مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

البريد المصرى

معاً للمستقبل

 حقوق الإنسان.. واستعادة القيم

 

إستراتيجية حقوق الإنسان التي أطلقها الرئيس السيسي نقلة نوعية مبشرة وغير مسبوقة في الحقوق والحريات؛ ذلك أن صدورها عن رأس الدولة يسبغ عليها مصداقية وجدية وإرادة سياسية ويجعلها قابلة للتطبيق والاستدامة، ويؤكد حرص الدولة على تحسين حالة حقوق الإنسان ، التزاماً بما ورد في الدستور المصري من مواد، واتساقاً مع المباديء والمواثيق والاتفاقيات الدولية في هذا المجال.

ويزداد الأمر وضوحاً ووثوقاً إذا علمنا أن  2022 سيكون عاماً للمجتمع المدني في مصر، ما يؤكد الشروع فعلياً في تنفيذ الإسترايجية الرئاسية إن جاز التعبير بما يعطي دلالات ورسائل كثيرة أهمها أن الدولة استقرت أركانها وتعافى أمنها واقتصادها وقطعت شوطاً لا بأس به على طريق البناء والإصلاح بما أنجزته، ولا تزال، من مشروعات قومية أدخلت مصر عصراً جديداً من القوة واستعادة الدور المحوري في قارتها ومنطقتها العربية والشرق أوسطية، وبما حققته من انتصارات في مكافحة الإرهاب ووقف التدخل في شئونها الداخلية..وها هي تستقبل فصلاً جديداً في تاريخها يهدف لمزيد من تحسين حياة المواطن و الحفاظ على كرامته وتمكينه من حقوقه كاملة في شتى المجالات.

للإستراتجية الوطنية لحقوق الإنسان فوائد عديدة؛ ذلك أنها تقطع الطريق على المتاجرين بورقة حقوق الإنسان في مصر هنا وخارج هنا..وتخلق مناخاً من الشفافية والالتزام بإعلاء الحقوق والحريات طوعاً ودون وصاية أو ابتزاز من أحد.

ما أحوجنا لإستراتيجية مماثلة لبناء وعي حقيقي لدى المواطن، ليعرف واجباته وحقوقه معاً، وأن عليه دوراً في الدفاع عن منظومة القيم التي اهتزت في السنوات الأخيرة، وطرأ عليها سلوكيات فاسدة ومرفوضة مثل العنف وانحطاط الذوق وشيوع الألفاظ الخارجة الخادشة للحياء في المجتمع سواء في لغة الحوار الشعبي أو أغاني المهرجانات الطافحة بالبذاءة والسفاهة وسوء الأخلاق..وكلها تجافي روح ديننا الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا العريقة الراسخة.

وحسناً فعل النائب العام ووزيرا التعليم العالي والصحة ونقابة الأطباء ورئيس جامعة عين شمس بإحالة واقعة إهانة طبيب العظام بالجامعة لممرضه إلى التحقيق حفاظاً على منظومة القيم من التدهور؛ لكن وجود وعي حقيقي لدى المواطن سيقي المجتمع من ظواهر سلبية كثيرة ويسهم في الحفاظ على منظومة قيمنا على أسس منطقية وموضوعية ويصون وسطية الدولة المصرية، ويقيها شر التطرف والمغالاة.

خلق مثل هذا الوعي يستلزم السير في اتجاهات ومسارات متنوعة في وقت واحد، تبدأ بتطوير المحتوى الدرامي والغنائي كما طالب الرئيس السيسي ، وإتاحة الفرصة لحوار عقلاني هاديء يكرس للقبول بحق الاختلاف دون تباغض ولا تخاصم ويصغي للنقد الهادف القابل للأخذ والرد ويفرد مساحة للرأي والرأي الآخر انطلاقاً من مبدأ أن تنوع الآراء يثري النقاش ويعمقه ويخلق مزيداً من البدائل والحلول ويفتح الطريق للإفادة من جميع الطاقات والجهود الوطنية المخلصة.

وفي رأيي أن ثمة استعداداً جماهيرياً حقيقياً لاسيما لدى الشباب للإنصات لكل معلومة صادقة، والإصغاء لكل رأي مقنع وكل حجة داحضة، وفي ذلك فائدة كبرى للدولة، وتفويت الفرصة على أعدائها والمتربصين بها ممن لا يعرفون للوطن قيمة ولا للاستقرار معنى ..فمثل هؤلاء صنف من البشر نبتوا خارج رحم مصر الطاهر ولسوف تطهر نفسها منهم ليعودوا من حيث أتوا بعد أن تجف منابع تمويلهم وينحسر عنهم الدعم الذي يغمرهم من دول لا همَّ لها إلا هز استقرار بلدنا ..لكل هيهات هيهات لما يمنون به أنفسهم من النيل من مصر.

