كلام بحب 

‎الفلاح يوم عيده

 

 يرتبط التاسع من سبتمبر بالفلاح منذ عام 1881 حينما التف مئات من المصريين حول الزعيم أحمد عرابى وذهبوا معه إلى قصر عابدين للقاء الخديو توفيق ومطالبته بعزل الــوزارة وإنشاء مجلس النواب وزيـادة عدد أفراد الجيش من المواطنين .. وعندما رأى الخديو الشعب مع الجيش تظاهر بالرضوخ لمطالبهم حتى يستعين بالانجليز لمساندته ضد الجيش وثورة الفلاحين التى بدأت من يومها حتى تحرير البلاد من الإحتلال بعد قيام ثورة 1952
   
‎كـان أول ما فعلته ثـورة يوليو هو رد الجميل للفلاحين وانصافهم فى نفس اليوم 9 سبتمبر فبعد 48 يوما فقط من نجاح الثورة صدر قانون الإصلاح الزراعى الذى جعل الفلاح مالكاً لـلأرض لاول مرة بعد أن ظل أجيراً لعدة قرون .. وعاش الفلاح أزهى عصوره بعد أن أصبح لديه 5 فدادين ومن حقه مع العمال الحصول على 50٪ من  مقاعد المجالس النيابية والشعبية 

‎مرت 68 سنة تبدل فيها كل شيء .. حتى الفلاح نفسه لم يعد فلاحا ومن يعمل منهم فى زراعة الأرض يفضل ان ينادوه بلقب «صاحب الأرض» أو «المـــزارع».. وتخلى عن همته ونشاطه .. وتكاسل أغلبهم عن الذهاب مبكرا إلى الحقل وحرث الأرض بنفسه كما كان يفعل الآباء والأجداد حينما يُصلون الفجر ثم يقومون بايقاظ الشمس وأصطحابها معهم إلى «الغيطان» و لا يعودون إلا وهم يسلمون «القرص الأحمر الدامي» إلى النوم فى حضن الترعة  .. ويحل الظلام فيتناولوا العشاء على « لمبة الجاز» ويخلدون إلى الراحة بعد عناء يوم شاق .. ويتكرر نفس المشهد يوميا وهم يرون المحصول ينمو ويترعرع حتى يأتى الحصاد فيأتى معه العيد والبهجة وتنتهى المعاناة ويبدأ موسم الأفراح والأعراس وسداد الديون

‎كانت تلك حياة الفلاح الذى يضرب الأرض بفأسه لينمو الخير لكل أهل المحروسة فهو  المسئول عن غذاء وكساء المصريين .. ينتج لهم الثمار من فواكه وخضراوات .. ويصدر إليهم الجبن واللبن والزبد واللحوم والبيض والدواجن وعسل النحل .. ويورد القمح إلى صوامعهم ومخابزهم .. والقطن والكتان إلى المصانع لتتحول إلى ملابس هى الأجود عالميا.. أين هو الفلاح الآن .. بل أين هى الأرض الزراعية.. ومن المسئول؟ 
******
‎الهبوط إلى العشوائية
 
يمكن القول ان هزيمة يونيو 1967 كانت بداية إستشراء التفكك و التسيب الإدارى حيث تفرغت قيادات الدولة والحكومات المتتالية للعمل على إزالة آثار العدوان والإعداد لحرب رد الكرامة  وتركت التخطيط الداخلى وتسيير دولاب العمل فى الوزارات والمحافظات والمدن والقرى والأحياء دون تنظيم أو متابعة أو مراقبة .. ولانه " من أمن العقوبة ..... " ولابد أن يُسىء العمل .. فقد وجدها ضعاف النفوس من مهندسى وموظفى الأحياء والقرى والإدارات الهنسية والتموينية والزراعية فرصة للتلاعب  والتربح على حساب أى شىء حتى لو كان على حساب الناس والبلد

