الخط المفتوح

رحيل العلماء

حين يغيب عنا إلى رحلة اللاعودة عالم جليل أو صديق عزيز، نستشعر فى غيبته أن بعضاً منا قد فقد، وأن جزءا  من ماضينا وحاضرنا قد ذهب.. ولأن قليلاً من الرجال فقط هم من يستحق أن نبكى عليهم فإن فقد الأعزة مصاب يعجز القلب عن احتمال فاجعته، فبفقدهم تفقد الحياة مذاقها وقيمتها، ونشعر بعدهم أن الدنيا لا قيمة لها، وكأن رحيلهم هو المصيبة والفاجعة التى أمرنا ربنا أن نقول فى مواجهتها «إنا لله وإنا إليه راجعون».

والأعزة فى نظرى من عاشوا حياتهم ورؤسهم فى السماء لا تخضع إلا لخالقها فلا تكون الدنيا بكل ما فيها مناط  اهتمامهم، بل مطامحهم أن يكونوا مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

والداعية الكبير الدكتور محمد أبوليلة- استاذ مقارنة الأديان ورئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية.. والذى وافته المنية أول أمس، هو أحد فرسان الدعوة العظام الغيورين عليها والذى ترجم معانى القرآن الكريم إلى الإنجليزية وصاحب الروحانيات السلسلة للقرآن الكريم، فقد أثرى الدعوة الإسلامية بجهود كبيرة سواء داخل مصر أو خارجها من خلال جولاته المتعددة حول العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه.

عرفت العالم الجليل الدكتور محمد أبوليلة -رحمه الله رحمة واسعة- منذ أكثر من ربع قرن حيث كان مشاركاً فى الندوات الدينية التى تنظمها «عقيدتي» فى محافظات مصر.. فكان معنا بحق عالماً مناضلاً لم يبخل علينا يوماً بعلمه أو وقته.. فكان حاضراً متقداً حريصا على المشاركة متطوعاً من أجل نشر الدعوة الإسلامية الصحيحة فى ربوع مصر مواجهاً الإرهاب قبل ما يملك أدوات دعوية.

لم يقتصر دور العالم  الجليل على نشر الدعوة داخل مصر فقط، لكنه كان أسداً قويا لخصوم الإسلام من المستشرقين فكان ممثلاً لشيخ الأزهر فى نقل صورة الإسلام والدين الحنيف إلى العالم الغربى داعياً ومنظراً ومحاوراً وقائداً للعديد من المناظرات العلمية فى القضايا المعاصرة.

كان رحمه الله نصيراً من أنصار الحق، متزناً فى كل ما يقول وما يفعل عرف الحق فبصر به، ثم إلتزمه، ولم يسر مع اتجاهات الرياح المتقلبة كيفما سارت، لكنه وطن نفسه، وثبت أقدامه على طريق الحق الذى شرعه الله، وعلى كثرة ما كان يشارك فى الصحف والوسائل الإعلامية المتعددة بإبداء الرأى فى أخطر القضايا وأعقد المشكلات، فما قرأنا له كلمة واحدة فيها خروج عن الدين أو قصور فى الفهم، وهذه هى المواقف التى يحمد من أجلها العلماء، وهى التى تخلد بعدهم قدوة حسنة للأجيال، فالعلماء لا يوزنون بكثرة العلم، وإنما بمواقفهم وسلوكهم.

كان يحدثنا دائماً عن قيمة العمل ومن آراءه أن العلم لا قيمة له إلا بالعمل. فحمل على عاتقه أمانة العلم والعمل معاً ومارس الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وتمتع بخبرات واسعة حيث أشرف على أكثر من مائة رسالة علمية وساهم فى إنشاء شعبة الشريعة والقانون باللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر وترأس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بمعهد الدراسات الإسلامية بالاسكندرية وترأس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بالجامعة الأمريكية المفتوحة بالقاهرة.. وكان شعلة متقدة من النشاط والعمل حتى آخر لحظة فى حياته.. رحم الله الفقيد رحمة واسعة وعوض الله الإسلام والمسلمين عنه خيرا.

وختاماً:

قال الله تعالى «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ  لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»

صدق الله العظيم «يونس: ٦٢-٦٤»