فإذا كان هؤلاء وغيرهم نسوا قيمة مصر؛ فقد قال عنها رسول الله :"إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا منها جنداً كثيفاً؛ فإنهم خير أجناد الأرض فسأله أبو بكر: لِم يا رسول الله فردّ عليه: لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم الدين"..ومصر هي التي قال عنها ابن عباس : "سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع بالقرآن"، ووصفها يوسف عليه السلام بأنها "خزائن الأرض".

ويؤكد التاريخ أن مصر آمنٌ من يدخلها، وآمنٌ من يسكنها، وهي خط دفاع متين عن العروبة والإسلام ومهما يعتريها من أسقام وما يعترضها من صعوبات وتحديات فلا خوف عليها. قد تمرض لكنها أبدا لن تموت..فقط تحتاج أن يحذر بنوها من دعاة الفتنة والشائعات والهدم..فقد راهن أعداؤها على هدمها من خارجها لكنهم فشلوا بفضل تماسك شعبها وجبهتها الداخلية حتى أن خططهم لإغراقها في الجدل والعنف وسفاسف الأمور والإرهاب حتى تتلهى عن قضاياها المصيرية باءت بالفشل؛ ومن ثم فإن ما يحتاجه بلدنا بشدة لصد هذه الهجمات أن يتوحد هدفنا لتفكيك المفاهيم المغلوطة في الخطاب الدعوي عبر الفضاء الإلكتروني وخاصة ما يتعلق بالجهاد والقتال، وإبراز "المواطنة" برؤية شرعية معاصرة يتضافر في صياغتها المؤسسات الدينية والأكاديمية المعنية بتجديد الفكر الإسلامي؛ لتفويت الفرصة على من يبغون إسقاط دولنا وضربها بأيدي بعض شبابها المغرر بهم بمفاهيم دينية متشددة ومغلوطة.

المتأمل لما جرى بعد يناير 2011 يجد معاول هدم تداعت على دول ما عرف بالربيع العربي، أريد بها إسقاط هذه البلاد في براثن الفوضى.. فلم تكن أبداً محاولة للبناء ولا لتشييد صروح الديمقراطية ولا متنفساً للتغيير الإيجابي عبر الثورات..وهنا يثور سؤال: ماذا كانت نتيجة تلك الهبّات غير العنف الذي داهمنا وتنوعت صنوفه فتارة يكون لفظياً، وتارة أخرى بدنياً، وهو غير أخلاقي في كل حالاته.

مثل هذا العنف كان قريناً للانفلات الذي هز مجتمعاتنا بشدة، فبدّل فضائلها رذائل يندى لها الجبين؛ فمن تماسك أسري وتراحم وتكافل مجتمعي ورحمة بالصغار وتوقير للكبار ورفق بالحيوان والنبات إلى تنمر وتعالٍ وشماتة حتى في الموت وغطرسة وانتهاك للحرمات ومجاهرة بالقبح والمعاصي وانعدام الضمير وقلة الذوق حتى بات البعض أدنى شعوراً من الحيوانات التي ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.

ما كل هذا العنف وانعدام الإحساس بالمسئولية وقلة الاكتراث بمشاعر الآخرين التي ابتلينا بها في جامعاتنا ومدارسنا وبيوتنا وشوارعنا التي كانت أخلاقها يوما مثار حسد من الآخرين..لماذا انحرفت أخلاقنا..لماذا تراجع دور الأسر في تربية أبنائها..لماذا ضعف تأثير مؤسسات التعليم والثقافة والشباب ..لماذا تراجع تأثير الخطاب الديني..ولماذا صارت تغذية الإعلام خصوصاً الدراما سلبية تنمي الاستهلاك النهم والعنف؟!.

لاشك أن الدولة الآن تحاول بكل الطرق محاربة مثل تلك الظواهر السلبية لكنها مهمة مجتمعية ثقيلة تحتاج جهد كل مؤسسات المجتمع المدني لتغيير ثقافة أنتجت سلوكاً خاطئاً يدفع الجميع ثمنه فادحاً في ظل تراجع الفضيلة وغياب القدوة الحسنة لدى الأجيال الجديدة مع هبوب رياح التطرف الفكري الذي صاحب ظهور اتجاهات سياسية اتخذت الدين وسيلة لتحقيق مآرب خاصة كما فعلت جماعة الإخوان.

ما حدث ترك للأسف آثاراً وخيمة على أجيال خلت من الوعي والثقافة الرشيدة اللازمة لكشف زيف التوجهات والدعاوى المتهافتة ..ولا يمكن لمنصف أن ينكر أن مثل هذه التحولات صادفت للأسف ضعفاً بادياً في منظومة التعليم التي تنبهت الدولة لضرورة إصلاحها لتعود المدرسة لدورها الأصيل في التربية والتوجيه وبناء الأخلاق الحميدة، وتعود الجامعة لبناء عقل نقدي مبدع و طليعة نابهة تأخذ بيد مجتمعها نحو الصلاح والرشاد وعلاج تجريف اجتماعي وسلوكي وأخلاقي طال أجيالا كثيرة.

