد حل لها يكون مناسباً لكل الأطراف".

وفي رأيي أن ثمة معركة سياسية ودبلوماسية تخوضها مصر والسودان ومن ورائهما الأمة العربية في مجلس الأمن والمحافل الدولية لحل تلك الأزمة، وهى معركة تستلزم تحركاً واعياً وسريعاً ومدروساً على مسارات عديدة إعلامياً ودبلوماسياً لخلق جبهة دعم عالمية حكومية وشعبية مؤثرة وضاغطة على صانع القرار في أثيوبيا؛ حملة تشرح تعنته وضربه بالقانون الدولي عُرض الحائط، وتداعيات ومخاطر  الملء الثاني للسد بقرار أحادي وما يجره من دمار وتهديد لحياة أكثر من 150 مليون مواطن بمصر والسودان.

وينبغي للمجتمع الدولي ألا يستهين بخطورة ترك أثيوبيا تتصرف منفردة في إيرادات نهر دولي؛ ومن ثم فلا أقل من تحرك الحكومات والمؤسسات الدولية الفعالة في ممارسة الضغط اللازم على آبي أحمد ومن معه وهو ما ينبغي أن يسبقه تحرك عربي جماعي إعلامي وحكومي وشعبي لخلق حالة دعم عالمي لتعرف شعوب الدنيا كلها كيف تتجنى أثيوبيا على دولتي المصب.. وكيف تتعسف في استخدام حقها في موارد النهر وما يجره ذلك من خراب ودمار واضطرابات ليس في منطقة القرن الإفريقي بل للعالم أجمع الذي تمر نسبة لا يستهان بها من تجارته عبر باب المندب الذي يقبع في هذه المنطقة.

كم سعدت شعوبنا العربية حين رأت أخيراً توافقاً عربياً حول سد النهضة يعبر عن نبضها ..ربما تأخر هذا الموقف لكن أن يأتي ذلك متأخراً خير من ألا يأتي أبداً..وهو موقف ينطوي على إدراك عميق بحقيقة تعنت أثيوبيا وتشددها الذي أخرج وزراء الخارجية والري في مصر والسودان عن صمتهم الذي طال كثيراً لينتقدوا علانية الموقف الأثيوبي ويصفوه ب"المتعنت" بعد أن أغلق آبي أحمد ومن معه كل أبواب التوافق؛ ما دفع الرئيس الأمريكي السابق ترامب للقول في أعقاب فشل جولة التفاوض التي رعتها بلاده نهاية العام الماضي إن مصر لن تستطيع العيش بهذه الطريقة، وسينتهي الأمر بها بتفجير هذا السد..".

ولم يأت التحرك العربي الجماعي في هذا الملف من فراغ بل بعد جهد جهيد وحرص مصري لا محدود على حل المسألة بالتفاوض للوصول لاتفاق قانوني ملزم تتهرب منه أديس أبابا التي لا تخفي نواياها في امتلاك المياه والتصرف فيها تصرف المالك فيما يملك ..تعطى متى شاءت وكيف شاءت دون معقب.

والسؤال هل يكفي التوافق العربي وإعلان الدعم الكامل لمصر والسودان..أم أن الأمر يحتاج لمزيد من التحركات الجماعية في المسارات القانونية والدبلوماسية والشعبية وحتى العسكرية إن لزم الأمر ..لفضح النيات الحقيقية لحكام أديس أبابا، موثقة بالصوت والصورة والتي تكشف رغبتهم ليس في التنمية وتوليد الطاقة كما يزعمون بل في احتكار المياه واتخاذها ورقة سياسية لابتزاز مصر والسودان وتعطيش شعوبهما.

عدالة قضيتنا وحقوقنا المائية أوضح ما تكون؛ فأثيوبيا تستقبل سنوياً أكثر من ألف مليار متر مكعب من المياه يذهب منها 84 ملياراً لتربية الماشية وحدها وهو ما يزيد عن حصتى مصر والسودان مجتمعتين من إيرادات النهر..فأي خطر تؤسس له أثيوبيا بإعادة العالم لشريعة الغاب بفرض سيادتها المطلقة على الموارد المائية المشتركة التي هى منحة من الله وحده؛ ولو أن المجتمع الدولى ترك أديس أبابا وما تريد فإنه بذلك يعطى ضوءاً أخضر لدول أخرى مماثلة كي تفعل ما تشاء في الأنهار العابرة لحدودها فتقطع المياه عن جيرانها دون التفات لأي قوانين أو أعراف دولية..أليس مثل ذلك استقواء يعيد البشرية لشريعة الغاب ويفتح الباب لصراعات وحروب على المياه تنبأ بها مفكرون وعلماء .

إن مجلس الأمن و الأمم المتحدة مدعوان للنظر العاجل في خطورة ترك هذه الأزمة دون حل عادل على السلم والأمن الدوليين قبل اتخاذ أي قرار ملزم لأديس أبابا التي باتت الكرة الآن في ملعبها دون أن يعني ذلك أن تقف الأمة العربية موقف المتفرج وتترك غيرها يقرر مصيرها فالأمن القومي لمصر والسودان من صميم بل لعله ركيزة الأمن القومي العربي كله..فكيف يأمن العرب إذا ما تعرضت مصر لخطر وجودي..وأي خطر أكبر من العطش والجوع..؟!!

