الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

الالتزام بأخلاق النبي يحل مشكلات عصرنا


ذكرى ميلاد رسول الإسلام فرصة للتذكير بسيرته وأخلاقه ومبادئه، فلو كان اليوم بيننا لأمكنه حل مشكلات العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة كما قال الإمام الأكبر شيخ الأزهر في حفل وزارة الأوقاف بهذه المناسبة العطرة التي شرفها الرئيس السيسي بالحضور وتكريم بعض المشايخ ممن خدموا الدعوة من مصر ومن خارجها.

لقد أعاد الرئيس السيسي التأكيد على عدة أمور مهمة في القلب منها بناء الوعي الصحيح أحد أهم عوامل استقرار الأمم والشعوب و ركائز نهضتها في مواجهة الأفكار الجامحة والهدامة وهو ما يضاعف مسئولية المؤسسات الدينية للاستمرار في أداء المهمة والمسئولية التاريخية المنوطة بمصر الموقع والموضع؛ وهي ماضية بجدية والتزام لبناء الوعي وتصحيح الخطاب الديني وتلك مسئولية تشاركية كما قال الرئيس لتأسيس شخصية سوية قادرة على المشاركة في مسيرة النجاح لتوفير حياة كريمة لشعبنا، انطلاقاً من مبدأ قرآني أصيل وهو " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً".

ما من شك أن الالتزام بأخلاق النبي الكريم يحل مشكلات عصرنا ويعالج ما اعترى امتنا من انحطاط في القيم والسلوكيات والقدوة..ولو طبقنا سنته ما وصلنا لما نحن فيه اليوم؛ فجوهر رسالته هو حسن الخلق لقوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وكان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض بنص قول السيدة عائشة حين سئلت عن أخلاقه..وليس بعد وصف الله وصف وقد زكّى نبيه المصطفى بقوله " وإنك لعلى خلق عظيم".

ما أحوجنا اليوم أن نستلهم أخلاق نبينا الكريم فقد كان أكمل الناس خلقاً، وبراً ومعروفاً ومعرفة بالله وعمارة للأرض ورحمة بالإنسان ورفقاً بالحيوان وحتى بالجماد ، فكان يبكي للبهيمة المثقلة ويبكي لليتيم .. وكان رسولنا أكمل الناس عصمة ووقاراً وجمالا وجلالاً وأجودهم صدراً وألينهم طبعاً من رآه بديهة أهابه ومن خالطه أحبه لا يجزي السيئة بمثلها بل يعفو ويصفح ، وكان أجود الناس يعطي عطاء من لا يخشى الفقر..كان البر هديه والتقوى ضميره والصدق والوفاء طبيعته والعف و والمعروف خلقه والعدل شيمته.

أما في بيته فكان آية في طيب المعاشرة، وكان في خدمة أهله، وفي رواية أم المؤمنين عائشة "كان رسول الله يخصف نعلَه، ويخيطُ ثوبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته"..وكان بساماً ضاحكاً يجبر خاطر أمهات المؤمنين.

ومن روائعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبر على الأذى فيما يتعلق بحق نفسه، حتى عندما اشتد عليه الأذى من قومه كان يدعو لهم بالهداية. كان لطيفاً رحيماً ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخّابا في الأسواق.

هذه لمحة من أخلاق الرسول الكريم، أما أوصافه الحسية فقد لخصتها أم معبد بقولها  "رأيتُ رَجُلاً ظاهِرَ الوَضَاءَةِ أَبلَجَ الوَجهِ، حَسَنَ الخَلقِº لَم تَعِبهُ تَجِلَّةٌ، ولَم تُزرِيهِ صعلةٌ، وَسِيمٌ، قَسِيمٌ، إن صمَتَ فَعَلَيه الوَقَارُ، وإن تَكَلَّم سماه وعَلَاهُ البَهَاءُ، أَجمَلُ النَّاسِ وأَبهَاهُ مِن بَعيدٍ,، وأَحسَنُه وأجملُه مِن قَريبٍ,، حُلوُ المًنطِقِ، فَصلاً لا نَزرَ ولا هَذرَ، كأنَّ منطقَه خَرَزَاتُ نَظمٍ, يَتَحَدَّرنَ، رَبعَةٌ، لا تَشنَؤهُ مِن طولٍ,، ولا تَقتَحِمُهُ عَينٌ مِن قِصَرٍ,، غُصنٌ بينَ غُصنَين، فهو أَنضَرُ الثلاثةِ مَنظَرًا، وأحسنُهم قَدرًا، له رُفَقَاءُ يَحُفٌّونَ بِهِ، إن قال سَمِعُوا لِقَولِه، وإن أمَر تَبَادَرُوا إلى أمرِه، مَحفُودٌ، مَحشُودٌ، لا عَابِسٌ ولا مُقتَصِدٌ..هكذا كان رسول أحسن الناس خلقاً، وأجملهم خلقةً.