 لم يكن تغير نمط حياة الفلاح .. واختلاف أحوال القرية مجرد صدفة .. ولكنه للأسف تم بفعل فاعل سواء بغير قصد أو عن عمد .. وكانت الحكومات المتعاقبة هى  المسئول الأول عن تجريف الشخصية المصرية وعن تآكل الأرض الزراعية وتحول الريف المصرى الجميل إلى العشوائية .. ولست مع من يتهمون المحليات فقط بالفساد أو انها السبب المباشر لانه لولا سوء الإدارة وعدم المحاسبة وضعف الرقابة لما استشرى الفساد و لا تجرأ موظف فى المحليات صغيرا أو كبيرا على التغاضى عن جريمة البناء على الأراضى الزراعية التى هى بالتأكيد جريمة الآن  وفى المستقبل لانها تضر الأجيال القادمة

‎وضع الرئيس عبدالفتاح السيسى يده على أصل المشكلة وهى انعدام التخطيط الجيد للحكومات خلال الأربعين سنة الماضية حيث قال أثناء افتتاحه لعدد من المشروعات القومية بالأسكندرية مؤخرا: ان ما تم صرفه سواء على القاهرة أو الأسكندرية خـلال السنوات الماضية كان يمكن ان نبنى به مدينة جديدة تستوعب أعدادا أكبر من المواطنين وتكون على أحدث طراز .. ما قصده الرئيس «فى رأيي» يعنى ان ما كان يتم صرفه من أموال الشعب لم يستغل بالطريقة الصحيحة ولم يؤد إلى حل مشاكل المدينتين بل كان يزيدها تعقيدا لان ما يجرى كان بمثابة عمليات «ترقيع» أو هو حلول مؤقتة .. وهذا يقودنا إلى ضرورة ان يكون من يتصدى للعمل التنفيذى فى رئاسة الحكومة أو تولى احدى الوزارات أو المحافظات «صاحب رؤية وفكر» ويؤمن بالتخطيط و لا يسمح بالعشوائية التى معناها البسيط هو «الخروج عن خط التنظيم» أو عن التخطيط الــذى وضعته الـدولـة وهــذا الـخـروج أدى إلـى ان تسود الفوضى فى شوارعنا وفى القرى والمـدن والأحياء وإلى زيادة العبء على الخدمات والبنية الأساسية خلال العقود الماضية 

‎ إذا أردنا حماية المدن الجديدة والعاصمة الإداريـة التى تبنيها الدولة فلابد ان تظل هناك رقابة مستمرة للتخطيط الموضوع لها ومتابعة ذلـك دوريــا والاهتمام بالصيانة للمبانى وللطرق وللصرف الصحى والمياه والكهرباء حتى لا نفاجأ بتكرار نفس العيوب التى أدت إلى تحويل حياة سكان العاصمة ومدن وقرى المحافظات إلى جحيم فى ظل العشوائية 

‎يستدعى التخطيط السليم الاستعانة بالمتخصصين والخبراء وعمل الدراسة الجيدة لأى مشروع قبل تنفيذه وتحديد القدرة الإستيعابية للمبانى فى كل حى بل وفى كل شارع فمن غير المقبول تكرار بناء أبراج سكنية ترتفع إلى عنان السماء فى حارة أو شارع ضيق لا يمكن توصيل المرافق إليه فتكون النتيجة طفح المجارى وانقطاع دائم للمياه والكهرباء .. ويدفع الأهالى والحكومة الثمن بسبب فساد  إدارى
****
‎ انقاذ ما يمكن انقاذه

‎بعد حرب أكتوبر وبداية الإنفتاح  حدث التغير الكبير حيث ترك الكثير من الفلاحين أرضهم وذهبوا يبحثون عن الـرزق فى ليبيا والعراق والخليج .. وعندما يعودون إلى القرية يقومون ببناء منازل على الأرض الزراعية ولم تتدخل الدولة لا بالمنع و لا بالتخطيط أو حتى بوضع نماذج للبناء أو اشتراطات للإرتفاعات والبروز والمسافات بين كل عمارة و أُخرى فاكتملت الجريمة التى تحاول الدولة علاجها هـذه الأيــام ولكن بعد ضياع الآلاف من أجود  الأفدنة  وحتى طريقة العلاج بها ثغرات وعليها الكثير 
من الملاحظات 

