مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

معاً للمستقبل

الحارس الأمين..!!

 

فريدة هي العلاقة بين الشعب المصري وجيشه.. قوة التلاحم أهم ما يميز هذه العلاقة العضوية؛ فلا تجد أسرة أو عائلة في بلدنا إلا وبينها  مجند أو ضابط يخدم في الجيش..ارتباط الجيش بالشعب كارتباط العضو بالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى..وإذا قلبت ناظريك في الدنيا كلها فلن تجد نظيراً لعلاقة شعبنا بجيشه الذي هو حارس أمين على أمننا وأرضنا ومقدراتنا كافة؛ انتماؤه وولاؤه الأول والأخير لهذا الشعب وذاك الوطن لا يسلْمه ولا يخذله ولا يتقاعس عن الدفاع عن مصالحه..هو باختصار الراعي الرسمي لتطلعات بني وطنه، والمدافع الأول عن حدوده وسماه وترابه ومياهه ومستقبله.

وحسناً فعل محمد على حين أسس جيش مصر قبل نحو قرنين من أبنائها وليس من خارجها كما فعلت بعض الدول التي اعتمدت على المرتزقة والمأجورين ..فكان هذا النسيج المتجانس، شديد الترابط منذ نشأ وحتى قيام الساعة إن شاء الله..فلم  ولن يحدث أن خذل الجيش المصري شعبه أو تخلى عن مسئولياته الأخلاقية أو نكث بعهوده وأيمانه تحت أي ظرف من الظروف.

الملمات والشدائد والمحن أظهرت معدن جيشنا العظيم..فما من محنة إلا وكان الجيش هو السند والنصير الأول للشعب ..حدث ذلك في مناسبات عديدة، أذكر منها زلزال 1992 وحوادث السيول.. والأهم عندى هو ما حدث بعد يناير 2011 حين نزل الجيش للشارع ليحمي ويحرس مؤسسات الدولة ومنشآتها الحيوية.. ولولاه لتم نهبها وسلب محتوياتها ولضاعت هوية هذا البلد..لقد أثبت جيشنا مجدداً أنه عند حسن الظن به، وأن الشعب يمكنه أن ينام ملء جفونه مادام يملك درعاً وسيفاً وعيناً مفتوحة طوال الوقت على كافة الاتجاهات الإستراتيجية للدولة.

ما يضطلع به الجيش من واجبات ومهمات أكبر من أن تحصيه هذه السطور.. وكلها فداء لهذا البلد وشعبه العظيم الذي يقابل جيشه حباً بحب ودعماً بدعم ووفاءً بوفاء لا حدود له..ولم لا وقوام هذا الجيش من خيرة الأبناء الذين ينتمون لجميع الفئات؛أغنياء وفقراء، فلاحين وعمالاً، مثقفين وبسطاء..كلهم قدموا ولا يزالون أرواحهم فداءً لوطنهم لنا دون تمييز أو تفرقة..ومن ثم يبدو طبيعياً أن يحظوا بثقة الشعب كله؛ ثقة لا تهتز ويقيناً لا يتزعزع لسبب بسيط أن عقيدة هذا الجيش الأول عربياً والثالث عشر عالمياً هي أقوى أسلحته وأهم مكوناته.

كانت مصر ولا تزال محط أطماع القوى الاستعمارية التي لم تتوقف محاولاتها المستميتة منذ عصور الفراعنة وحتى اليوم عن استهداف هذا البلد ومحاولة إخضاعه وبسط السيطرة عليه..وينبئنا التاريخ بوقائع عديدة تجسد هذه المطامع؛ لعل أبرزها تجربة محمد علي الكبير الذي اجتهد في تأسيس نهضة مصرية حديثة وجادة تستلهم روح النهضة الأوروبية وتحاكي تجاربها الناجحة وتقلل ما استطاعت ما بين الشرق والغرب من فجوة لصالح الأخير، فبدأ بتأسيس جيش قوي ومنظومة زراعية وصناعية وتعليمية ناهضة، مستعيناً بخبرات أوروبية استقدمها لمصر جنباً إلى جنب إيفاد بعثات علمية من أبناء مصر لأوروبا التي لم يرق لها قيام دولة قوية في مصر فناصبتها العداء وانقضت عليها حتى انتهى الأمر بمؤسس النهضة الذي بلغ بمصر شأناً عظيماً في القوة العسكرية والاقتصادية محاصراً بين أنياب القوى الأوروبية الرئيسية آنذاك.

ومن يومها لم تتوقف مطامع أوروبا في أرض المحروسة؛ فقد تكالبت عليها الحملة الفرنسية 1798، وبعد فشلها انقضت عليها الإمبراطورية البريطانية لتمكث مصر في قبضتها نحو سبعين عاماً في ذل وهوان واستنزاف واستعباد أزهق الأرواح حتى نالت مصر استقلالها ..لكن لندن لم تقنع بخطاياها في أرضنا حتى شاركت مع فرنسا وإسرائيل في عدوان ثلاثي استهدف ضرب الثورة الناشئة وإثناءها عن تأميم قناة السويس.

