الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

لحظة تمرد

ما أحلى السفر إليه ؟!

 

كل شخص او حادثه او تطور يقاس بمقياس عصره الا الاحداث السماويه ، والرسول عليه الصلاه والسلام جاء بمعجزة  لاتنتهى ابدا .. كل الأنبياء جاءوا بمعجزات قد يصدقها البعض وقد لا يصدقها البعض الاخر .. الايمان هو الفيصل في التصديق .. الرسول جاء بمعجزة سماوية وهى القرآن الكريم ،معجزة مستمرة   معنا حتى قيام الساعه .. كل يوم نكتشف بعض اسراره .. والمتابع لحياه الرسول واثرها حتى الان يتاكد انه امام حدث سماوى لا جدال فيه

كنت انظر الى البيت الحرام كل يوم وهو خالٍ الا من قله بحسرة شديدة بسبب الكورونا

اليوم اتوق الى زيارته  واسترجع اليوم زيارتى اليه منذ سنوات في هذه الكلمات ...

تعالوا معي اليه وما احلي السفر اليه..

هنا كل شيء هو ايضا لاشيء في نفس الوقت ..

هنا ترتدي كفنك بنفسك ..وتختاره بنفسك ..وتحمله علي جسدك كاشفا منه الكثير وساترا عورتك ومتخوفا من انكشافها رغما عنك ..

هنا تحمل كفنك.. وتتجه اليه طالبا العفو والصفح والمغفرة..

هنا ساحة العفو والمغفرة والرحمة ..

الكل فائز فيها بشهادة المولي عز وجل وقوله في حديثه القدسي علي لسان رسوله الكريم:

 "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَوَّلَ عَلَي أَهْلِ عَرَفَاتي فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَي عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا.

* يا الله ..تباهي بعبادك الملائكة ..تباهي بنا ونحن جبال من الذنوب والمعاصي.

* يالله ..تباهي بنا كل خلقك وقد فعلنا كل شيء يغضبك ولم نفعل ما يرضيك الا قليلا..

* يالله .. تغفر لعبادك هنا ذنوبهم التي اوقعهم فيها الشيطان الذي لعنته بالامس واخرجته من رحمتك حين رفض السجود لادم يوم خلقته ..

يا الله ..هنا لا احد يهتم بما حوله .. الكل داخل الملكوت .. وانت في داخله لاتري شيئا الا داخلك .. 

تسافر الي الله تاركا الجسد في الارض .. 

تترك التراب للتراب ..وتحلق بالنور للنور الاكبر .. 

تدخل فيه ويدخل فيك .. تذوب عشقا وولها ..وتتحلل لذرات تسبح في الملكوت الاعظم دون رغبة في العودة ..

هنا تسافر القلوب قبل الاجساد ..وتحلق الارواح بعيدا الي هناك ..

* يا الله..هنا كل شيء ..ولا شيء في آن واحد ..

هنا الكل فقراء اليك وانت الغني الذي يمنح الغفران والعفو الذي لامقابل له سوي رحمتك ..

هنا الكل سواسيه.. الكل اشعث اغبر لايملك من الدنيا شيئا ..ولا حول ولا قوة الا بك

* ما احلي السفر اليه ..

من قال السفر بالاجساد فقط .. 

سفر الروح اسرع واجمل وابقي.. توضأ من اي مكان علي سطح الارض او حتي خارجها ...

صلي لله وتوجه اليه في بيته الحرام واترك الجسد للمنشغلين بالفناء ..

حلق في اللامرئي اذا لم تحصل علي تأشيرة السفر الدنيويه ..

الرحيل والسفر اليه لا يحتاج لتأشيرة او جواز سفر ..لايحتاج لباخرة او طائرة او سيارة او جمل ...

بل لا تحتاج لقدمين يحملان جسدا عليلا مثقلا بالذنوب والخطايا ..

كل ما عليك ان تتوضأ وتصلي لله وتتوجه بقلبك اليه هناك في بيته الحرام وجبل عرفات وجبل الرحمة ..

