بين الصخور

ما بين العش ويعقوب!

حكاية سريعة تذكّرتها فى هذه الأيام، أيام التمحيص والفرز، حكاية تؤكد ان الحق يُعرف برجاله، لم تجر أحداثُها فى زمن الصحابة او التابعين ولكن فى زمننا المعاصر، بل كنت أحد هوامشها، فى أغسطس 2003 أصدر الشيخ نبوى محمد العُش- كبير وعاظ الأزهر وعضو لجنة الفتوي- فتوى بعدم شرعية المجلس الانتقالى العراقى وحرّم التعامل معه، صدرت فتوى رسمية ممهورة بختم الأزهر، فقامت الدنيا ولم تقعد وتدخلت السفارة الامريكية بغضب وتم الضغط على الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي- شيخ الأزهر- الامر الذى أغضب الإمام وأمر بدوره بفصل الشيخ "العُش" من الأزهر خروجا لا رجعة فيه! فكان هذا الامر شديد القسوة على نفوس كل رؤساء الشيخ العش، فمعنى هذا ان الشيخ سيُخرب بيته، وتشكلت لجنة محاكمة برئاسة المستشار القانونى للأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية للتحقيق مع الشيخ العش توطئة لفصله، وشاء الله أن أتواجد فى المجمع وقت التحقيق وكنت متأثرا جدا بهذا الموضوع، فاختليت بالشيخ العش وقلت له: لا شئ أن تقول فى التحقيق ان الصحافة نقلت الموضوع خطأ وربما يكون الصحفى قد دسّها على اسمه! قاطعنى بغضب شديد وقال بكل عزّة: ولكن أنا قلت هذا يا أستاذ موسى، فكيف أكذب؟! اسودَّ وجهى واحمر خجلا من هذا القيمة المخلصة، أدركت وقتها ان كلمة الحق نور يشع من وجه صاحبها، إنها هى النجاة لصاحبها، وأن الكذب والمراوغة مهلكة وتسحب الظلام على وجه الكذاب، وانتهت الحكاية دونما أن تُقدَّم للشيخ العش أى إدانة، وقبل ان تنتهى فقد أكدت على وجود رجال الحق فى أرض الدعوة الإسلامية، رجال دعوا الى الله بكل صدق وتجرد فكان صدقهم موطن نجاتهم.

تذكّرت هذه الرواية وأنا أتابع سماع شهادة محمد حسين يعقوب أمام المحكمة الاسبوع الماضي، والتى لم تكن صادمة لمثلي، فبحكم احتكاكنا بهذا الوسط ندرك الكثير المكنون فى سلوك مثل هذه الأشخاص، وكنا نبكى على المفتونين بهم.

يعقوب لم يكن صاحب رسالة ولا صاحب قولة حق، وهذا ليس من عندي، بل ما أقرّ هو نفسه، أقر لنفسه الجهل حيث أكد أنه لا يدرى ما بين المذاهب الإسلامية خلافات؟! وهذا يدركه طالب فى الاعدادية الأزهرية، أراد ان يثبت لنفسه الجهل كشاهد أمام القاضي! فمثله مثل بعض الشباب حينما يُقبض عليهم للتحقيق فى قضايا أمن دولة يسمع المحقّق منهم: والله يا باشا انا حرّيق سجاير! والله يا باشا انا نسوَنْجي! والله يا باشا مسكونى على الطريق الزراعي وفتاة فى أحضانى داخل سيارتي! الله يا باشا أنا لم ادخل المسجد الا لصلاة الجمعة فقط!

كل هؤلاء وشيوخهم ينسبون لأنفسهم الفسق والفجور والجهل خوفا من محقق! "يعقوب" اثبت لنفسه الجهل كى ينجو من تُهم قد تلاحقه! رغم انه فى القضية هو شاهد وليس متّهما!   

سبحان الله! الشيخ "العش" قال كلمة الحق فنجَّاه الله، ويعقوب راوغ وداهن فنال سخط العباد وحسابه عند الله!