ولا تزال مصر رغم ما حققته من إنجازات مشهودة بعد 30 يونيو تتعرض لمؤامرات وتجابه معوقات يضعها الخصوم والأعداء في طريقها سعياً لإضعافها وتركيعها وشل قدراتها ووقف مسيرتها نحو الجمهورية الجديدة.

وكأن  التحديات والمخاطر هي قدر مصر التي يعرف الأعداء قبل الأصدقاء مكانها ومكانتها وجوهر دورها..وكيف أنها بمثابة الرأس من الجسد لأمتها؛ فإذا استقرت وقويت صار لأمتها شأن وقَدْر..  وإذا اهتزت لا قدر الله أو مرضت فلن تقوم لهذه الأمة قائمة بعدها.مصر أهم المراكز الإستراتيجية للعروبة والإسلام وهو ما يثير نقمة الأعداء الذين يرونها الجائزة الكبرى إذا ما ظفروا بها فلن ترفع الرأس بعدها دولة عربية وهو ما جعلها منذ قرون محط اهتمام ومطمعاً متجدداً يغري كل ذي شوكة..ولا ينسى المتربصون بنا ما فعلته مصر حين تصدت لأعتى هجمات التتار والمغول والصليبيين الذين كادوا يحرقون الأخضر واليابس في العالم الإسلامي لولا بسالة مصر وجندها الذين وقفوا سداً منيعاً حال دون سقوط الشرق في براثن الغزاة الهمج.

تاريخياً اضطلعت مصر بأدوار مفصلية قائدة في طليعة الكفاح ضد قوى الاستعمار الحديث، ملهمة لحركات التحرر ليس في عالمنا العربي  وقارتنا السمراء فحسب بل في شتى أنحاء الدنيا..ثم ثم هى من أوقف مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف تقسيم مصر ومحيطها لصالح إسرائيل ومن وراءها.

على مر العصور كافحت مصر ضد الدول الكبرى التي لا يرضيها أن تنهض القاهرة بأي دور مؤثر في منطقتها وسعت بكل السبل لتنفيذ مخطط هدم مصر..تارة بضمان تفوق إسرائيل عسكرياً على العرب مجتمعين..وتارة بإثارة نزاعات بشأن الحدود بين العرب بعضهم بعضاً..وتارة أخرى باستنبات ودعم جحافل الإرهاب في أرضها وعلى رأسهم جماعة الإخوان الإرهابية والعمل على تفتيت وحدة النسيج الوطنى وإضعاف تماسك جبهتنا الداخلية حتى يحدث الانقسام بين المصريين وتأكلهم الصراعات وتذهب لا قدر الله ريحهم ويصبحوا لقمة سائغة في أفواه أعدائهم.

جيش مصر هو نواتها الصلبة ودرعها وسيفها وذروة سنام قوتها؛ ومن ثم فلا غرابة أن تظل دائماً في مرمى نيران الأعداء ومحط استهدافهم تارة بالتشويه وتلويث السمعة من جانب قوى الشر وجماعاته.. وتارة بمحاولات الاستثارة والاستفزاز لجرجرته لحرب تكون ذريعة للنيل منه واستنزافه..وظنى أن شعبنا واعٍ تماماً بكل هذه المحاولات المكشوفة ولا تنطلي عليه ما يحاك ضده ويجري ترتيبه في الخفاء..ويعلم هذا الشعب يقيناً أن جيشه جزء منه ويشهد تاريخه أنه آية في التفاني والشرف وأنه مصنع الوطنية والرجال والتضحية.

ولست في حاجة للتذكير بأن التاريخ لم يسجل حالة واحدة رفع فيها الجيش سلاحه في وجه أو صدر مواطن مصري..تشهد بذلك أحداث يناير 2011..حين أعلن الجيش انحيازه لشعبه ..وقد نجح في العبور بمصر لتجاوز هذه الأحداث وحافظ عليها من الانفلات والفوضى وصان مقدراتها بعد انهيار جهاز الشرطة الذي جرى الهجوم عليه وحرق منشآته واقتحام السجون وتهريب المساجين وإشاعة حالة انفلات أمني لم يحمنا منها سوى الجيش ورجاله.

البيان الأول للقوات المسلحة الذي أعقب أحداث يناير جاء واضحاً وشافياً؛ إذ أعلنت أنها من صميم هذا الشعب المصري، وأنها لن توجه رصاصة واحدة إلى صدر أي مصري بل ستحمي الشعب والوطن.

وقد التزم جيشنا ولا يزال بدوره في حماية الدولة من سيناريوهات الفوضى، وقطع الطريق على محاولات الوقيعة التي تواترت حينئذ للوقيعة بينه وبين الشعب، وخابت مساعي من حاولوا إفساد العلاقة بينهما، ولم يسمح بوجود أي فجوة قد يتسلل منها من دأبوا على التشويه وتلويث السمعة ولم يجدوا لدى شعبنا آذانا صاغية بل إنه سخر منهم واستخف بما يقولون رافضاً المساس بجيشه أو استهدافه كما استهدفت جيوش عربية أخرى جرى تدميرها بمزاعم واهية كالتي رأيناها في العراق وبلاد أخرى.

