هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

مع الصادق المهدى


هو سياسي سودانى ومفكر عربى مرموق ، يجمع بين العلوم الدينية والعلوم المدنية ، بين الأصالة والمعاصرة ، بين ثقافة الشرق والغرب ، تخرج فى جامعة أكسفورد البريطانية العريقة ، وعاد إلى بلاده ليصبح إمام جماعة الأنصار " الدعوة المهدية " وزعيم حزب الأمة ، تولى رئاسة الوزراء مرتين بانتخابات نزيهة خلال فترتين ديمقراطيتين قصيرتين فى تاريخ السودان الحديث ، الأولى لمدة عام واحد من 1966 إلى 1967 وكان عمره 31 عاما ، والثانية من 1986 عقب الثورة على جعفر نميرى وتخلى سوار الذهب عن السلطة إلى 1989 عندما قام عمر البشير بالانقلاب على التجربة الديمقراطية الناشئة.

 التقيت به مرة واحدة خلال إحدى زياراته لمصر خلال الفترة الثانية له فى السلطة ، عندما كانت القاهرة تستقبل فى قصورها الرسمية الرؤوس السودانية الثلاثة : أحمد عثمان الميرغنى رئيس الدولة ، والصادق المهدى رئيس الحكومة ، وحسن الترابى زعيم المعارضة ، وكان مما سجلته عن المهدى آنذاك أنه منظم الفكرعميق الفكرة ، بليغ التعبير صادق الرأى واضح الرؤية ، وعلى المستوى الشخصى رجل ودود دمث الخلق ، واسع الصدر متواضع ، حريص على الالتزام بالزى الأصيل رغم إحاطته بمستحدثات الحضارة المعاصرة. 

ويمثل السيد الصادق المهدى بالنسبة لى أحد المجددين المعتبرين فى الفكر الإسلامى عن علم وبصيرة ، وبمنهج وسطى لاتطرف فيه ولا تفريط ،  إلى جانب أنه مدافع كبيرعن الديمقراطية والحرية ، ومناصر للدولة العربية الحديثة فى مواجهة تيارات الإرهاب والفوضى والهدم ، وله كتاب مهم عن " الدين والدولة " ، وهذا يكفى كى أتابع باهتمام مايكتب وما يقول ، وأفيد مما يقدم من أطروحات ، سواء اتفقت معه فيها أو اختلفت.  

مؤخرا قرأت ملخصا لمحاضرة ألقاها فى مؤتمر بحثى بعنوان " أزمة الدولة العربية ومستقبل النظام الإقليمى فى الشرق الأوسط " ، سجله الكاتب محمد عبدالعاطى ، ووجدت فيه مايحض على التفكير ويحرض على المثاقفة ، وكان من أهم ماقاله فى هذه المحاضرة أن الإسلام لم يأت بنظرية فى الحكم ولم يفرض تصورا لشكل الدولة ، وأن نظام الحكم فى الإسلام أيا كان اسمه هو اجتهاد بشرى خاضع لتطورات الزمان والمكان ، وما قاله الخوارج فى هذا الصدد حينما أولوا " إن الحكم إلا لله " على أنها الإمارة هو تأويل خاطئ ، ومن تبعهم فى تأويلهم مثل أبو الأعلى المودودى وسيد قطب أخطأوا أيضا ، ذلك لأن الآية تشير إلى التشريع وليس الإمارة ، وخلص من ذلك إلى أن نظام الحكم شأن بشرى مايعنى إمكانية استصحاب نظام الدولة الوطنية إذا أرادت الشعوب ذلك. 

وبعد هذه النتيجة قدم بعض المقترحات والتوصيات العملية للتصدى لأزمة الحكم والدولة العربية منها : 

1ـ ضرورة البدء بصحوة فكرية تقرأ تاريخ أمتنا قراءة موضوعية غير أسطورية.

2ـ الخلافة الإسلامية اجتهاد بشرى ، وما فيها من دمج السلطات واشتراط الأنساب والركون للتغلب لايدفع لإحيائها.

3ـ تحت شعارى " الحاكمية لله وتطبيق الشريعة " ارتكبت تجاوزات أدت لمفاسد دعمت حجة المطالبين بإبعاد الإسلام عن الشأن العام ، وهى حجة لم تزدها تجربة داعش إلا مزيدا من القوة. 

4ـ الدول التى حكمت المسلمين كانت فى غالب فترات التاريخ دولا استبدادية مهدرة لمبادئ ومقاصد الإسلام السياسية كالشورى والعدالة ، وممارسات الحكام كانت فى الغالب أقرب  إلى الممارسات الكسروية والقيصرية منها  إلى مبادئ الإسلام السياسية. 

5ـ لاتوجد نصوص وحى قطعية تلزم بخليفة واحد جامع لكل السلطات وحاكم للأمة ، ولا توجد نصوص قطعية تلزم بإمام واحد معصوم حاكم للأمة ، والتجارب التاريخية فى هذا المجال لاتدفع للاقتداء بها ، والنهج الصحيح هو عدم النظر للرابطة الوطنية ( الدولة الوطنية ) باعتبارها مضادة لفكرة الولاء للأمة الكبرى ، بل تعتبر الرابطة الوطنية صالحة فى حدودها ، قابلة للتوسع بالتراضى.

6ـ الشعوب فى البلاد الإسلامية عامة والعربية خاصة تعانى من استقطاب حاد بين فئة صغيرة ثرية ثراء فاحشا وأكثرية كبيرة فقيرة فقرا مدقعا ، والمطلوب إدراك هذه الحقائق الاجتماعية والتركيز قطريا على تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية والعمل على إقامة مشروع تضامن " مارشالى" للتعاون التنموى. 

7ـ فيما يتعلق بالعلاقة بين السنة والشيعة حاليا فإنه من المطلوب الاعتراف المتبادل بأن الجميع أهل قبلة والكف عن التكفير المتبادل على أساس مذهبى ، وحرية الحوار مع بعضنا بعضا بالتى هى أحسن ، والتخلى التام عن لغة التراشق الأموى والصفوى بروافض ونواصب ، وكفالة حقوق إيمانية وحقوق مواطنة كاملة للشيعة فى بلاد السنة وللسنة فى بلاد الشيعة. 

8ـ ينبغى التخلص نهائيا من الفهم العدوانى للولاء والبراء ، فليس علة القتال فى الإسلام اختلاف الملة بل العدوان. 

9ـ النظام الدولى الحالى اشترك فى تصميمه 51 دولة فى فترة مابعد الحرب الأطلسية الثانية ، وهو نظام تنقصه العدالة والتوازن ، ولابد من مراجعته على أساس الإحاطة بالمستجدات. 

10ـ لكى يوجد نظام إقليمى فى الشرق الأوسط لابد أن يعتمد اعتمادا أساسيا على تحقيق دول المنطقة العربية قواعد الحكم الرشيد ، ولكن إذا تقاعست فسوف تستهلكها النزاعات الطائفية والاجتماعية وتستغلها القوى الإقليمية والدولية وتعمل على تشطير المنطقة لمناطق نفوذ ومصالح ، وسيكون حالنا كما عبر عنه الشاعر : من رعى غنما فى أرض مسبعة ، ونام عنها تولى رعيها الأسد.

فى الأسبوع القادم إن شاء الله أقدم بعض ملاحظات حول هذا الطرح ، وأرحب بمشاركاتكم على الإيميل المرفق ، أو على صفحتى بالفيسبوك.