فوجئ من بقى من الفلاحين مخلصا لأرضه وللزراعة فى عام 1995 بإلغاء ما يسمى بالدورة الزراعية التى كانت تسمح لهم بزراعة القطن فوجدها البعض فرصة وهجروا زراعة الذهب الأبيض طويل التيلة الذى تشتهر به مصر دوليا واتجهوا إلى محاصيل أخرى كالأرز والخضراوات تحقق لهم مكاسب أكبر .. وبذلك قتلت الدولة أهم وأشهر محاصيلها فى سابقة لم تحدث فى أى مكان فى العالم ان يتخلى بلد بإرادته عن الشيء الذى يحقق له ميزة نسبية و لا يوجد ما ينافسه بين كل الأقطان على وجه الأرض و لا حتى «البيما» الأمريكى .. وبينما كانت مصر تنتج فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى حوالى 10 ملايين طن يتم تصدير أغلبها بالعملة الصعبة فانها تنتج الآن فى أفضل المواسم أقل من ربع مليون طن من القطن الذى كان عنوانا لمصر فى الخارج مثل الأهرامات .. وكان موسم حصادة عيداً وكتب الشعراء القصائد عنه كما غنت أم كلثوممن كلمات أحمد رامى وألحان زكريا أحمد " أنشودة القطن " .. وهل هناك من ينسى " نورت يا قطن بلدنا " من كلمات حسن المناستيرلى ولحن وغناء محمد أفندى صادق  .. فكيف فعلنا ذلك فى أحد أهم ثرواتنا القومية .. وهل يمكن أن نصدق تراجع مصر غن زراعة القطن وأن تصبح مالى هى  الأولى فىزراعتة أفريقياً بانتاج 700 ألف طن سنوياً وتدعم الدلة هناك من يزرعة وتقدم لهم التقاوى والأسمدة لان تصديرة يحقق لها الملايين من العملة الصعبة .. ينما نحن فى محافظة واحدة هى القليوبية على سبيل المثال كانت تزرع  حتى منتصف التسعينيات  70 ألف فدان بالقطن والآن فإنك لا تجد من يقبل على زراعتة و المحافظة كلها لا تزرع أكثر من خمسين فداناًً 

مثلما قضينا على القطن أحد أهم الثروات القومية .. لم نهتم بمعظم المحاصيل التى يمكن أن تدر عائدا من تصديرها مثل الكتان الذى كان أجود أنواعه يزرع فى زفتى بالغربية وغير ذلك من الأصناف التى يمكن زراعتها فى الأراضى الجديدة المستصلحة بعد حل مشاكل الجمعيات الزراعية التى يقوم على زراعـة أراضيها شباب مصر لكنهم يواجهون مشاكل لابد من بحثها وحلها ومساعدتهم فى توفير التقاوى ومياة الرى والأدوات الزراعية والإرشادات ومدهم بالأسمدة وعدم تركهم وحدهم فى التسويق .. فذلك قد يعيد الفلاح إلى عصره الذهبي .. ونغنى له «محلاها عيشة الفلاح» 

لم يكن الفلاح وحده مخطئا حينما ترك أرضه وذهب يبحث عن رزقه فى بلاد الغربة .. أو عندما عاد ليبنى على الأرض ويدمرها .. ولم تكن الحكومات السابقة هى فقط  المسئولة عن العشوائية وانتشار الفساد المالى والإداري .. ولكن للحقيقة كلنا شاركنا فى العشوائية والفساد خلال الأربعين عاما الماضية ان لم يكن بالممارسة فعلى الأقل بالصمت والسكوت 
‎عن المفسدين وعدم فضحهم .. وكانت النخبة من أهم الأسباب ولو من باب ان عدم قيامهم بدورهم فى التوعية هو  .. أضعف الفساد