اترك الجسد ليفني مع الفانيين وحلق بروحك لعنان السماء ..

كنت اقول قبل ان اسافر اليه منذ سنوات بجسدي:

 زيارة واحدة لبيته الحرام تكفي.. 

بل واتشدد قائلا لمن يزور البيت الحرام اكثر من مرة في العام. عمرة وحجا: 

اعطي الفرصة لغيرك ..

كانوا ينظرون لي ولا يردون ..

بعد زيارتي الاولي فهمت المسكوت عنه ..ادركت مالم يقولوه:

الحياة صحراء جرداء ..

السراب هو كل مانجده كلما اسرعنا الخطي .. 

نحيا فيها عطاشي اليه ..عرايا من القرب منه .. 

اغراب من البعد عنه .. 

فقراء من خزائن التقرب اليه.

* يا الله ..هنا ترتشف اول رشفة ماء تمرعلي شفاه مشققة من العطش ..

هنا يتحول السراب الي بئر ماء زمزم المثلج..

هنا نرتدي السماء ومااحلاه من ثوب ..

هنا لاارض نقف عليها .. 

الكل طائر محلق ..هنا لاعورات ..

ولا رجال ولا نساء ولا اطفال ولااحد فاضي للنظر حوله .. كل في ملكوته ..

الكل مخلوق نوراني يرتدي البياض بعد السواد الذي ارتداه طوال عمره ...

هنا الكل اغنياء بمغفرة الله لهم.

هنا "اهلك وذويك" هم كل خلق الله واخيرا لا اهل لك سوي الله .

* في رحاب الحبيب

في الروضة الشريفة كان الوصول اليها دربا من الخيال .. 

زحام والكل يقف منتظرا سماح الحراس بالدخول بعد رفع شريط بلاستيكي رفيع يفصل بين روضة الحبيب ودنيانا ..ما ان يشد الجندي الشريط حتي يتدافع الكل الي الحبيب ..الكل يمني نفسه بالوقوف في رحابه ..بالصلاة حيثما كان يصلي ..بالجلوس في المكان الذي جلس فيه .. في معيته ..

"مَا بَيْنَ قبري ومنبري رَوْضَةى مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" .. الكل ذاهب للمتشفع لينا .. الكل ذاهب للسلام علي من سلم عليه الله قبل الخلق ..

نعم الفارق للعين المجردة بين روضة الرسول وباقي مسجده لون السجاد .. الاحمر خارج الروضة واللون الاخضر داخلها لكن اين المساحة التي تري منها العين لون السجاد ..

..  

تدافعت امواج البشر لتأخذني في طريقها.. اصبحت نقطة في بحر ..لم افق الا وانا هناك .. تماسكت واسترددت بعض انفاسي المتقطعة واحايل في رجلي ان تتحمل الجسد المنهك ولا تسقط به فوق من بجواري ولحق قبلي موطئا لقدمه .. مسحت عرقي بقولي: "لا اله الا الله".. هي حصني وملاذي وحماي .. بعد ان استرددت بعض الوعي قلت لمن علي يميني:

- هييا فين الروضة الشريفة؟

** رد علي مستغربا : انت واقف فيها الآن!!

قلت : معقولة؟

** قال انظر تحتك للون السجاد؟

نظرت.. خرجت مني دون ان ادري:

 لا اله الا الله مزلزلة من اعماقي واتبعتها بقولي: 

يا حبيبي يارسول الله.. 

انا في لحظة هذيان غير مسبوقة ..اخذني من علي شمالي في حضنه قائلا: 

الحمد لله ..الحمد لله

نظرت لعينيه.. كانت الدموع تغطي وجهه ..كان رجلا افريقيا اسمر البشرة ..جلسنا في اماكننا حتي نحجز للجسد مكانا ..بعد برهة قمنا نصلي ورحلنا للحبيب مع الحبيب ..بعد صلاة لانعرف كم استغرقت من وقت حاولت الاقتراب من المنبر والقبلة بجواره ..و ما احلي الصلاة بجوار المنبر الذي وقف عليه الرسول لينشر دعوته .. اتجول ببصري فيما يعجز عنه الجسد وسط هذا الفيضان البشري .. احلق بروحي الي اكثر من 1437 عاما..

