Warning: Illegal string offset 'Hits' in /home/gomhuriaonline/public_html/class/PortalNews_class.php on line 560
يوميات رمضان الكورونا بقلم مؤمن الهبـاء
هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

يوميات رمضان الكورونا

 

كثيرا ما يسألك أصدقاؤك ومحبوك عن حياتك فى ظل الكورونا ، وبالذات فى شهر رمضان المبارك ، كيف قضيت أيامه ولياليه فى الحظر وحالة الهلع التى نعيشها ويعيشها العالم كله ، واقترح بعض الأصدقاء أن نكتب مذكرات تلك الأيام الصعبة التى ندعو الله ألا تتكرر ، ولقد حاولت فعلا أن أكتب هذه اليوميات فى مذكرات لكننى لم أستطع ، ربما لأن الأيام كانت  متشابهة ولم تشهد أحداثا درامية ، لهذا فضلت أن أسجلها فى صورة ذكريات لا مذكرات . 

بداية أنا من أكثر الناس التزاما بالقواعد واللوائح والقوانين ، أعتبر ذلك من سمات الإنسان المتحضر الذى يمقت الفوضى والاضطراب ، وقد تعلمت مبكرا جدا أن احترامى للقانون والنظام هو احترام للأنا العليا ، احترام للذات ، وحتى القوانين النى أراها ظالمة أو متخلفة ألتزم بها طالما هى قائمة ، لكن هذا الالتزام لايمنع من السعى لتغييرها وبيان فسادها بالحجة والمنطق . 

من هذا المنطلق كان التزامى صارما بقواعد التعامل والحظر ، لم أخرج  طوال الشهر الكريم إلا مرات معدودة ولأسباب قاهرة ، ولم أفطر خارج البيت إلا ثلاث مرات ، مرة مع أخى فى قريتنا حفاظا على تقليد عائلى قديم بأن نفطر أول وآخر يوم فى رمضان معا ، ونقضى أول أيام العيد معا ، لكننا اكتفينا بإفطار أول أيام رمضان ، والمرة الثانية كانت مع أختى الكبرى التى هى بمثابة أمى ، أطال الله فى عمرها ، والمرة الثالثة مع ابنتى ، ولم يزرنى أحد طوال الشهر غير أخى وابنتى .

 مضى بنا رمضان حزينا موحشا ، رغم أن  يومى دائما كان مزدحما وليس فيه فراغ ، حرمنا من بيوت الله ومن لقاء الأحبة عمار المساجد ، وكلما سمعنا صوت الأذان زاد حزننا ، وبالذات فى يوم الجمعة الذى افتدقنا طقوسنا الجميلة فيه ، وجعلنا الحرمان نقدر مدى السعادة والطمأنينة التى كنا نرفل فيهما فى الأيام الخوالى ، ومع ذلك حاولنا بقدر الإمكان تحويل جزء من البيت إلى مسجد للأسرة ، نؤدى فيه الصلوات فى وقتها عقب الأذان مباشرة حتى نستشعر ما كنا نجده من لذة الصلاة فى المساجد ، خاصة صلاة التراويح ، لكننا لم نبلغ أبدا من الراحة والمتعة ما كنا نبلغه أثناء الصلاة بالمسجد ، وهو ما جعلنا ندرك أن هذا الفضل الكبير قد خص به الله سبحانه بيوته فى الأرض دون سائر الأماكن .

حاولت قدر المستطاع الالتزام ببرنامجى اليومى الذى اعتدت عليه منذ  أكثر من ربع قرن مع أقرب جيرانى وأصدقائى ، المرحومين جلال عيسى رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير دار الشعب ومدير تحرير الأخبار الأسبق ، ومحمود بسيونى رئيس التحرير الأسبق للمجلة الزراعية التى كانت تصدر عن دار التعاون ، كنا نلزم أنفسنا بالمشى مرتين يوميا ، بعد الفجر وبعد العشاء ، فنحن قوم لا نلعب ولا نجرى ، ومهنتنا تفرض علينا الجلوس إلى المكاتب لساعات طوال ، وبعد أن انتقلا إلى جوار ربهما جعلت التزامى مقتصرا على المشى بعد الفجر إلى جانب ممارسة السباحة مرتين فى الأسبوع بنادى الزمالك المجاور لمنزلنا .

 وفى ظل الظروف التى  فرضها الوباء اللعين وإغلاق النادى لم يعد أمامى غير المشى عقب صلاة الفجر لحوالى نصف الساعة ، ثم حين  نبه الأطباء إلى ضرورة أن ترى أجسامنا الشمس لتحصل على فيتامين " د " كى تزيد مناعتها ضد كورونا اصطنعت جولة أخرى للمشى نصف ساعة إضافية بعد العاشرة صباحا ولكنها لم تكن منتظمة .

وعقب جولة الفجر تأتى فترة القراءة والكتابة حتى صلاة الضحى ، تلك إحدى طقوسى اليومية التى أحرص عليها ، وأرى أنها أفضل  استثمار لأفضل فترة من فترات يومى ، فترة الصبح حين يتنفس بهواء نقى نظيف يجدد صحو الكون ، ويخرج النور رويدا رويدا  ليمحو ظلام الليل ويعطى العالم حياة جديدة ، وأعجب ممن يقضون ليلهم سهرا حتى إذا حانت هذه الساعات الرائعة ناموا وهم لا يدرون أنهم ضيعوا أغلى لحظات العمر ، لذلك أحسب نفسى من المحظوظين الذين يتمتعون بهذا الجمال الربانى بعد قسط وافر من النوم ، مدركا أن النوم ـ كما اليقظة ـ نعمة وضرورة للصحة البدنية والتوازن النفسى .

ورغم الكورونا وفقنى الله سبحانه وتعالى لإحياء ليلة القدر اعتكافا فى البيت ، صحيح أنها لم تكن بروعة الاعتكاف المعتاد فى المسجد وسط الأحبة ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، ونسأل الله القبول .  

وقد تنوعت قراءاتى خلال رمضان ما بين قراءة جزء من القرآن الكريم يوميا ، وتدارسه بما يكفى للإلمام بمعانيه ومقاصده ، وقراءة الصحف اليومية ، ومطالعة مواقع التواصل الاجتماعى التى صارت مصدرا مهما للأخبار والآراء والمعلومات ، ثم مشاهدة نشرات الأخبار ومتابعة بعض حلقات المسلسلات التى أريد الكتابة عنها .

وفى كل رمضان كان لى إلى جانب ما سبق كتاب ألتزم بقراءته ، وهذا العام كان كتابى " نهج البلاغة من كلام الإمام على " للشريف الرضى  بشرح وتقديم الإمام محمد عبده ، الصادر عن هيئة قصور الثقافة عام 2004 ، وهو كتاب ضخم فى ثلاثة أجزاء ، الأول خصص للخطب والأوامر التى كان يلقيها الإمام كرم الله وجهه ، والثانى للكتب والرسائل ، والثالث للحكم والمواعظ ، وقد أتممته بفضل الله رغم وعورته ، ولعل الله يأذن بتقديم عرض له فى هذه الزاوية لاحقا . 

اللهم ارفع عنا البلاء والوباء ، وكل عام وأنتم بخير .