كان مولده صلى الله عليه وسلم حدثاً فارقاً في تاريخ الأمة والبشرية كلها؛ فقد استطاعت مجموعة من القبائل العربية المتناحرة التي لا تعرف يميناً من شمال  في أقل من 80 عاماً أن يضعوا- بفضل رسالته- قدماً في الأندلس وقدماً أخرى في الصين..فقد أخرجهم صلى الله عليه وسلم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام وأنقذهم من ذل الخضوع للمخلوقين إلى عبادة الخالق الحق فنشر السلام والرحمة والأمان، وحكم بالعدل بين الناس فكان النبي الرحمة المهداة من الله للعالمين.

ما أشد حاجتنا هذه الأيام لاستحضار جوهر رسالة النبي الكريم وأن نطبق سنته وننهل من سيرته العطرة قيماً نعلمها لأطفالنا وشبابنا جيلاً بعد جيل، وبطولات ومواقف وعلاقاته بزوجاته وبناته وإخوانه وأصحابه وجيرانه والناس كافة..فالنبي هو قدوتنا وأسوتنا في حياتنا كلها ..وهنا نعود لسؤال مهم يشغل بالنا جميعاً: هل نطبق ما دعانا إليه ديننا الحنيف ورسولنا الكريم..وهل ننتهي عما نهانا عنه.

ديننا الحنيف يحضنا- شأنه شأن كل رسالات السماء- على فعل الخيرات وترك المنكرات، رافضاً أي انحراف في الفكر أو فساد في السلوك أو التصور ..لكن دعوة ديننا شيء وواقع حالنا شيء مغاير تماماً..فأمتنا العربية والإسلامية مبتلاة دون غيرها بالإرهاب وجماعاته والتطرف وتنظيماته والفساد والتخلف والأمية والمرض..حتى باتت أمتنا أكثر بقاع الأرض هشاشة وانقساماً واستهدافاً وتدهوراً في الإنتاج وانحداراً في السلوك وانخراطاً في الخرافة واستسلاماً للشعوذة والكسل والتواكل..وغيرها من الآفات التي يرفضها ديننا بشدة.

وفي سياق متدهور كهذا يبدو طبيعياً أن يكون السؤال: لماذا وصلنا لما نحن فيه..من انحطاط في الأخلاق يجد تعبيره في جرائم قتل مروعة وتحرش واغتصاب وعنف وشتائم يندى لها الجبين..لماذا ساءت علاقاتنا ببعضنا البعض وانقطعت صلات الأرحام وسادت القسوة لدرجة اللامبالاة والبلادة.

وإذا رصدنا ما حدث من تغيير واضح في معايير الأخلاق يبدو الأمر لبعضنا وكأننا في مجتمع غريب لا نعرفه، وفي زمن مختلف لم نعشه، فما الذي أوصلنا لهذه الحال..وكيف تخلينا عن الاقتداء بأخلاق نبينا..وانفرط عقدنا حين جرى تصدير الفنانين ولاعبي الكرة على أنهم "قدوة زماننا".

الأكثر إدهاشاً أننا مجتمع أخلاقي منذ استوطن الناس ضفاف النهر وقامت أقدم حضارات الإنسانية على أرضية أخلاقية، وبقي مجتمعنا عبر آلاف السنين مجتمعاً ذا أخلاق حسنة لم ينجح الاحتلال في نزعها عنه، بل ظل شعبنا محتفظاً بقيمه وأخلاقه ولم يفقدها يوماً تحت نير الاحتلال ..على عكس ما رأينا في السنوات الأخيرة بعد يناير 2011 وما تبعها من انفلات طال كل شيء وأخرج أسوأ ما فينا وهو ما ينبغي أن تتنادى القوى الحية في المجتمع وصناع الفكر والثقافة والدراما والإعلام وأرباب التعليم للاشتباك معه وتغييره.

ما نحتاجه اليوم ونحن نحتفل بذكرى ميلاد سيد الخلق أن نستعيد روح رسالته وجوهر دعوته وأخلاقه لاستنهاض الهمم وإصلاح ما فسد عبر احتشاد أجهزة الإعلام والثقافة والتعليم والأسرة، وهو ما تحاول الدولة أن تفعله الآن لمحاصرة ظواهر سلبية غريبة على مجتمعنا كانت نتاجاً لإهمال ثقافي وتراكمات سنين تسببت في انحدار الأخلاق وضعف الوازع الديني وتفسخ العلاقات الاجتماعية وفقد مجتمعاتنا أهم ما كان يميزها عن الغرب وهو التماسك الأسري والترابط الاجتماعي وشيوع الفضيلة في تعاملات الناس.

