هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

آخر الأسبوع

نقطة تحول

يمكن اعتبار مؤتمر القمة العربية الأوروبية الذي عقد بشرم الشيخ هذا الأسبوع. "نقطة تحول" جوهرية بحق. في العلاقات الدولية بين دول وشعوب المنطقتين العربية والأوروبية. 

وهو تحول يمكن أن يشكل أساساً صلباً لبناء استراتيجية عربية أوروبية لمواجهة التحديات المشتركة للمنطقتين. كما يمكن أن يشكل نموذجاً صالحاً للتطبيق في علاقاتنا الدولية مع أي أطراف أجنبية أخري. 

ومكمن "جوهرية" نقطة التحول هذه أنها لا تقوم علي أساس ادعاء "تطابق وجهات النظر والمواقف" بين الطرفين العربي والأوروبي تجاه كل ما تعرضت له القمة من قضايا.. بل علي أساس المصارحة والمكاشفة والاعتراف المتبادل بـ "حق الاختلاف" دون المساس بالمصالح المشتركة. 

وربما لهذا السبب. حرص الرئيس السيسي علي أن يجعل من هذه النقطة محور كلمته المميزة التي ألقاها في الجلسة الختامية بوصفه رئيس القمة. 

أحتاج أن أنقل فقرات من هذه الكلمة تؤكد هذا الاستنتاج.. 

* مؤتمرنا كان فرصة لتواصل مباشر بناء علي مستوي مؤسسي رفيع هو الأول من نوعه في تاريخ العلاقات العربية الأوروبية. 

* التواصل ساهم بشكل كبير في توضيح الرؤي والتوجهات بشأن العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك لكافة دولنا. والتي كان من الضروري أن تتم بشأنها عملية مكاشفة صريحة علي هذا المستوي الرفيع. 

* كان طبيعياً أن تتنوع وجهات نظرنا خلال لقائنا الأول علي مستوي القمة بشأن بعض القضايا. سواء علي مستوي تشخيص أسبابها. أو السبيل الأمثل للتعامل معها. 

* كان ذلك مصدر إثراء لمناقشات القمة. وترسيخاً لقيمة الحوار القائم علي الاحترام المتبادل. 

* وبعبارة بليغة تصلح حجر أساس لمستقبل العلاقات العربية الأوروبية علي المستوي المؤسسي اختتم الرئيس هذا العرض بقوله: "إن ما يجمع المنطقتين العربية والأوروبية أكبر بكثير مما يفرقهما". 

* لماذا أعتبر ذلك نقطة تحول في العلاقات الدولية العربية الأوروبية؟! 

لأننا أدمنا "من الإدمان" علي مدي عقود ماضية. وعلي المستوي العربي بالذات. اعتماد معيار وحيد لنجاح أي علاقات تربطنا بأي دولة. وهو "تطابق" وأحياناً "التطابق الكامل" في وجهات النظر والمواقف تجاه كل القضايا. حتي لو لم يكن هذا التطابق حقيقياً أحياناً. 

وكنا ننظر بحساسية شديدة إلي أي إعلان عن وجود نقاط خلاف أو اختلاف في وجهات النظر وكأنه ينتقص من النجاح. ويكشف ما نريد أن يبقي في طي الكتمان. 

ولم ندرك حقيقة أن التعرف علي نقاط الاختلاف وتحديدها. من خلال حوار صريح وبناء والعمل علي عزلها عن أي تأثير سلبي لها علي مساحة الاتفاق التي تمثل مصلحة مشتركة. هو في حد ذاته نجاح. لأنه يفتح الطريق أمام علاقة صحية تعترف "بحق الاختلاف". وتحترمه وتتيح استمرار الحوار للتغلب علي هذه الاختلافات والعمل علي حلها. 

ولذلك كانت ردود أفعالنا تجاه خلافنا أو اختلافنا مع أي دولة. غالباً ما تأتي حادة فتعددت قرارات سحب السفراء. وقطع العلاقات الدبلوماسية. وأحياناً الاقتصادية والتجارية. وتحويل الاختلاف إلي خصومة يدفع الطرفان ثمنها بلا مبررات منطقية. 

قمة شرم الشيخ العربية الأوروبية أسست ــ خلال يومين فقط ــ منهجاً جديداً في العلاقات الدولية العربية الأفريقية. 
ولابد من الإشارة بحق. إلي أن الفضل في ذلك يعود إلي مصر وإلي قيادتها للقمة. 

فخلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية. أظهرت السياسة الخارجية والدبلوماسية المصرية درجة عالية من النضج والعقلانية والواقعية والثقة بالنفس في التعامل مع كل الأطراف الدولية. سواء في العلاقات الثنائية أو الجماعية. 

تخيلوا مثلاً. لو أن ما فعله ويفعله أردوغان تركيا ضد مصر منذ تولي الرئيس السيسي قيادتها قد حدث في أي عهد سابق.. هل كان رد الفعل المصري وقتها سيماثل رد الفعل الآن؟! 

مستحيل.. 

لكن "تسوية شطحات أردوغان علي نار هادئة" حققت نتائج أفضل عشرات المرات مما كان سيتحقق من أي رد فعل آخر. حاد أو انفعالي. 

لقد جعل ذلك أردوغان أكثر هياجاً وجنوناً. خاصة ومصر تواصل حصد النقاط وجمع المكاسب في علاقاتها الدولية. بينما يجد نفسه بعد جهد منه في إظهار "شطارته" في اللعب علي كل الأطراف. خارج أول قمة عربية أوروبية تاريخية. علي أرض مصرية. وبرئاسة السيسي بينما يتحسر هو علي حلمه الضائع بأن يكون أوروبياً بعضوية الاتحاد الأوروبي. أو عثمانياً يعيد هيمنة بلاده علي الشرق الأوسط بشقيه العربي والإسلامي. 

هذا التحول في قيادة مصر وسياستها الخارجية. هو الذي جعل الرئيس السيسي لا يتردد في المواجهة العلنية الصريحة للانتقادات التي يثيرها البعض حول ملف حقوق الإنسان في مصر.. والرد عليها بقوة.. حدث ذلك خلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لمصر الشهر الماضي. وحدث في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ختام قمة شرم الشيخ الأخيرة. وفي حضور رئيس الاتحاد الأوروبي. 

وفي ضوء هذا المنهج. حظيت القضية الفلسطينية مثلاً بما يعد أقوي توافق واتفاق عربي أوروبي قائم علي المصارحة والحوار البناء. حيث تضمن البيان الختامي لقمة شرم الشيخ كل الأسس والمبادئ المتفق عليها عربياً وفق المرجعيات الدولية بعيداً عن أي توجهات أخري.. فقد نص البيان علي: 

* عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

* احترام وضع المقدس والأماكن المقدسة بها. 

* تأكيد حل الدولتين الذي يقوم علي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي تم في 1967 بما في ذلك القدس الشرقية. 

* المفاوضات المباشرة حول كافة قضايا الحل النهائي. 

هذا مجرد مثال.. وسوف يؤدي التمسك بمنهج المصارحة والاعتراف بحق الاختلاف. إلي تعزيز مساحة الاتفاق. وتطوير المصالح المشتركة. خاصة بعد إدراك أن كلا من العالم العربي وأوروبا يواجه في اللحظة الراهنة بالذات نفس التحديات الكبري وعلي رأسها الإرهاب. والهجرة وتحسين حياة الشعوب.