مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 ..وكانت ضربة البداية!!

 

منذ أيام عبرت بنا الذكرى السادسة لحفر قناة السويس الجديدة..وهي ذكرى وطنية بامتياز؛ ذلك أن المجرى الجديد للقناة نفذته سواعد مصرية برؤية قائد اتخذ القرار بوعي وإدراك لتحديات المرحلة واحتياجات المستقبل وبتمويل وطنى جسد رغبة المصريين في الحفاظ بلادهم ونصرتها ودعمها ضد مخططات الفتن والفوضى..ورغم محاولات البعض لخلق مسارات مناوئة للقناة بهدف سحب البساط من تحت أقدامها وانتزاع أهميتها الإستراتيجية لكن الأيام أثبتت أن قناة السويس أهم شريان مائي دولي ظهر تأثيره بوضوح حين جنحت السفينة جيفرسون منذ عدة أشهر لتسد مجرى القناة لعدة أيام ليحبس العالم أنفاسه بعد تأثر حركة التجارة الدولية واشتعال أسعار السلع لاسيما النفط ..لكن المصريين كعادتهم وقت الشدة أظهروا براعة وقدرة فائقة على تعويم السفينة الجانحة وحل مشكلة ظن البعض أنها مستحيلة في سابقة أبهرت العالم وأكدت قدرة رجال القناة من المصريين على اجتياز المحن بهمة وثبات.

ومن رحم المحن تولد المنح؛ فقد جاء تعويم "جيفرسون" ليعيد التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للقناة وأنه لا غنى للعالم عنها مهما يحاول البعض الشوشرة عليها أو الترويج لبدائل أخرى دفعت القيادة السياسية مبكراً للتفكير في توسعة وتطوير القناة وازدواجها تفادياً لأي تأخير أو مشكلات قد تحدث مستقبلاً وتوفير ما يلزم من تكنولوجيا فائقة ومعدات وأجهزة لتأمين السفن وإمدادها بما تحتاج إليه في سهولة ويسر لتحتفظ القناة بدورها ومكانتها بين ممرات الملاحة العالمية.

كتب المصريون التاريخ كعادتهم حين استجابوا لدعوة الرئيس بالمشاركة في تمويل مشروع ازدواج القناة وبادروا من فورهم بضخ نحو 64 مليار جنيه في ثمانية أيام فقط حتى خرج المشروع الضخم إلى النور في سيمفونية عمل متكاملة تفيض وطنية وحماساً ورغبة جامحة في نهوض الوطن.

لم يستغرق المشروع على ضخامته وصعوبته سوى عام واحد حقق المصريون فيه ما أرادوا وقد تحدوا التحدي فكان لهم ما أرادوا ..ذلك أن القناة الجديدة لم تكن فحسب عملاً هائلاً لتوسعة ممر مائي استراتيجي بل كانت ضربة بداية استنهضت همة المصريين مع بداية حكم الرئيس السيسي وشحنت روحهم المعنوية وألهبت حماستهم وحسهم الوطني وهيأتهم لإنجاز مشروعات أخرى لا تقل روعة وضخامة عن القناة..وهي مشروعات تغطي جميع مجالات الحياة ونلمس تأثيرها على أرض الواقع الذي تغير للأفضل ليس في منطقة القناة وسيناء فحسب بل في شتى ربوع مصر.

مشروع القناة الجديدة تعود أهميته لكونه تجسيداً قوياً وأميناً لمعدن المصريين وإرادتهم ووعيهم وشغفهم وتعطشهم الكبير للنجاح والإنتاج والإنجاز ..فها هم سارعوا أمام العالم أجمع لتلبية نداء الوطن حين دعاهم ولم يبخلوا عليه لا بأموالهم ولا بأنفسهم  وجهدهم ودعمهم..ولم يقف الأثر الإيجابي لهذا المشروع الوطني العملاق عند هذا الحد بل برهن على عودة الدولة القوية التي غيبتها فوضى واضطرابات ما بعد يناير حيناً من الدهر..كما أكد تعافي أمنها واقتصادها وتماسك لحمتها الداخلية رغم محاولات شق الصف والتشكيك في كل رموز الوطن.

ثم جاءت أزمة كورونا وتداعياتها المرة لتؤكد صحة قرارات الإصلاح الاقتصادي التي اتخذها الرئيس السيسي في ظروف بالغة التعقيد غير عابيء بما قد يمس شعبيته أو ينال من جماهيريته ..وقد تحمل الشعب فاتورة الإصلاح إيماناً بالوطن وقائده. وقد أثبت من جديد أنه يستحق بالفعل "حياة كريمة" هي بالفعل أيقونة الجمهورية الجديدة..بحسبانها مشروعًا هو الأضخم في تاريخ المنطقة والعالم؛ فالشعب هو البطل الحقيقي وكلمة السر في كل الإنجازات.