وأحسب أن الدولة جادة في إصلاح ثقافة المجتمع بحسبانها قضية أمن قومي لا يصح التهاون أو التفريط فيها..فأصل السلوك السوي ثقافة سوية ومفاهيم تربى عليها الصغار حتى صارت جزءاً من سلوكهم وتعاملاتهم اليومية..وهنا يقع على الإعلام ولاسيما الدراما والسينما دور مهم بتصدير نماذج إيجابية فثمة تعطش جماهيري لكل ما هو إيجابي ومفيد ..فكيف استقبل الناس مثلاً مسلسل الاختيار1 و2 ..وكيف استقبلوا فيلم "الممر" وغيرهما من الأعمال المميزة..وكيف عاشت مثلاً أعمال أسامة أنور عكاشة بما انطوت عليه من قيم وتقاليد وما عالجته من متغيرات وسلبيات في الوجدان الشعبي..لست من دعاة المصادرة والمنع لكني لست ضد الفلترة والسيطرة على ما ينشر ويكرس قيماً سلبية ومفاهيم مغلوطة يمكنها أن تعلق في الأذهان.

وهنا لا مفر من عودة الأسرة  والتربية والتعليم لبذل مزيد من الجهد المنظم بحسبانهما من أهم ركائز تشكيل الوعي والعقل والوجدان وغرس المفاهيم الصحيحة في وجدان الصغار من نعومة أظافرهم..فمن شبّ على شيء شاب عليه..ثم يأتي دور مراكز الشباب والأندية وقصور الثقافة ومن قبلهما الأزهر والكنيسة ..أجيالنا الجديدة تحتاج لتبسيط المفاهيم ونشر الوسطية ومحاربة الفكر المتطرف.

أما الأسرة فإن صلاح الأمة مرهون بصلاحها لكن أكثرها للأسف تخلى عن دوره فكانت أولى المؤسسات التي تفشت فيها أبشع الجرائم وأكثرها دموية ..وما أكثر ما نقرؤه عن حوادث العنف الأسري التي تتجاوز عقوق الوالدين إلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح..فهل  ننتظر ممن انعدم ضميره ولم يترفق بوالديه أن يحسن معاملة جيرانه أو زملائه أو سائر الناس في محيطه.

من يقرأ نقوش المصريين القدماء على معابدهم وأوراقهم ومن يطالع تعاليم الأديان التي اعتنقها المصريون على مر تاريخهم ثم يقارنها بما يراه في شوارعنا يجد فارقاً هائلاً ليس في صالحنا ..فهناك انحدار وانحطاط واضح في السلوك والأخلاق..فأين صفوة المجتمع وضميره الحي مما يجري..لماذا تخلوا عن دورهم في التوعية والتوجيه والإرشاد والتنبيه لمواطن القصور والخلل حتى باتت الأخطاء خطايا..وسفاسف الأمور كبائر تعوق حركة المجتمع وتجره للوراء.    

    آن الأوان للقوى الحية في مجتمعاتنا أن تنهض بدورها في مجابهة الأخطار حتى لا تلقي بنا في هوة سحيقة ليس لها قرار..دعونا نتصارح بأن ما نراه من سلوكيات خاطئة غريبة على ثقافتنا وتقاليدنا العريقة التي ساء حالها بعد أحداث يناير ضمن خسائر أكبر منيت بها مصرنا كما قال الرئيس السيسي الذي أكد أننا خسرنا نحو 400 مليار دولار في 2011 جراء نقص الوعي وتهاون القائمين على نشره؛ ومن ثم فالأولوية القصوى الآن هي الحفاظ على القيم ورسم سياسة إعلامية تتوخى استعادة الوجه المضيء للأخلاق والأعمدة الأساسية للدولة ومقومات بناء مواطن صالح وهو ما يتطلب -ضمن أشياء أخرى كثيرة- نسج أعمال درامية تقدم قدوة صالحة لشبابنا ونماذج تحض على حب التعلم وتقديس العمل واحترام العلم وممارسة التفكير العقلاني النقدي الرافض للخرافة والتطرف، ونشر سير العظماء والمصلحين والمجددين مصابيح الهداية والاعتدال والوسطية..أعمال تحرض على ممارسة الرياضة والحرص على النظافة ونبذ العنف والألفاظ النابية وتعاطي المخدرات والتدخين والإهمال والفساد ونهش الأعراض وهتك الحرمات.

لقد أضرت تنظيمات العنف بصورة الإسلام أبلغ الضرر وكلها ترفع شعار "الله أكبر" وهي تنحر رقاب العباد وكلها ولدت من رحم جماعة الإخوان الإرهابية التي تشهد انقسامات واسعة وانشقاقات واتهامات متبادلة بين قياداتها نرجو أن تكتب كلمة النهاية لها.

الإسلام رسالة عالمية جاء بها نبي الرحمة  للعالمين، ليكرس قيم التسامح والرحمة والموعظة الحسنة ومكارم الأخلاق ومن رحمة الله بنا أن الإسلام دين دنيا وآخرة، يدعو لعمارة الأرض وطلب العمل وتقديس العمل تماماً كما يدعو للتزود للآخرة بالعمل الصالح والنيات الصالحة مع المساواة بين البشر.. وهو ما يعني ضرورة أن نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا وأن نعمل لآخرتنا كأننا نموت غداً..وتلك هي المعادلة الصعبة فهل نفهم الغاية الحق لديننا الحنيف..؟!