هاي سليب
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. إيمان بيبرس

معركة تعيين النساء في أروقة القضاء

بقلم .... د. إيمان بيبرس

الثلاثاء 19 ديسمبر 2017

أنني اليوم لا أكتب من فراغ؛ فحقيقة الأمر التي دفعتني لأمسك بقلمي وأسطر به كاتبة مقالي الذي بين أيديكم أعزائي القراء، هو تكرار لمشهد علق في أذهانا منذ ما يقرب من 70 عامًا عندما تم رفض تعيين كلًا من السيدة/ فاطمة لاشين، والسيدة/ عائشة راتب في النيابة العامة ومجلس الدولة رغم أن الدستور آنذاك لم يتضمن مادة صريحة تنص على أن تولي هذه الوظائف القضائية مقتصرة على الرجال فقط دون النساء، وقد جاء سبب رفض تعيين كلا السيدتين بحجة أنه: "لا يوجد ما يمنع في الشرع والدستور والقانون من تعيين المرأة المصرية في القضاء إلا أن المجتمع لم يسمح بعد بوجود امرأة في هذه المهنة"؛ والآن ونحن في عام 2017 عام تتويج المرأة المصرية والاحتفاء بإنجازاتها وقدرتها على تولي المناصب القيادية، نرى تكرارًا لنفس المشهد وكأن الزمن لم يمر ومازالت العادات والتقاليد تقف حائلًا أمام تعيين خريجات كليات الحقوق بوظائف مجلس الدولة.
وقد أصابتني صدمة شديدة وخيبة رجاء، فكيف ونحن نحيا ونعيش في دولة أساسها الدستور والقانون وقائمة على مبدأ المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات نجد أن المرأة لا تحظى بمكانتها التي تستحقها في القضاء المصري؟!؛  وهو ما رأيته كارثة لا يصدقها عقل عندما تلقت جمعية نهوض وتنمية المرأة إحدى الجمعيات الأهلية التنموية المعنية بشئون وقضايا المرأة لما يقرب من 30 عامًا والتي أتشرف برئاسة مجلس إدارتها استغاثات عشرات الخريجات من كليات الحقوق من رفضهنّ للتعيين بوظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة وعدم تسليمهن ملف التقدم للوظيفة واقتصار التعيين على الذكور فقط بموجب القرار الجمهوري رقم 356 لسنة 2015. 
ولأن نساء مصر لا يعرفنّ للاستسلام طريق، فأبت خريجات كليات الحقوق الطموحات لحلم المناصب القضائية، أن يقفنّ متفرجات على حلمهن يضيع هباءًا، فقمن بتقديم تظلم بمكتب رئيس مجلس الدولة ومطالبته بإلغاء قرار امتناعه عن تسليم الملفات للخريجات وقمنّ برفع قضية للطعن على قرار عدم تعيين السيدات بوظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، وعقدت جلسة لهذه القضية خلال الفترة الماضية ولكن تم تأجيل قرار الطعن إلى فبراير 2018، أي أننا سوف ندخل في عام آخر ونحن ننتظر الحسم في قضية جيل كامل من نساء مصر.
وحقيقة القول، فإنني أتعجب من الحال الذي آلت إليه المرأة المصرية في نضالها لنيل أحد حقوقها الطبيعية التي يكفلها لها الدستور وهو أحقيتها في تقلد الوظائف القضائية سواء بمجلس الدولة أو النيابة العامة، لذا أجد يا عزيزي القارئ مجموعة من التساؤلات تفرض نفسها في هذه القضية، في حاجة لتحليل إجاباتها حتى نساند وندعم  نساء مصر من أجل الحصول على هذا الحق ووقف التمييز ضدها، فهي نصف المجتمع وشريك فعال في تحقيق تنمية البلاد ، وتأتي هذه التساؤلات كالتالي:
