مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

في ضرورة ضبط المشهد الإعلامي والدرامي


تقييم المشهد الفضائي والدرامي بين الحين والآخر أمر لابد منه لإعادة ترتيب البيت وتدارك سلبياته ومواطن قصوره متى وجدت وتصحيح مساره ووضعه على طريق المنافسة والريادة..وتبدو المراجعة هنا ضرورة لا مناص منها إذا ما نظرنا لما انتاب المنظومة الإعلامية بعد يناير 2011من فوضى وسيولة وعشوائية وانفلات طال كل شيء في مصر والمنطقة ومازلنا نعاني تبعاته ومساوئه.

تعدد أجهزة المتابعة والتقييم بعد ثورة 30 يونيو من شأنه أن يوسع دائرة تقييم الأداء الإعلامي ويزيد من فعاليته ويقضي على سلبياته ويرد المعوج إلى رشده وصوابه؛ فالإعلام كالدراما والثقافة عامة له دور تنويري لا تستغني عنه الدولة الحديثة..فما بالنا بجمهورية جديدة تشق طريقها وسط صعاب وتحديات غير مسبوقة وعلى رأسها الأمن المائي.

لا خلاف على حتمية استعادة الوجه المشرق والدور الفعال الملتزم للإعلام والدراما، وإبقاءهما على قيد التأثير والمنافسة؛ فالغياب وانعدام الفعالية لهما أثر كارثي لا نطيق احتماله في ظروفنا الراهنة؛ فهما رمانة ميزان لتشكيل وعي الأجيال وصون الرأي العام من عواصف التشويش والاستهداف المنظم الساعي لقطع الصلة والتلاحم بين المواطن ودولته وتفكيك الجبهة الداخلية الظهير والسند الحقيقي للوطن والأمة كلها في مفترقاتها الحاسمة..ونحمد الله أن هناك من يهتم بالتقييم والتصويب فتلك رسالة توحي بأننا على الطريق الصحيح لإزالة كل ما من شأنه إعاقة الانطلاق والتطوير..والأهم أن يستمر هذا النهج وأن تتسع الصدور لتقبل النقد والاختلاف ما دام الهدف توسيع نطاق الرؤية والوصول لأفضل ما يمكن.

وحسناً فعلت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مؤتمرها الصحفي الكاشف لملامح التطوير خلال المرحلة المقبلة وتنفيذ خطط مستقبلية من شأنها رفعة الإعلام والدراما سواء عبر تطوير المحتوى أو صقل الكوادر الإعلامية أو الإصلاحات الهيكلية بوجه عام لتعود لمصر قوتها الناعمة القادرة على  التصدي لرياح الشائعات وسهام التخريب عبر استنبات وعي صحيح لمواطن يتوق لمعرفة الحقيقة في بساطة ويسر.

التأكيد على دور الإعلام وضرورة تطويره بدا واضحا في المؤتمر الصحفي الذي دعت إليه "المتحدة للخدمات الإعلامية" وقالت خلاله: الإعلام عالم ساحر يديره مجموعة من المبدعين لتوعية المواطنين بالحقيقة والتصدي لترويج الشائعات، يثقف المواطن ولا ينشر الجهل، يرفّه الجمهور ولا يفسد الذوق العام. الإعلام أداة قوية ومرنة للتأثير وتوصيل صوت من لا صوت له في إطار من الحرية والمسئولية، طريق تسير عليه نحو الإصلاح".

أما عن وضع الإعلام قبل إنشاء الشركة فقالت :" ما كان ينفق عليه أكبر من العائد منه؛ وهو ما يثبت أن الاستثمار بالإعلام سابقاً كان ينطوى على أهداف خبيثة؛ ما أدى لتراجع الدراما المصرية؛ فلم تعد موجودة على خريطة الدراما العربية؛ ولذا كان لابد من إعادة ترتيب المشهد الإعلامي، وهو مطلب شعبي انطلق من ثورة 30 يونيو...".

الشركة ذهبت إلى أن هيكلة الإعلام المصري ارتكزت على محاور عدة، شملت الإصلاح الهيكلي لشركات الإعلام وتطوير المحتوى وعودة قوة مصر الناعمة ومواجهة الشائعات والتخريب ودعم الصناعات المرتبطة بالإعلام، كما أسهمت في تطوير تليفزيون الدولة والإذاعة بالشراكة مع هيئات الصحافة والإعلام".

هكذا رسمت الشركة المتحدة خطوطها العريضة واضعة النقاط فوق الحروف، وسعت على نحو ما لتقديم إجابة عن سؤال محوري: كيف يمكن تقديم إعلام وصحافة ودراما قوية..وتلك رسالة نرجو أن تصل للجميع حتى ينهض الإعلام برسالته الوطنية في قوة واقتدار..فما أعظم حاجتنا أكثر من أي وقت مضى إلى قيام الإعلام على اختلاف وسائله بتغيير ثقافة تقود إلى الاحتقان والانغلاق وتبني ثقافة أكثر انفتاحاً وليبرالية وقابلية للعيش المشترك وقبول الآخر والمشاركة والتعاون والتغيير للأفضل وإصلاح ما يجب إصلاحه، والتخلص من ثقافة" ما نعرفه أفضل مما لا نعرفه، وليس في الإمكان أفضل مما كان" ؛ فطبيعة الأشياء أن الإنسان عدو ما يجهل، كما أن تغيير الثقافة الجامدة تنقلنا من خانة التوجس السلبي والخمول إلى التفاعل والتجاوب الفعلي ..تنقلنا من الإحباط وتثبيط الهمم إلى التفاؤل والحركة والحيوية والإبداع.

