بطاريات منصور
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

فؤاد الدقس

واكتمل عِقْدُ الأنبياء بأحمد

بقلم .... فؤاد الدقس

الجمعة 08 نوفمبر 2019

يقول الله تعالى في محكم تنزيله في سورة الصف: ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ...)

لقد كان المعهود والمألوف في بني إسرائيل تعاقب الأنبياء والرسل على فترات قصيرة ، ليس ذلك فحسب ؛ بل قد يأتي الرسول والرسولان والثلاثة ، والنبي والنبيان والثلاثة والأكثر في وقت واحد أو مكان واحد ، أو وقت وزمان واحد في أماكن متعددة ، فالرسالات خاصة ، وبعد رسالة عيسى عليه السلام لم يأت أحد حتى طال الزمن ، وامتدت الفترة فناهزت ستة قرون ، ثم أرسل الله سبحانه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء والمرسلين  ومكملاً لعقدهم ، يقول الحق سبحانه في سورة الأحزاب : (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ ... ).

وأورد الإمام البخاري في صحيحه عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك ، واستخلف علياً ، فقال : أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ، من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي . 

وكانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة ، في جميع بقاع الأرض ، فلذلك نراه بعد هدنة الحديبية وبعد أن ترسخت دولة الإسلام يرسل الرسل والمبعوثين إلى حكام وملوك وأمراء الأرض جميعاً يدعوهم فيها إلى الإسلام يقول الحق سبحانه في محكم تنزيله في سورة سبأ : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا... )  وليس ذلك فحسب ؛ بل كان صلى الله عليه وسلم رحمة بجميع العوالم ، ولجميع المخلوقات يقول جل شأنه سورة الأنبياء : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)  

إن يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول في عام الفيل هو من خيرالأيام التي طلعت على البشرية جمعاء.

ففي هذا اليوم منذ ألف وأربعمائة وتسعة وأربعين عاماً أشرقت أنوار خير الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على الأكوان فأحالتها ضياء ، وعلى العوالم فتزينت في أبهى صورة ، وأجمل هيئة احتفالاً بالمولود العظيم واحتفاء بقدومه .

لقد كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم منة عظيمة من الله تعالى على البشرية جمعاء ، فقد قال سبحانه في سورة آل عمران :(لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) 

إن معرفةَ أحواله وخصاله وشمائلَه صلى الله عليه وسلم واجبة كي نُحبه على علم ، كما أن معرفةَ سنته الشريفة فريضة وهي أقواله وأفعاله وتقريراته  صلى الله عليه وسلم كي نسيرعلى منوالها ، ونتبع سبيلها ، وكلما ازددنا معرفةً بأحواله وخصاله وشمائله صلى الله عليه وسلم ازددنا قرباً منه ومحبة له ،  فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو السراج المنير، وواجب على الأمة أن تستنيربه في حياتها، وتستضيء بنوره في ظلمات الحياة الحالكة التي تحيط بها، وقد قال أحكم الحاكمين في سورة الأحزاب  (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) 

يقول أستاذ التاريخ الإسلامي الدكتورعبدالباري محمد الطاهرفي كتابه (مكانة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بين العالمين): إن الله سبحانه وتعالى  أكرم رسوله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بمكارم كثيرة بدأت باصطفاء الله تعالى الزمان و المكان لهذا النبي الخاتم ، ثم زكَّى نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم ، واصطفى قلبه وزكَّاه ، كما زكَّى عقله ونفسه وخُلُقَهْ ، ثم آواه ربه منذ نعومة أظفاره ، ورعاه سبحانه بحفظه وكلأه بعنايته ، وشرح صدره   ورفع له ذكره ، ووعده بالعطاء حتى يرضى  ، وزكَّى بصره ، وزكَّى منطقه ، ليس ذلك فحسب ؛ بل زكَّى المولى سبحانه حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بالكلية فقال جل شأنه عنه في سورة القلم : (وإنك لعلى خلق عظيم ) لقد فتح الله له البلاد وقلوب العباد وغفر له ، وجعل كرامته يوم القيامة عظيمة ، فقد أورد الإمام الترمذي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولافخر .

إن من حق المصطفى صلى الله عليه وسلم علينا نحن أمته أن نَدْرُسَ ونُدَرِّسَ سيرته دائماً، وليس هذا من الاحتفال المبتدع، فنحن إنما نُذَكِّر الناس بهذه السيرة ونربطهم بهذه الرسالة المحمدية، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حين، وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي يعلمنا المغازي، ويعدّها علينا، وسراياه، ويقول: يا بَني، هذه مآثر آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها.

وقال الإمام زين العابدين علي بن الحسين: كنا نُعَلَّمُ مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نُعَلَّمُ السورة من القرآن.

كانوا يروون لهم كل حركة وسكنة للنبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا يروون ما حدث في بدر وما حدث في أحد وما حدث في الخندق وفي بيعة الرضوان… يروون لهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليزدادوا معرفة به ومحبة فيه.