وسوف تبقى ذاكرة الوطن عفية تذكر ما قاله يوماً الفريق أول عبد الفتاح السيسي حين كان وزيراً للدفاع أيام حكم الإخوان بأن الجيش وفيٌّ لمصر لم يغدر، ولم يخن أو يكيد ..كنا أمناء .حذرنا من أن الصراع السياسي سيقود مصر إلى نفق مظلم وسيتحول إلى قتال وصراع على خلفية دينية، وإن ما قمنا به من إجراءات في 30 يونيو كانت شفافة وأمينة ونزيهة وبمنتهى الفهم والتقدير الدقيق للمواقع والأحداث وانعكاساتها على الأمن القومي..وأقول –والكلام للسيسي- إن الجيش لم يرد الاستيلاء على السلطة وإن شرف حماية إرادة الشعب أعز علينا من حكم مصر ، وإننا أكثر حرصاً على الإسلام بمفهومه الصحيح الذي لم يكن أبداً أداة للتخويف والترويع وترهيب الآمنين ، وإننا سنقف جميعاً أمام الله وسيحاسبنا على المهمة المكلفين بها لحماية أمن الوطن والمواطنين، وإن الدعوة التي وجهتها لنزول المواطنين لتفويض الجيش للتعامل مع الإرهاب كانت رسالة للعالم والإعلام الخارجي الذي أنكر على ملايين المصريين حرية إرادتهم ورغبتهم الحقيقية في التغيير، ورسالة للآخرين بأن يعدلوا مفاهيمهم وأفكارهم وأن يستجيبوا لإرادة الشعب. وقد أعطى الجيش في عهد الإخوان فرصاً كثيرة لإنهاء الأزمة بشكل سلمي كامل ودعا الجميع للمشاركة في إعادة بناء المسار الديمقراطي وفقاً لخريطة طريق بدلاً من المواجهة وتدمير الدولة المصرية ".

هذه هي ظروف ثورة 30 يونيو وملابساتها كما عبر عنها السيسي.. وكيف حمى الجيش إرادة الشعب ومنع نشوب حرب أهلية كانت ستأكل الأخضر واليابس إذا وقعت لا قدر الله لكن ذلك لم يرض قنوات الشر فجعلت الجيش هدفاً لها طوال الوقت بحسبانه الجيش الوحيد المتماسك في المنطقة العربية فلا تترك مناسبة دون أن تناله سهامهم بالتشويه والتشكيك والتحريض، ناسين أن علاقة الشعب بجيشه ذات طبيعة خاصة عصية على الوقيعة والفتنة فما يربطهما من أواصر قوية ترسخت عبر مئات السنين وسوف تستمر إلى أن يشاء الله الذي جعل مصر وأهلها في رباط إلى يوم الدين.

لا ينسى أي مصري شريف أن جيش بلاده هو الحارس الأمين لحياة الشعب وتطلعاته ومستقبله وأن شعبنا هو الحاضنة الطبيعية لهذا الجيش.. منه يستمد العزم والإرادة والقوة وهو انتماؤه الأكبر ومصدر قوته وظهيره الذي لا غنى عنه.

لا جدال أن جيشنا جنب البلاد والعباد مصائر أليمة بعد ثورة يناير ..فلم نر في مصر اعتقالات كالتي شهدتها فرنسا مثلاً بعد ثورتها المشهورة، حيث اكتظ سجن الباستيل هناك بآلاف المعتقلين.. ولا ما حدث في الصين وروسيا وإيران عقب اندلاع ثوراتها بل العكس هو ما حدث حيث حافظ جيشنا على مصر من فوضى الاقتتال الأهلى ومخططات التقسيم التي تحيكها يد التآمر وتسعى لتنفيذها بهمة ونشاط.

الرئيس السيسي في الاحتفال الكبير بمشروع القرن (حياة كريمة) لتنمية الريف المصري بعث برسائل طمأنة بشأن قلق البعض من مسارات سد النهضة، نافياً حدوث أي شيء يمكن أن يضر بمصر قائلاً " أنا والجيش نروح قبل أن يحدث شيء لمصر وشعبها".. وأعاد الرئيس التأكيد أن المساس بأمن مصر القومي خط أحمر شاء من شاء وأبى من أبى..ولسوف يستمر جيشنا وشعبنا لُحمة واحدة ونسيجاً متماسكا مهما حاول المتآمرون والكارهون الوقيعة بينهما أو تشويه الحقائق وتزييف الواقع المشرق..وهكذا تحيا مصر.. تحيا مصر بتماسك أهلها وتوحد جيشها وشعبها وشرطتها، فوحدة المصريين على قلب رجل واحدة هي أقوى ضمانات الحفاظ على مصر القوية.