ثقافة التغيير مدخل مهم لحياة أكثر إنتاجية ورفاهية..وكم من دولة متقدمة شيدت نهضتها وتقدمها بالأساس على ثقافة تتبنى قيم العمل الحر المنتج والكسب الشريف ومجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة ..وكيف يمكن مثلا لتكنولوجيا المعلومات وخدمات التعهيد والطاقة المتجددة فضلاً على المجالات التقليدية من زراعة وصناعة أن تسهم في زيادة صادرات مصر وتنقلها إلى ثقافة القيمة المضافة ومضاعفة الإنتاجية والتحول لمجتمع رقمي عماده العلم والمعرفة والبحث العلمي.

تغيير الثقافة التقليدية التي تنتهج مبدأ الكم في التعليم والنظر للتعليم الفني نظرة دونية والتوسع في تخريج أعداد هائلة سنوياً في كليات نظرية لا تحتاجها مصر ولا يقبلها سوق العمل الآن في ظل ثورة المعرفة والتكنولوجيا..أو الاعتماد على اقتصاد ريعي محدود الموارد والأركان والاقتصار على صادرات تقليدية للمواد الخام الزراعية كالقطن مثلاً أو البطاطس أو الموالح وغيرها..هي ثقافة آن لها أن تتغير وتلك رسالة ومهمة مجتمعية يصعب أو يستحيل أن تنهض بها حكومة لوحدها في غيبة شركاء التنمية وجميع فئات المجتمع لاسيما مكونه المدني بشتى صوره..فكيف لحكومة مهما تكن قدرتها أن تغير نظرة الناس للمال العام وضرورة الحفاظ عليه وعلى الأرض الزراعية ومرافق الدولة أو احترام القانون وقيم المواطنة والتسامح بين أبناء الوطن الواحد مهما تختلف عقائدهم الدينية ومشاربهم السياسية، أو تنظيم الأسرة وصحة المرأة والطفل وريادة الأعمال ودعم الابتكار وإصلاح الاقتصاد..من يمكنه تحريك المجتمع لقبول مثل هذه المفاهيم وتطبيقها في الواقع  إذا لم يكن الإعلام والدرما والثقافة في طليعة المعركة لتهيئة مثل  هذا المجتمع لتقبل مثل هذا التغيير والإيمان بضرورته وجدواه والرغبة في الوصول لهذه الغاية المثلى؟

 مثل هذا الدور يحتاج في أدائه أن تتحلى الأركان الثلاثة بالمسئولية والشعور بعظمة الرسالة والمقدرة على تحملها بشفافية ونزاهة وموضوعية وصدق ومهنية تحترم المواطن قارئاً أو مشاهداً.. وتعين الحكومة بالحقائق والنقد البناء الهادف لصالح البلاد والعباد في مواجهة الزيف والبهتان.

الإعلام بوسائله المختلفة يعمل الآن تحت سمع وبصر أجهزة معنية لديها بحكم الدستور صلاحيات تمكنها من المتابعة والتقييم والتصويب المباشر، ومهمتها الأساسية تطوير الإعلام وفي القلب منه الصحافة وإصلاح أحوالها المالية والإدارية والتقنية، وتنمية عنصرها البشري معرفياً ومهارياً ومهنياً، وتفعيل مواثيق الشرف الصحفية والإعلامية وإزاحة أي معوقات من طريقها حتى تستعيد مكانتها وريادتها ودورها الوطني في التنوير والتثقيف والتأثير عبر الاسترشاد بتجارب ناجحة مماثلة في دول أخرى.

تطوير المحتوى الإعلامي والصحفي في رأيي هو أهم مداخل الإصلاح، والتركيز في البدء والختام وفي كل وقت على القاريء والمشاهد والمواطن؛ فهو المستهدف الأول الذي عليه ينعقد الرهان الحقيقي للبقاء والمنافسة عبر النقاش الواعي الجاد لقضايا الناس والاشتباك الصادق مع همومهم ومتاعبهم والمكاشفة بالحقائق دون مواربة أو تجميل.

الإعلان عن إنشاء قناة إخبارية مصرية إقليمية أمر محمود،  وإن تأخر كثيراً، ويمكنها حال توفرت لها مقومات النجاح؛ سواء بإسناد الأمر لأهله من الكفاءات والخبرات أو بإتاحة حرية الحركة وتدفق المعلومات وعمق التحليلات؛ لتكون شبكة إخبارية متكاملة بحجم مصر وتاريخها تقوم على أكتاف محترفين لا هواة.. 