فعلينا أن نهتدي بالصحابة الكرام وننتهز الفُرَصَ لنذَكِّر أنفسنا أولاً ، ثم من حولنا ثانياً بالرسول الكريم وبرسالته العظيمة.

يقول الحافظ ابن كثير : كانت ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً شريفةً عظيمةً مباركةً سعيدةً على المؤمنين طاهرةً ظاهرةَ الأنوار جليلةَ المِقدَارِ أبْرَزَ الله فيها الجوهرةَ المصونةَ المكنونةَ التي لم تزل أنوارُها مُنتقِلَةً من كل صُلبٍ شريفٍ إلى بطنٍ طاهرٍ عفيفٍ من نكاحٍ لا من سِفاحٍ من لَدُنْ آدمَ أبي البشر إلى عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى آمنةَ بنت وهبٍ الزهرية فولدته في هذه الليلة الشريفة المنيفة فظهر له من الأنوار الحسِّيَّةِ والمعنوية ما بَهَرَ العقولَ والأبصارَ كما شهدت بذلك الأحاديثُ والأخبارُ عند العلماء الأخيار.

إن الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لما يحتوي عليه الاحتفاء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم من تعريف الأمة بقدرنبيها من خلال شمائله الحميدة وخصاله المجيدة ، وسرد سيرته نثراً أو شعراً، وغرس محبته وإجلاله في قلوب المسلمين، والدعوة إلى التأسي بسيرته والاقتداء به .

و لم يجادل أحد في جواز بل استحباب الاحتفاء بتلك الذكرى العطرة إلا فرقة من المتأخرين المعاصرين الذين قالوا " ببدعيته " بمعنى عدم المشروعية ؛ بينما تتلخص مقولة أهل السنة والجماعة  بما قاله الإمام الشاطبي :  

ولا نقول في جوازالاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ، واستحبابه إنه بدعة حسنة - مما ينازع فيه - بل نقول : إنه قربة من القربات .

و بادئ ذي بدء نسأل الفرقة المنكرة لمشروعية الاحتفاء بيوم المولد النبوي الشريف: هل الإنكار لأصل الفعل أم لصورته ؟

فإن كان لصورته - مما قد يصاحبه من سوء تصرفات - فلا خلاف في إنكارها و الاعتراض عليها ــــ و يجب تقويم المعوج منها ، و نشر الصالح و النافع من الأعمال ـــ و في ذلك فليتنافس المتنافسون .

و إن كان الإنكار لأصل الفعل ، و هو " الاحتفاء " بيوم مولد النبي صلى الله عليه و سلم : فلا نحسب أن مسلماً صادق الإيمان ينكر الفرح بذكرى مجيئه صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا ، و إظهار السرور بذلك المجيئ و الميلاد الشريف ، و هذا هو معنى الاحتفاء في لسان العرب .

لقد تقدم القول بأن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف " قربة " من القربات الشرعية ؛ التي يتقرب بها العباد إلى الله تعالى ؛ لوجود نظيره في السنة النبوية ، فرسول الله صلى الله عليه و سلم صام يوم الإثنين احتفاء بمولده الشريف - كما صرّح و أوضح في حديثه الصحيح الثبوت الصريح الدلالة - و كأنه يحث على فعله و يحض عليه . 

ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين أن الاحتفال بذكرى المولد بقراءة القرآن ومدارسة السيرة النبوية وتوزيع الحلوى ليس إحداثاً في الدين، ولامروقاً منه ؛ بل الاجتماع لذلك هو مزاولة أمر مطلوب من المسلمين في جميع الأوقات ، وليس في وقت المولد فحسب ، وهذا لا يخالف نصاً ولا أصلاً شرعياً، ويندرج تحت مصلحة مناسبة لما يحققه من أغراض دينية من الغبطة بشمائله والفرحة بفضائله، والتذكير بمنة الله تعالى به صلى الله عليه وسلم على الخلائق، وبما وصل عن طريقه من الخير ، وغَرْسِ تعظيمه وكمالِ محبته، وكمالِ الإيمان به ــــ فلا يعتبر مسلماً من قال لاإله إلا الله ، ولم يتبعها بقوله: و أن محمداً رسول الله ـــ وشكرِ اللهِ على هذه المنة العظيمة، وإحياءِ القدوة الحسنة في القلوب، وكلها أغراضٌ شرعية معتبرة. 

فالسيرة النَّبوية العطرة لا تُقرأ للتسلية والترويح عن النفس، ولا في المناسبات والأعياد والموالد للتباهي والتبرُّك والاكتفاء بذلك؛ وإنَّما تقرأ السيرة لأخذ العبر واستخراج الدُّرر، واستنباط الفوائد ، ووضعها نبراساً يستضيء بنورها كلُّ مؤمن في هذه الحياة، ففيها طريق الهداية، وسبيل الرشاد.

فلماذا لا نتخذ من ذكرى مولد المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم نقطة انطلاق لاستنهاض عزائم الأمة ، وشحذ هممها لاستعادة أمجادها وعزتها؟