لقد عادت بنا القناة الجديدة لزمن الأمجاد يوم كانت مصر إمبراطورية شيدها محمد على الكبير وتمددت لأقصى حد في عمقها الإفريقي جنوباً وحتى جبال طوروس شمالا في أوروبا ثم تآمرت عليها الأخيرة لتقضي على أحلام والي مصر في التوسع والنفوذ.. كما أعادتنا لأيام المد الناصري والعروبي القوي حيث كانت مصر قبلة لحركات التحرر وداعماً لكل ضمير وطني يرجو الاستقلال من نير الاستعمار البغيض. 

تاريخياً شهدت قناة السويس أمجاداً وانتصارات وانكسارات منذ حفرها أجدادنا مع غيرهم بالدم والعرق حتى جرى افتتاحها للملاحة في حفل مهيب، مروراً بتأميمها واسترجاعها للسيادة المصرية ثم احتلالها من جانب الكيان الإسرائيلي فيما عرف بنكسة يونيو 67 وصولاً للعبور العظيم في 73..فمن ينسى القرار التاريخي الذي اتخذه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميم القناة في 1956 وجعل ملكيتها وإدارتها مصرية خالصة وهو ما أغضب قوى عالمية شنت عدوانها الأثيم على مصر في 29 أكتوبر من العام نفسه بمشاركة إسرائيلية.

وكيف ننسى تحطيم خط بارليف شديد التحصين والتلغيم على الضفة الشرقية للقناة..وكيف كان بإمكانه تحويل ماء القناة إلى لهب مستعر يحرق من أراد تخطيه حتى خيل للعالم من فرط الدعاية الإسرائيلية أنه يستحيل على المصريين عبوره أو حتى الاقتراب منه لكنه تهاوي تحت أقدام المصريين وإرادتهم وعقيدتهم العسكرية التي تجعلهم خير أجناد الأرض.

الذكرى السادسة لتشييد القناة الجديدة فرصة لتذكير أجيالنا الجديدة بأنه في 7 نوفمبر 1869 جرى افتتاح القناة الأم أول ممر مائي يربط البحرين الأحمر والمتوسط، وقد ظلت تحت سيطرة فرنسا وبريطانيا حتى نهض ناصر ومن معه بتأميمها..وقد أغلقت أبوابها في وجه الملاحة خمس مرات كان أطولها وأخطرها ما بعد نكسة يونيو 67؛ ذلك أنها توقفت 8سنوات حتى أعادها السادات للعمل بعد انتصارات أكتوبر المجيدة.

حفر القناة لم يكن عملاً سهلاً بل كان معاناة استغرقت 10 سنوات وتحملها 1.5 مليون شخص من جنسيات شتى بينهم عشرات الآلاف من العمال والفلاحين المصريين الذي أخذوا عنوة للعمل بنظام السخرة ولقي آلاف منهم حتفه تعباً أو مرضاً بوباء الكوليرا وغيره من الأمراض المعدية التي أزهقت آلاف الأنفس.

القناة رغم أهميتها الإستراتيجية الفائقة لمصر والعالم فقد كانت أحياناً نقمة على المصريين أغوت الاستعمار وقوى البغي باحتلال بلادهم ..ولا تزال القناة محط أنظار الدنيا ومثار حسد الطامعين في القفز على دورها ..ولا عجب والحال هكذا أن تستمر عمليات تطويرها وتحديثها حتى اتخذ الرئيس السيسي قراره الشجاع بإنشاء قناة جديدة وفرت ما يزيد على 11 ساعة كانت تضيع انتظاراً للعبور .. وها هي تستوعب السفن العملاقة وتلبي حاجة التجارة العالمية الآخذة في النمو والتزايد بسرعة الحركة والقدرة على استيعاب الناقلات مهما تكن ضخامتها.

تنفيذ المشروع العملاق بدأ في 7 أغسطس 2014 وجرى افتتاحه في 6 من الشهر ذاته عام 2015 ليثبت صدق ونفاذ رؤية الرئيس السيسي الذي راهن على النجاح بكل ما لديه من زخم سياسي وشعبية كبيرة.. وقد نجح رهانه على وعي الشعب المصري الذي آمن بوطنه وقيادته ورغب في التنمية والإنجاز بعد قلق واضطراب عاشهما في سنوات ما بعد يناير 2011..نجاح هذا المشروع العملاق حمل رسائل إيجابية عديدة للداخل والخارج؛ فها هم المصريون يثبتون من جديد قدرتهم على الإنجاز وخوض التحدي بقلوب صادقة مطمئنة وعقول قادرة على التخطيط وسواعد قادرة على التنفيذ وقيادة رشيدة قادرة على توظيف إمكانات الحاضر لإدراك متطلبات المستقبل..مثل هذه الحالة العالية مهدت الطريق لمشروعات قومية عملاقة في مجالات أخرى بطول البلاد وعرضها لتنقلها إلى حياة كريمة هي أحق بها وأولى.