تمتلك القدرة على مخاطبة الخارج بأكثر من لغة حتى لا نخاطب أنفسنا فى موضوعات مهمة تحتاج لحشد وتأييد دولى.. وساعتئذ يمكنها أن تسد فراغاً كبيراً في فضائنا تحاول قنوات بعينها التسلل إليه والعبث فيه..وأن تحدث تأثيراً قوياً إقليمياً وعالمياً وحبذا لو خصصت جانبا من بثها اليومي للشأن الإفريقي المجال الحيوي لمصر وعمقها الإستراتيجي..فمثل هذا الاتجاه من شأنه أن يصوب مفاهيم مغلوطة كثيرة عن مصر والمنطقة العربية لدى دول العالم وشعوبه وحكوماته أجمع، وأن تتبنى قضايا أمتنا، وفي القلب منها القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا المحورية.

الأصل في الإعلام سواء أكان حكوميا أم خاصاً أن يعكس نبض الرأي العام بكل أطيافه وتوجهاته، وأن يفسح شاشاته وصفحاته ومواقعه للرأي والرأي الآخر لا تحدها حدود ولا تكبلها قيود اللهم إلا المصلحة الوطنية وقيم المجتمع وأخلاقياته وثوابته..وهكذا ينبغي أن تفعل الصحافة القومية والإعلام بوجه عام، والدراما  بوجه خاص بحسبانها لوناً فنياً محبباً إلى قلوب الناس ..والقانون في النهاية هو الحكم.

صحافتنا القومية بعد أحداث يناير طرأ عليها ما طرأ على مؤسسات المجتمع كافة من آفات وعيوب استوجبت الإصلاح الشامل حتى تعود لسيرتها الأولى ومجدها السابق في قيادة الرأي العام وصناعة اتجاهاته على هدى وبصيرة ..أما عن أسباب التراجع فهي كثيرة يضيق المقام هنا عن حصرها تتحمل هي جزءاً من المسئولية وتتحمل الحكومات المتعاقبة أيضاً الجانب الأكبر..وفي كل الأحوال ثمة غياب واضح للتواصل بين الأجيال وتبادل الخبرات ؛ فلا الكبير يريد أن يمنح للصغير خبرته وعصارة أفكاره.. ولا الصغير يسعى للتعلم من الكبير أو يرغب فيه..ولا عجب والحال هكذا أن تشيع السطحية في المعالجة وتختلط القيم والمفاهيم وتذوي المهنية ويتوقف تلاقح الأفكار..والنتيجة افتقار الصحافة إلى نجوم أو مبدعين جدد على شاكلة الرواد العظام أمثال الراحلين: مصطفى وعلى أمين، وصلاح الدين حافظ وجلال الحمامصي وهيكل وإحسان عبد القدوس  وكامل زهيري ومكرم محمد أحمد وغيرهم وغيرهم ممن رحلوا تاركين وراءهم سيرة زكية وبصمات واضحة تحكي قصص نجاحهم في بلاط صاحبة الجلالة في مصر والعالم العربي ..أو ممن لا يزالون على قيد الحياة، وهم لا يتجاوزون أصابع اليدين.

وفي خضم هذا الزخم وسعى الشركة المتحدة تنسيقاً مع هيئات الصحافة والإعلام والنقابات المعنية نحو التجديد وتطوير الإعلام تنتعش الآمال في تجديد الخطاب الإعلامي ليستعيد قدرته على مخاطبة العقول بلغة العصر ومستحدثات التكنولوجيا والمعرفة، مشتبكاً مع همومهم ناقلاً نبضهم ورؤاهم وأحلامهم وآلامهم، صانعا جسوراً من التواصل بينهم وبين حكومتهم ..وحين يقدم هذا الإعلام الحقيقة مجردة دون مزايدة أو انتقاص وحين ينقل الصورة بمصداقية وموضوعية فإنه يقترب أكثر وأكثر من القاريء والمشاهد ..ويقرب في الوقت ذاته الحكومة من الناس.

أقصر الطرق للتأثير في الجمهور هو صدق التناول ولو أن إعلامنا ذهب لمواقع العمل والإنتاج راصداً ما أنجزته الدولة في عهد السيسي من مشروعات ضخمة لكان ذلك أقوى تأثيراً فيهم وأقرب وصولاً إليهم مما لو انتهج طريق الثناء والمديح للحكومة والدفاع عنها عمّال على بطال..الأمر الذي ينفر القاريء والمشاهد من الإعلام والصحافة ومن الحكومة أيضاً..وهنا تصبح الخسارة مزدوجة.

الاعتدال في التناول الإعلامي مطلوب حتى يستعيد بريقه ولا يصبح مع كل أزمة متهماً بإثارة الفتن وإشعال الحرائق بدلا من بناء الوعي وقيادة المجتمع نحو الأفضل..كما أن تحقيق الجاذبية مطلب لا غنى عنه لاستنقاذ المتلقي من براثن القنوات المعادية والصمود في وجه المنافسة الضارية مع الصحافة الإلكترونية والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي الذي بات يهدد عرش الصحافة المطبوعة ويقصر من عمرها..فانتبهوا يا أولي الألباب.