هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

شهادة

نجلاء محرم .. و" نوار الموت "

 

كلما قرأت عملا جديدا للأديبة الكبيرة نجلاء محرم ازددت يقينا بأن أدبنا العربى قادر على تجاوز مرحلة التجريب الملتبسة التى اتسمت بالإغراق فى الأدلجة والغموض والغرابة والجنس ، وصولا إلى مرحلة النضج الفنى الذى يعتمد على عمق الفكرة واستقامة الأسلوب وتماسك البناء الفنى ، وقادر أيضا على أن يعود لجاذبيته المفقودة ودوره فى التثقيف والإمتاع بعد أن انصرف عنه جمهور القراء لعقود طويلة. 

نجلاء محرم كاتبة جادة ، تملك أدوات القص باقتدار ، ولديها مشروع روائى متكامل ، يدعمه مشروع ثقافى متفرد ذو رسالة تنويرية أصيلة ، ورغم أنها لاتنتمى إلى "مثقفى الحظيرة "، وليست من " أدباء الشلل " ولا كتاب " ما توصل به العب به " ، فقد فرضت نفسها على الساحة الأدبية والثقافية بتميز شديد ودأب وقور ، سواء من خلال أعمالها المنشورة منذ 1993 ـ ست مجموعات قصصية وست روايات ـ أو من خلال مركز نهر النيل الذى أسسته فى مدينتها " الزقازيق " ليكون بؤرة للأنشطة الثقافية عامة ، فتقام فيه الندوات والمسابقات ، ويحتضن المواهب الشابة ، وتعقد فيه حلقات نقدية للكتاب والمفكرين ، وفى مرحلة لاحقة أضيفت إليه صناعة النشر . 

تعرفت إليها لأول مرة منذ حوالى عشرين عاما فى مؤتمر أدباء مصر بالمنيا فى مطلع الألفية  ، وتابعت أنشطتها وإنتاجها ، وشاركت غير مرة فى ندوات مركزها . كانت مجموعتها القصصية " لأنك لم تعرفى زمن افتقادك " أول ماقرأت لها ، وأول مالفت نظرى لهذه المبدعة المتفردة ، ثم جاءت روايتها " الغزو عشقا " 2005 لتؤكد رسوخ قدمها فى عالم الكتابة ، وبعدها رواية " رينزى ياظل الإله " 2012 ، ورواية " جابر " 2015 ، وأخيرا رواية " نوار الموت " التى صدرت طبعتها الثانية الشهر الماضى .

 تمتلك نجلاء محرم أسلوبا أخاذا فى السرد ، لايترك لك فرصة لتنفك منه قبل أن يكمل حكايته ، وتمتلك قدرة فائقة على صياغة الحبكة الدرامية بكل سلاسة ، وفكها أيضا بكل سلاسة دون افتعال ، وتجمع بين التوظيف الجيد للحوار والاستخدام الجيد للمونولوج ، ولديها من الموهبة والحصيلة اللغوية الثرية ما يجعلها قادرة على التعبير البليغ عن كل المواقف ، والإمساك بناصية العبارة رغم كثرة التفاصيل والاستطرادات ، فلا تتبعثر منها الكلمات بعشوائية ولا تؤدى وظيفتها ، ودائما تحمل أعمالها رسالة وهدفا ومعنى ومغزى ، يستطيع القارئ  أن يصل إليه من وراء سردها الشفيف ، دون أن تسقط به فى المباشرة ، أو تسبح به فى تيه الغموض.

تحكى رواية " نوار الموت " عن قرية " النوار" التى كانت تنبت فى جنباتها زهرة النوار  البيضاء ذات القلب الأصفر ، كانت القرية تبدو فى موسم النوار حديقة بيضاء ، لكنها مرت بفترة عصيبة جعلت النوار لاينبت ، وحرمتها من الزائرين الذين كانوا يأتون من المدن والقرى المجاورة للاستمتاع بجمال نوارها  ونهرها ، وقد مضى وقت طويل على اختفاء النوار حتى نسيه الناس ، ولم يعد يتذكره إلا ذلك الشيخ القعيد الذى يتحدث عنه كثيرا ، ويترحم على أيامه ، ويلح فى طلبه ، وفى يوم من أيام الشتاء القارس يسقط هذا الشيخ فى منحدر ثلجى يكاد يقتله ، ولا ينقذه إلا رجل غريب " قابيل " جاء إلى القرية لائذا ، راغبا فى  أن يتطهر من آثامه وأوزاره التى تطارده.

وتأخذ رغبة التطهر هذه لدى " قابيل" طابعا عمليا ، فيعيد الحياة إلى القرية الميتة ، ينشئ فيها مشغلا للتطريز ودكاكين لبيع المشغولات واستراحات ومقاه ومراجيح ومدرسة ، وينظم رحلات بالعربات الكارو إلى المدينة المجاورة لجلب الزبائن ، وينجح فى زراعة زهرة النوار فى بيته ليهديها إلى الجد الكبير الذى مافتئ يلح  فى طلبها ، لكنه لايدرى أن هذه الزهرة تنبت ولاتزرع فإذا زرعت مات زارعها ، كما أخبرته بذلك إحدى عجائز القرية العالمة بأسرارها ، ووسط هذا النجاح يعثرعلى واحد من ضحاياه ، فيتوسل إليه كى يقتص منه ليكمل تطهره وتستريح نفسه الهائمة ، لكن الضحية يعفو عنه ويصادقه ويساعده فى مشواره ، وحينما يحين الموعد المكتوب يقطف " قابيل "  صحبة من النوار ويهديها  إلى الجد الكبير ويموت.

الرواية ـ كماترى ـ تنتمى إلى الواقعية الرمزية التى تخلق واقعا موازيا للواقع ، يحاكيه ويماثله على الطريقة المحفوظية ، فإذا كان نجيب محفوظ قد جعل من الحارة واقعا موازيا ، وأجرى فيها وعليها مايجرى فى الواقع ، كذلك فعلت نجلاء محرم فى قريتها ، واختارت لبطلها اسم " قابيل " المثقل بأول جريمة ارتكبها ابن آدم ، وعلى مدى 22 مقطعا من العزف بأوتار اللغة استطاعت أن تجمع بين فنون البوح دون اضطراب ، فهى تارة تحكى عن شخوصها ، وتارة تحكى إليهم ، تارة تحاورهم وتنصحهم ، وتارة تغوص فى أعماقهم  لتخرج مافى ضمائرهم ، وتارة تعلق على مايقولون . 

ولكى يستغرقك الواقع الروائى بالكامل وتسحرك جمالياته ، تمنحك الكاتبة بين الحين والآخر بعضا من حكمه ، فتقول مثلا : " كل شيئ راح عندما راح النوار " ، " بعض الوهم أكثر فائدة من الحقيقة " ، "ما أصعب التعامل مع أناس يصدقون أحلامهم " ، " كيف للمنبوذ أن يلج أرض الطهارة ؟ " ، " آه يادرب الرضا ، ما أجملك وما أقصرك !! ". 

وعلى هذا النحو.. يؤكد أدب نجلاء محرم قدرته على استعادة قراء الأدب.