طيب القول

المدرسة السلفية!

الحمد لله الذى هدانا لمعرفة حقيقته النورانية وقُدرته الإلهية، وقد عرف الأعرابى ذلك بفطرته السليمة دون أى "تفلسُف" أو "فزْلكة"، حينما سُئِلَ: كيفَ عرفتَ الله؟ فقال: البَعَرَةُ تَدُلُّ على البعير، والأَثَرُ يَدُلُّ على المَسير، فَسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تَدلُّ على العَلّي الخَبير؟!

وقد هدانا الله عزَّ وجلَّ لدينه الحنيف السمح، فأرسل لنا سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- القائل فيما رواه سيدنا ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما-: " بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا"، فهذه هى الأركان الأساسية للدين الحنيف، السمح الذى لا يعرف تشدّدا ولا تعصّبا فى أى من مجالات الدين أو الحياة، وما دون ذلك فهى فرعيات واجتهادات ومذاهب ومدارس، لكن للأسف الشديد طوال مسيرتنا التاريخية- عبر الكتب- نُفاجَأ ببعض المدارس المتشدّدة التى غالَت على نفسها وأتباعها فصار التشدّد منهجها وسلوكها، مُتّهمة مخالِفيها فى المنهج بالتكفير أو التبديع أو التفسيق! متجاهلين أو جاهلين بالحديث الشريف الذى رواه سيّدنا أَبِو هريرة- رضى الله عنه- عن النَّبيّ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلاَّ غَلَبه، فسَدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ" رواه البخاري.

وقد اشتد وتجذَّر عود ومنهج تلك المدارس المتشدّدة، خاصة فى العصر المتأخِّر، والتى عُرفت بالمدرسة السلفيّة التى ادّعت لنفسها- دون غيرها- التمسّك بالسلف، مُتَّهمة غيرها بالتكفير والتبديع والتفسيق، خاصة أصحاب المدارس الصوفية الذين هم أبعد ما يكونون عن المزاحمة أو التصارع على ملذَّات الدنيا وزُخرفها، والغريب أنه رغم تجاهل الصوفية لتلك الاتهامات السلفية فى الغالب، إلا أن الهجمات السلفية لم تتوقف، بل زادت حِدَّة وضراوة، وترك رموز السلفية الدعوة إلى الله وتفرّغوا لاتهام الآخرين بالخروج من المِلَّة بل تشعر وكأنهم يفرحون بمسلكهم وإخراج الناس من تحت رحمة الله، خوفا من مزاحمتهم فى الجنَّة مثلا!! بدلا من دعوتهم للهداية والقرب من الله!!

تلك الرموز السلفية أخذت تتهاوى، واحدة تلو الأخرى، معلنة إفلاسها الفكرى، بعد اكتشاف ادّعاءها التدين والإخلاص زورا وبهتانا- اللهم لا شماتة- لتتكشف حقيقتهم الخادعة والكاذبة التى لطالما أساءت للدين الحنيف، وأشاعت بين المجتمعات الأفكار المتطرفة والهدَّامة فكانت وبالا على المسلمين، ففرّقتهم شيَعًا وأحزابًا ومذاهبَ شتَّى، وبثَّت بينهم العداوة والبغضاء والحروب، وأكثر من هذا حيث شوَّهت صورة الدين الحنيف لدى غير المسلمين فارتبط فى أذهانهم بالإرهاب والتطرف!

الكارثة الأكبر، هى تلك الأجيال التى دُمِّرَت وضاع مستقبلها، وهم يحسبون أنهم "المجاهدون الحق" أو أصحاب الجنَّة الوحيدون الذين نجوا من بين الناس جميعا الذين هم حطب جهنم!

ذنب هذا الجيل الضائع مُعلّق فى رقبة أولئك التلفيّة المُكفِّرين للمجتمع، الذين ضلّوا وأضلّوا، وكأننا نعيش صورة من صور يوم القيامة، "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ  وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ  وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" سورة البقرة 165- 167.