هنا خرج المسلمون يستقبلونه بفرح وكان كل نفر من المسلمين يتمني أن ينزل الرسول صلي الله عليه وسلم عنده. فتسابقوا يمسكون بحبل ناقته. وهو يقول لهم: 

"دعوها فإنها مأمورة". وبركت ناقة الرسول هنا ..

ياحبيبي يارسول الله كم كنت اتمني ان اكون في شرف استقبالك وقتها .. 

هنا جاء الرسول ..

وهنا اختار منزلا وهنا اختار مسجدا وهنا اختار مرقدا.. 

وهنا وفقني الله ويسر لي ان آتي للحبيب كي اسلم عليه واصلي بعد ان فصلني الزمن عنه نحو 1400 عام.

هنا تشعر بالجمال والسكينة ..

وهناك في الكعبة تشعر بالجلال والهيبة ..

ومابين الجلال والجمال وبين الهيبة والسكون ..حيوات و حكايات ومشاعر لاتنتهي.

بعد ان صليت وجلست بعض الوقت رنت في اذني جملة النبي صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف:

 "لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه".. 

قلت لنفسي :

اخرج من الروضة كي امنح مكاني لآخرين للمشاركة معي في حب رسول الله.. 

هممت بالخروج لتأخذني قدماي الي قبر الحبيب.. اريد التشبث به فيمنعني الحارس بنوع من الغلظة انا وآخرين .. 

ياحبيبي يارسول الله جئتك من مصر....قلت وكلامي غارق في الدموع.. 

من بلد زوجتك ماريا التي انجبت لك الولد من بلد اوصيت باهلها خيرا.. 

يارسول الله جئتك من شعب اوصيت اصحابك وخلفاء المسلمين بهم خيرا حين قلت : "اوصيكم باهل مصر خيرا فان لهم نسبا وصهرا"..

تشفع لي ولاهلي ياحبيبي يارسول الله وانقذ مصر من بعض اهلها. اما اعداؤها فنحن كفيلون بهم..

ولان الحراس يمنعون الافواج من التوقف دعوت الله.. فشعر بي الحبيب فرفع المؤذن الآذان ووجدت نفسي مصطفا في صف امام قبر الحبيب فصليت في رحابه ..

وكثيرا ماكررت الزيارة وكثيرا ماجلست في الممر المؤدي اليهپ

حتي حان قرار الرحيل من المدينة متوجها الي الكعبة.

كان أكثر ما يحز في نفسي انني جئت للحبيب وانا مثقل بالذنوب والخطايا قبل ان يغفرها ربي في بيته الحرام وعلي جبل عرفات.

* قباء واللحظة الفاصلة

كان يهزني قول الرحمن: "نَرَي تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ".

كنت اسأل نفسي وامني نفسي بزيارتي للمسجد الذي به قبلتان.. 

قبلة قديمة وقبلة جديدة اختاره الله لنبيه.. 

كانت تشغلني اللحظة التي انزل الله علي نبيه الامر السماوي "فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ".. يعني اللحظة الفاصلة بين التوجه للمسجد الاقصي لسنوات الي شطرالمسجد الحرام حتي قيام الساعة.

هنا تم تغيير القبلة.. 

تدخل من باب المسجد لتجد القبلة الجديدة نحو المسجد الحرام في وجهك وخلفك القبلة القديمة.

يالها من روعة ..صليت هنا وجلست اتأمل اللحظة الفاصلة ومشاعر المسلمين الاوائل وهم ينفذون الامر الإلهي دون جدل ودون صخب.

يالهم من مؤمنين بحق وحقيقي!!