• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

علاء طه

 أبيض وأسود

موت البُوسطجي

بقلم .... علاء طه

الجمعة 12 يوليو 2019

في نهاية روايتها الجميلة "بريد الليل"، الفائزة بالبوكر العربية لهذا العام، تكتب اللبنانية هدي بركات، التي تعيش في منافي باريس، الرسالة الأخيرة للبُوسطجي الذي كان يحب وظيفته كثيرًا، في مكان ما علي الخريطة العربية.. عاش بهجة صافية من إنتظار الناس له علي عتبات البيوت لاستلام رسائل المغتربين والعشاق من العرسان الجدد.. كان يقاسمهم الفرحة، ويقرأ الخطابات للأميين، ويشاركهم القهوة، والهدايا.

يقول البوسطجي:"كنت أميرًا في مناطقنا البعيدة. أينما توقفت دراجتي، كان حُسن الإستقبال يذهب بالناس حتَّي دعوتي إلي الأكل".. وكان يغلفه الحزن الشفاف من أن يصير كهلًا يُحال للمعاش وينساه الناس ومواعيده،  لكن الأسوأ حدث، صار موظفًا في مكتب البريد، لا يجول ولا يوزع شيئًا، بسبب الحروب والمعارك التي نزلت من السماء أو صعدت من جهنم.. الكارثة صناعة داعش، التي هرب أمام دمويتها الخلائق وماتوا علي الطرقات.. الجميع هرب، وبقي وحده مقيمًا بمكتب البريد، لا يستطيع العودة إلي بيته، مؤمنًا بأنه لن يعيش حتي تنتهي داعش.. لم يشغله سوي الرسائل التي لا تصل لأصحابها، و"الناس صاروا يعرفون أن لا أمل في وصول رسائلهم.. وربما ما عادوا يكتبون أصلًا. فحين تختفي العناوين تمامًا في المناطق المدمرة وتتصحر قرانا خالية من الناس، إلي من يكتب الواحد؟!حين تنتهي الحروب سوف يبحثون طويلًا عن أسماء الشوارع، وقد يعطونها أسماء جديدة، بحسب من ينتصر ويسيطر عليها.. صار يستمع للأغاني، ويدبر طعامه بالكاد، وبعد ان إنتهي من قراءة الرسائل فهرسها وجمعها في ملفات بعناوين وتواريخ لعل أحدًا يأتي بعد موته ويريد توصيل الرسائل.

مات البُوسطجي في العالم العربي، المريض بالدواعش، كما يموت الكُتَّاب.. وبقي الواتس آب والتواصل الإجتماعي للتعازي والنميمية والنهش وللتوجيهات والدعاية والحشد.

"لا شئ يوقظ الكراهية مثل الفقر".. هكذا كتبت أخت في الغربة في رسالة لشقيقها في السجن تفسر له أسباب تعاستها، ما بين الخدمة في الفنادق والمتعة في مخادع الأثرياء والعجائز.. وهي رسالة ضمن خمس رسائل، هي الرواية "بريد الليل" لهدي بركات، ولعرب يضيعون ما بين عواصم العالم بسبب الحروب والعوز.. يهربون من واقع أليم إلي مدن قاسية تُخيرهم ما بين الجريمة وتجارة الكوكايين وخلايا الإسلاميين الإرهابية أو الوقوع في براثن الدعارة والشذوذ.. وكم هو قاسي حال العرب!

[email protected]