مجتمعنا في حاجة ماسة لعودة الأب المربي القدوة الحسنة الذي لا يمكن لأحد أن يعوض غيابه في تنشئة الجيل وليس الأب المنفق الذي انشغل بجلب المال لإشباع احتياجات مادية لأسرته.

الشباب في حاجة لحوار مستمر يأخذ بيدهم للطريق السليم حتى لا يتركوا فريسة لمواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني الذي يجيد أعداؤنا توظيفه لإغواء أبنائنا بملذاته ومتاهاته وأفكاره المضللة، ناهيك عما تفعله المخدرات والأعمال الفنية الساقطة في العقول ..فهل نتخيل حجم المأساة إذا ما اجتمعت كل تلك العوامل على أبنائنا..؟!

هناك دراسات علمية كثيرة اهتمت بمشكلات الأسرة المصرية وقضاياها، وقدمت لها  حلولا ناجعة ومن زوايا عديدة ، وشخصت السلوكيات الخاطئة والتحولات السلبية وعلى رأسها العنف، وبحثت أسبابها وعواقبها..فماذا يمنع تنفيذ ما أوصت به.. ولماذا لا يتم وضعها أمام صانع القرار للإفادة منها.. أليس كل تأخير في العلاج يفاقم المشكلات ويضاعف فاتورة حلها..؟!

المراقب لما يجري في شوارعنا وأسواقنا وأماكن العمل والدرس يدرك أن منحنى العنف في صعود دائم؛ فالسخرية إيذاء وفرض الرأي بالقوة إيذاء والتنمر إيذاء أكبر.

الأسرة هي الحاضنة الأولى للطفل والمسئول الأول عن تشكيل وجدانه وتصوراته ومن ثم سلوكياته؛ ولهذا فإن التفكك الأسري يتصدر مسببات العنف، يليه التدليل الزائد من الوالدين للأبناء، ثم تأتي المدرسة بوصفها ثاني مؤسسة اجتماعية تتولى تنشئة الصغار وتنميتهم عقلياً ونفسياً وبدنياً، ويتكامل دورها مع الأسرة لكنها هي الأخرى باتت ضعيفة التأثير..ولوسائل الإعلام دور بارز في تغذية ظاهرة العنف؛ فالشخصية الدرامية نافذة التأثير في المتلقي لاسيما الصغار الذين يسارعون لمحاكاة الممثل؛ فإذا أدى دور شخصية تمارس العنف انعكس ذلك على سلوكيات النشء في الشارع وبدلا من أن يكون الإعلام وسيلة لحل المشكلة صار صانعا لها وجزءاً منها حين أفرط في تقديم أعمال تحرض على العنف والقتل والتنمر.

والسؤال: لماذا قلت الأعمال الفنية التي تجسد سير العظماء من العلماء والقادة والمجددين من المفكرين، لماذا اختفت أو كادت الأعمال الهادفة التي تكرس للتسامح والتعاون وتنفر من العنف وتؤكد أن الاعتداء على حقوق الإنسان وروحه حرام حرام أياً ما كان جنسه أو لونه أو دينه..؟!

كنا نرجو لو عوضت الأعمال الدرامية الدور المفقود للأسرة والمدرسة في حياة أجيالنا الجديدة ، وأن تقدم مادة درامية تنبذ العنف والبلطجة وإثارة الفوضى، و تتحاشى الألفاظ المبتذلة وتنهى عن الانفلات الأخلاقي بحسبانها جرائم أخلاقية لا يقرها شرع ولا عرف ولا ضمير وتجر الشارع لمزيد من الجرائم والتفكك الأسري.

نحن في حاجة ماسة لمزيد من الأعمال التي تحض على التعلم والإبداع وممارسة التفكير العقلاني النقدي ومحاكاة شخصيات العظماء والمصلحين، أعمال تحرض على ممارسة الرياضة وترشيد الإنفاق والادخار والحفاظ على المرافق والمال العام ونبذ الكسل والتواكل والفساد والإهمال والعزوف عن الاهتمام بالشأن العام تطبيقاً لمبدأ مهم وهو أن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم..حاجتنا ماسة لاستراتيجية واقعية لبناء وعي حقيقي لدى المواطن في مواجهة رياح التشويش والتشويه وطوفان الظواهر السلبية التي طفحت في السنوات الأخيرة وتعريف المواطن بواجباته قبل حقوقه حتى يقوم كل منا بدوره على النحو المنشود.