6 سنوات مرت على إنجاز ملحمة القناة الجديدة التي جسدت بقوة تلاحم الشعب وقائده واصطفافهم جميعا خلف الوطن في فترة هي الأصعب في تاريخه ..ملحمة كانت ضربة البداية التي فتحت الطريق لإنجازات كثيرة تصنع التاريخ وتقدم أوراق اعتماد مصر للمستقبل.. وها نحن اليوم نجني ثمرات ما زرعته أيدينا..مؤمنين بأن مصر في رباط إلى يوم الدين مهما اشتدت عليها المحن..فقد خرجت دائماً منتصرة رغم ما شهدته من انكسارات وثورات ومحطات فارقة واحتفظت بشخصيتها الحضارية العصية على التذويب والاحتواء ..وأراها لا تزال قادرة بروحها الحضارية وإرادة أبنائها على كتابة التاريخ وعبور الأزمات والتحديات بالصبر والتفاؤل والعمل والعرق والتزود بقيم العلم وتكنولوجيا العصر.

لمصر شخصية تاريخية متفردة قادرة على خلق التميز شريطة أن يخلص بنوها كلٌ في مجاله وأن تصفو الضمائر والقلوب، وأن يعلى الجميع صالح البلاد كمعيار حاكم فيما نفعل وفيما نترك..وألا نسلمها لفتنة أو مؤامرة لا تبقي ولا تذر.. وساعتها لن يرحم التاريخ أو يبريء أحداً، لا من سمح بذلك ولا من تخلف عن مساندة الدولة من قوى المجتمع الحية.. وكان حرياً بها أن تكون في ظهرها وفي طليعة المنافحين عنها.

شق القناة لم يكن فقط عملاً خلاقاً وإنجازاً مبهراً تحقق في وقت قياسي فحسب بل حين فعلها السيسي أثبت أن روح هذا الشعب الذي وجد أخيراً من يوقد حماسته ويشحذ همته قد تمرض أو تخفت أو تتوارى لكنها أبداً لا تموت ولن تموت ما جرت في العروق دماء ..هذه الروح تجلت في أبهى صورها بعد نكسة يونيو 67 ..فلم يهن المصريون ولا انكسرت عزيمتهم رغم جسامة الموقف ولا استسلموا لليأس والإحباط وآلة الدعاية الصهيونية المعادية التي جعلت نفسية أهل مصر هدفاً لنيرانها وسمومها التي لا تتوقف على مدار الساعة بل قاوموا بكبرياء وقوة وحكمة استمدت قوتها من عظمة تاريخ هذه الأمة..رفض الشعب تنحي الرئيس عبد الناصر الذي له ما له وعليه ما عليه ..وأصروا على بقاء الرمز ليبعث فيهم روح الانتصار من جديد بعمل شاق وكفاح مرير خاضته مصر شعباً وقيادة على مسارات عديدة تستهدف بناء الجيش واستنزاف العدو وتكبيده أعظم الخسائر وتوهين روحه المعنوية حتى تحقق نصر أشاد به العالم أجمع..وهو نصر ما كان له أن يتحقق لولا وحدة الصف ووضوح الرؤية والهدف وتماسك الجبهة الداخلية وانشغال الجميع بتحرير الوطن ومحو آثار النكسة ووقوف الجميع خلف القيادة على قلب رجل واحد.

نعم ..حقق المصريون معجزة أكتوبر التي لا تزال تدرس في أعرق المعاهد والكليات العسكرية في العالم ..ثم جاءت المعجزة الأكبر بخروج المصريين في 30 يونيو ليصححوا مسارات يناير الخاطئة، ويتخلصوا من جماعة الإخوان الإرهابية..وتلك ملحمة أخرى كتبها الشعب الذي انحاز إليه الجيش بقيادة السيسي للخلاص من حكم فاشي لو استمر لتمزقت به مصر وذهبت ريحها.. وربما لم تعد هناك مصر من الأساس لا قدر الله..هكذا عودنا شعب مصر العظيم على اجتياز الصعب بوحدته وتماسكه وإيمانه بوطنه وعدالة قضيته..وهو بهذه الروح سوف يحافظ على مكتسباته وإنجازاته رغم أنف كل حاقد وباغٍ ..سوف ينتصر على المؤامرات والدسائس وستبقى مصر قوية صامدة منتصرة في معركة البناء والبقاء لتثبت للدنيا كلها أننا نستطيع بل نستحق دوماً ما هو أفضل.