ما أحوجنا كما قال أمين عام الجامعة العربية السفير أحمد أبوالغيط إلى محور عربي فعال وقادر على مجابهة ما يحيط بنا من مخاطر، وجمع ما تفرق من شمل أمتنا ، والحفاظ على ما بقي من مقومات وجود هذه الأمة ..وهي مقومات لو تعلمون عظيمة..لو أحسنا توظيفها لنقول لمن ينهشون الجسد العربي : كفى ..توقف!!

اجتماع الدوحة في رأي خطوة مهمة لها ما بعدها ويمكن البناء عليها كنطقة انطلاق تعيد أمتنا لمجريات التاريخ والمشاركة في تقرير مصير المنطقة ورسم ملامحها الجديدة في نظام عالمي لا يعترف بغير القوة ولن تتأتى هذه القوة إلا بتنمية بلادنا و تقوية اقتصادها وتطوير مواردها البشرية والطبيعية ليتحقق التكامل المنشود.

حاجتنا شديدة لقوة عسكرية عربية مشتركة سبق للرئيس السيسي أن نادى بها، وأثبتت الأيام صدق مطلبه ؛ قوة قادرة على الردع ومنع أي محاولة للتدخل في شئوننا وإشعال دولنا بالفتن والوقيعة بين مكوناتها ..ولا تزال الفرصة سانحة ..وهي تحتاج منا فقط لإعادة ترتيب الأوراق وإعلاء مصالح شعوبنا العربية فوق الخلافات والانقسامات.

ما أكثر ما تملكه أمتنا من أوراق ضغط حقيقية يمكنها لو أحسن استغلالها أن تحقق مردوداً كبيراً وأن تخلق دعماً دولياً لقضايانا العادلة أو على الأقل تحييد أى قوى فعالة تجاه أي نزاع محتمل إذا ما اضطرتنا الظروف للدفاع عن حقوقنا المشروعة بكل ما نملك من وسائل وأدوات القوة.

لقد أعلنت أثيوبيا بكل غرور اعتزامها بناء سدود أخرى على النيل الأزرق ..فهل هي في حاجة لكل هذه السدود ..وكيف يستقيم ذلك مع اعتراف أديس أبابا نفسها بأنها تملك وفرة مائية لا تستخدم منها إلا ما يتراوح بين 5 و10% فقط ..فما حاجتها لحجز مزيد من المياه وحرمان جيرانها منها على نحو يهدد الأرض بالبوار والسكان بالفناء...؟!

وإذا علمنا مثلاً أن سد النهضة يكفيه فقط حجز 14 مليار متر مكعب من المياه ليتمكن من توليد الكهرباء المطلوبة وهو الهدف المعلن من إقامة هذا السد ..فما الداعي لتعلية السد لحجز 74 مليار متر مكعب..اللهم إلا رغبتها في فرض السيطرة والهيمنة والتحكم في دولة عريقة بحجم مصر ومعها السودان..؟!

ثم وهذا هو الأهم: ماذا سيفعل المجتمع الدولى ؛منظماته وقواه الكبرى لوقف هذا الاعتداء الأثيوبي على حق الشعوب في الحياة..ولم يقف صامتاً حتى تصل الأزمة لحافة الهاوية أو نقطة اللاعودة..ألا تخشى تلك الدول على مصالحها حال اندلعت لا قدر الله حرب على المياه في تلك المنطقة الحيوية من العالم..؟!

لقد حبس هذا العالم أنفاسه يوما بعد جنوح سفينة عملاقة في قناة السويس لأيام فماذا لو  توقفت الملاحة بالقناة  لا قدر الله لأسابيع أو إلى ما شاء الله إذا ما اندلع أي نزاع..؟!

مصر والسودان دعاة سلام ..وليس أدل على ذلك من صبرهما الطويل في مفاوضات وصفها البعض بالعبثية لسوء ما أفضت إليه من نتائج..فعلامَ يراهن آبي أحمد ومن معه ومن وراءه..ماذا لو نفد صبر مصر ..وإذا لم يتحرك العالم ومنظماته سريعاً لاحتواء تداعيات قضية بمثل هذه الخطورة ..فمتى يتحرك..أيتحرك بعد وقوع المصيبة واتساع الخرق على الراتق..؟!

وإني لأعجب من منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام  وهو الذي لم يقدم أي إسهام يذكر لتحقيق الإخاء بين أبناء دولته ..بل إنه على النقيض من ذلك جلب لهم وللمنطقة الخراب والدمار وضحايا بالآلاف بعد اندلاع حرب أهلية في بلاده لا يزال المجتمع الدولي يتكلم عنها قولا ويعجز عن وقفها ومحاسبة المتسببين فيها فعلا..ولم يكتف آبي أحمد بذلك بل إنه يسعى لتفجير المنطقة كلها وإغراقها في صراع وجود على أهم مقومات الحياة ..الماء الذي هو أصل الحياة ..فهل ينجح المجتمع الدولي في ردع حاكم أثيوبيا ومنعه من جرجرة المنطقة إلى ما لا يحمد عقباه..؟!