هل رفض تعيين المرأة في المناصب القضائية ناجم من أنهم يرون أن المرأة المصرية بعد كل هذه الإنجازات غير كفء لهذه المناصب؟!إذًا تكون الاجابة واضحة كوضوح الشمس، فكلنا لا نستطيع أن ننكر توليها مناصب قيادية موضع صنع القرار، فهي وزيرة، ونائبة برلمان، ومحافظ، ورئيسة وحدة محلية، وقاضية، ورئيسة مجلس إدارة شركات كبرى، ورئيسة تحرير جرائد قومية، وتقلدت مناصب اقتصادية هامة في البنك المركزي، هذا بالإضافة لتوليها رئاسة هيئة النيابة الإدارية، إذًا كل هذه الانجازات قد حققتها المرأة ووصلت للريادة والتميز بفضل قدرتها في تحدي وتذليل العقبات وكفائتها في شغل هذه المناصب وإدارة كيانات ومؤسسات وإصدار الأحكام والقرارت، فبعد كل هذا هل يوجد معيار أخر للقدرة والكفاءة يمنع المرأة من تقلد الوظائف في الهئيات القضائية؟!.
في حين إذا تم مقارنة وضع المرأة العربية في المجال القضائي بنظيرتها في مصر سنجدها في أفضل حال مما تكن عليه المرأة المصرية التي تصل نسبة تمثيلها في القضاء نصف%، بالمقارنة بنسبة الرجال التي تصل إلى 99.5% في حين تصل نسبة القاضيات في تونس 40%، وفي لبنان 50%، وفي المغرب 25%، وفي الأردن 17%، وفي الجزائر 42%، وفي ليبيا 40%.
إذًا كيف يكون القضاء هو الخصم والحكم في ذات الوقت؟! ففي هذه القضية نجد أن الجهة التي من المفترض أنها تحقق العدل للمرأة هو القضاء وهو في الوقت نفسه الجهة التي تمنع تعيين السيدات في العمل في مجلس الدولة والنيابة العامة ، أي أنه هو القاضي والجلاد ، لذا ينبغي ضرورة الإسراع في إقرار مفوضية مناهضة التمييز من قبل مجلس النواب كأحد الاستحقاقات الدستورية، بالإضافة إلى إنشاء دائرة موضوعية بالمحكمة الدستورية العليا لنظر تلك القضايا والتي يكون فيها الخصم "هيئة قضائية" وفي هذه الحالة سنكون في حاجة إلى تعديل تشريعي في قانون المحكمة الدستورية.
وأخيراً؛ هل سيتم الحكم في هذه القضية في وقت وجيز ، أم سيأخذ سنوات في أروقة القضاء؟!فكلنا نلمس بطء إجراءات التقاضي في المحاكم المصرية ، فضلًا عن حالة النضال والقلق التي تخوضها نساء مصر في الحصول على أبسط حقوقهن التي كفلها لهن الدستور في التعيين بالهئيات القضائية ، فكل هذا يعد اهدار لقيمة الوقت ويقف حائل في مستقبل هؤلاء الفتيات اللاتي لا يسعن غير للحصول على حقوقهن.
وختامًا عزيزي القارئ؛ بصفتي مصرية وطنية تناضل من أجل حقوق المرأة، وبإسم كل امرأة وخريجة كلية حقوق تناضل من أجل حقها الدستوري في تولي المناصب التي تستحقها ، أناشد القيادة السياسية وكافة المسئولين المعنيين بالقضية بضرورة التدخل السريع في العمل على فتح المجال أمام السيدات لتقلد المناصب القضائية، لتمكينهن ونيل استحقاقاتهن الدستورية والإنسانية على حد سواء، لما يحمله هذا من تقدير لكفاءة المرأة وتعزيز مكانتها وحقها في تولي مناصب قضائية، لأن الحقوق لا تمنح بل تنتزع غلابا.

خبيرة دولية في قضايا النوع الاجتماعي والتنمية الاجتماعية
وخبيرة في تطبيق التنمية المستدامة في المناطق العشوائية