مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

عيون الشعب

طه حسين ومحفوظ

 

فى كثير من الاحيان ألجأ الى مكتبتى .. اعيش بين الكتب اجمل واسعد الأوقات .. التقط هذه المرة .. كتاب مختلف .. بعنوان : رسائل طه حسين .. جمع هذه الرسائل بخط يد د. طه حسين .. الكاتب ابراهيم عبد العزيز .. ليضع بين ايدينا وثائق وأوراق ومراسلات طه حسين .. مع نجوم عصره فى الأدب والفن والسياسة والقانون .. وقد علق الكاتب الكبير نجيب محفوظ .. الذى كتب مقدمة الكتاب .. انه كتاب يساهم بشكل كبير فى إضاءة شخصية طه حسين وتقريبها إلينا .. فى جميع صورها الانسانية والنفسية .. ويجعلنا نعيش مع رجل ملأ عصره ولا يزال يثير الجدل بعد رحيله .. فنراه فى حالات القوة وحالات الضعف .. ونشاهده فى حالات التوافق وحالات التناقض .. مما تكشفه رسائله ورسائل الاخرين اليه .. مما يجعلنا نحبه احيانا .. ونغضب منه احيانا اخرى .. نقترب منه بعض الوقت .. ونبتعد عنه بعض الوقت .. ولكننا فى كل الأحوال نعجب بالدكتور طه حسين ونعجب له .. ونحبه ونقدره .. باعتباره رمز من أبرز رموز النهضة الأدبية والفكرية فى القرن العشرين .. تعمدت ان اكتب ما قاله محفوظ عن طه حسين .. لاوضح الى اى مدى كانت نظرة الأدباء وتقديرهم لبعضهم البعض .. وهذا الاحترام الكبير الذى يحملونه لبعضهم .. يتحدث اكثر .. وأكثر نجيب محفوظ عن طه حسين .. بقوله : عندما دخلت كلية الآداب .. كان طه حسين عميدا لها .. وكنت أرى من تلاميذه فى ذلك الوقت سهير القلماوى .. وكان طه حسين يدرس لنا .. وفى محاضرته يقرأ القصيدة .. ثم يترك الطلبة يشرحونها .. ويسألهم لماذا قال الشاعر .. كانت الدراسة على يدى طه حسين متعة وتربوية وفنية وجمالية .. جمالا يفوق الوصف .. وكان طه حسين .. ينبه على الأساتذة .. الا يسمحوا لنا بكتابة المحاضرات .. فهو كان ضد الحفظ تماما .. وكان دائما يقول لنا : اكتبوا المحاضرات مما استوعبته عقولكم .. ولديكم المراجع فى مكتبة الجامعة .. كانت تربيته الجامعية لنا .. تربية عالية جدا .. وبعد ذلك اصبح طه حسين مديرا لجامعة الإسكندرية .. ثم وزيرا للمعارف .. وهو الذى قرر مجانية التعليم فى الابتدائي والثانوي .. قائلا : ان التعليم ضرورة كالماء والهواء .. هكذا كانت نظرة الطالب .. لاستاذه .. يضيف محفوظ كنت أرى .. ان طه حسين شخصية كبيرة متعددة الجوانب .. فيها الوزير والمصلح والمفكر والاديب الممتع المتنوع .. يقول نجيب محفوظ فى مقدمة كتاب رسائل طه حسين .. اننى أحببت طه حسين .. الا ان طبيعتى كرجل منزو .. تجعلنى احب من بعيد .. يعنى مثلا انا أحببت العقاد .. حبا يفوق كل وصف .. وكنت اذهب الى مكتبة " الانجلو " ..لشراء الكتب .. كنت أجده جالسا يقلب فى الكتب .. ولكننى لم اجرؤ ابدا على الاقتراب منه والتسليم عليه .. فلم أضع يدى فى يده طوال عمره .. بالرغم من اكبارى العظيم له .. واعتبار نفسى واحدا من تلاميذه .. ولكنى التقيت بالدكتور طه حسين فى نادى القصة .. فسلمت عليه .. ومن هنا بدأت معرفتى به .. وكان قد قرأ لى " زقاق المدق " .. وكتب عنها مقالا رائعا .. ثم كتب مقالا اخر لا ينسى عن   " بين القصرين " .. وقال انها رواية تصل للأدب العالمى .. وكنت اتردد عليه .. احيانا اذهب اليه وحدى فى بيته .. وأحيانا بصحبة ثروت اباظه .. وبالرغم من التباسط معنا .. الا اننا كنا نشعر باستاذيته وهو يتحدث معنا .. يقول نجيب محفوظ :  كان طه حسين رجلا عظيما .. مضيئا فى شخصيتة .. وفى ابداعاته .. ككاتب متعدد المواهب وفى ترجمته لادب الاغريق ومؤلفاته الأدبية والعلمية .. فمن ذا الذى يستطيع ان يجمع بين الفن والعلم ويجيد فهمهما كما فعل طه حسين .. الا ان يكون رجلا عظيما .. تصوروا .. الكاتب الكبير نجيب محفوظ .. العربى الوحيد .. فى التاريخ الحاصل على جائزة نوبل فى الأدب .. يتحدث هكذا عن زميل واستاذ له .. كلام نجيب محفوظ يعكس الى اى مدى بلغ تقدير التلميذ لاستاذه .. والى اى مدى يعترف بقيمة وقامة كاتب مثله .. وهو الذى حقق اعلى نجاح لكاتب عربى .. ما هذا التواضع وهذا الإحترام .. وهذا الاعتراف علانية بقيمة وعظمة .. كاتب مثله .. ما هذا النبل .. فعلا نجيب محفوظ .. يستحق العالمية .. وايضا نوبل !! اعود لكتاب رسائل طه حسين .. لإبراهيم عبد العزيز  .. لأقول انه من سوء الحظ .. الا اعيش عصر طه حسين .. واسعد بلقائه .. واحتفظ له باحاديث وذكريات .. تعيش فى وجدانى مدى الحياة .. نفس هذا الاحساس مع توفيق الحكيم والعقاد ويحيى حقى ونجيب محفوظ والفريد فرج والساخر محمود السعدنى ويوسف إدريس ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس .. وغيرهم من نجوم عصرهم .. ولكنى اعترف بانهم يعيشون بيننا .. بما تركوه لنا .. من خلاصة ابداعهم وافكارهم .. ان امثال هؤلاء لا يموتون !!