هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

مع الصادق المهدى 2

 

لم يفرض الإسلام شكلا معينا لنظام الحكم كما قال السيد الصادق المهدى فى المحاضرة التى قدمت ملخصا لها فى هذه الزاوية الأسبوع الماضى ، لكنه قدم القواعد الأساسية التى يقوم عليها نظام الحكم أيا كان المسمى الذى يحمله ( الخلافة ، السلطنة ، الإمارة ، المملكة ، الجمهورية ) ، وفى هذا تأكيد لمبدأ الصلاحية  لكل زمان ومكان ، فشكل النظام متغير ومرتبط بالتاريخ والجغرافيا ودرجة النضج الفكرى والسياسى ، لذلك يترك للاجتهاد البشرى ، أما أصول الحكم وقواعده الأساسية فمعلنة للكافة وثابتة ، ومن السهل التأكد من وجودها أو افتقادها .

وتأتى الشورى على رأس هذه القواعد ، فدولة الإسلام هى دولة الشورى ، يقول تعالى " وشاورهم فى الأمر " ، ويقول " وأمرهم شورى بينهم " ، والشورى لكل الناس الذين يهمهم الأمر ، والناس أحرار فيما يقبلون ويرفضون ، ترسيخا لمبدأ " الشعب مصدر السلطات " ، وهو أمر لم تكن تعرفه نظم الحكم السائدة وقت ظهور الإسلام ، كما أن دولة الإسلام هى دولة العدل المطلق مع الناس جميعا ، العدل مع كل أحد وفى كل شيء ، بصرف النظر عن اختلاف العقائد والأعراق ، ثم هى الدولة التى تلتزم حدود الله وشريعته . 

 والهدف من هذه القواعد صيانة المجتمع وتحسين سبل الحياة وتوفير الأمن والسلام لكل من يعيش تحت لواء الدولة ، ليس هناك أسرار ولا كهنوت فى غرفة القيادة ، والحاكم شخص عادى ليس له قداسة ، يختاره الناس بكامل إرادتهم من خلال البيعة قديما والانتخابات حديثا ، فإن لم يتحقق ذلك خرج النظام من الإسلام إلى الاستبداد .

 وماذكره الصادق المهدى فى محاضرته عن عدم صلاحية الخلافة اليوم كنظام حكم صحيح تماما ، لكن كثيرا ممن يتحدثون عن الخلافة لاينظرون إليها كنظام حكم وإنما كمؤسسة جامعة للأمة ، تقوم على ربط الدول الإسلامية معا لتوحيد كلمتها وتحقيق مصالحها على نمط الاتحاد الأوروبى ، وليس دمجها فى دولة واحدة يحكمها خليفة واحد يجمع فى يده كل السلطات ولا يسأل عما يفعل.

 الخلافة الراشدة بدأت على النهج الإسلامى الصحيح بالشورى والمبايعة ، ثم جاء بعد ذلك من حاد عن الطريق وجعل الحكم ملكا عضوضا جريا على سنة الفرس والروم وليس على سنة الإسلام ، لكن هذا التحول لم يمر سهلا أو مجانا  ، بل دفعت فيه دماء ذكية لشهداء أحرار فى مكة والمدينة وكربلاء ، ورغم ذلك خرج فى تاريخ المسلمين حكام كانوا مضرب المثل فى تطبيق الشورى والعدل والرضوخ لكلمة الشرع ، وهؤلاء من يقاس عليهم حين نتحدث عن مبادئ الإسلام السياسية.

أما داعش فليست نموذجا للخلافة المعاصرة ، داعش منظمة إرهابية نشأت على يد المخابرات الأمريكية والغربية من العناصر الأكثر تخلفا لتكون واجهة منفرة للإسلام ، وليس من الصواب التسليم بأنها حجة على الإسلام وشريعته ، ويجب الانتباه عموما إلى حرص الإعلام الغربى على تسويق النماذج المتطرفة والإرهابية كداعش باعتبارها الممثل الشرعى للإسلام ، كى تغذى الرأى العام بما يبرر له نبذ الإسلام وكراهيته وحصاره.

تلك ملاحظاتى على بعض ماجاء فى محاضرة الصادق المهدى ، كما قدم بعض أصدقائى تعليقات مهمةعلى الوصايا العشر التى حددها سبيلا للتصدى لأزمة الحكم والدولة العربية ، وهذه ادأهم التعليقات حسب ورودها : 

ـ الكاتب الصحفى هانى عمارة : المهدى يطرح فى إيجاز بليغ مشروعا مكتمل الأركان للخروج من الأزمات التى تعيشها الأمة. 

ـ الدكتور فؤاد قرطام : طرح مهم يعكس رؤية المفكر والسياسى الصادق المهدى للديمقراطية والعدالة والحرية والحاكمية ، وكيفية إيجاد نظام إقليمى شرق أوسطى يعتمد على قواعد الحكم الرشيد ، لكن هل تتحقق هذه الأمنية فى ظل النزاعات بين الدول بل بين الأفراد والأحزاب والطوائف والمذاهب فى الدولة الواحدة ؟ 

ـ الدكتور محمد محمود السيد : الصادق المهدى كلامه مرتب وواقعى ، واجتهاده عقلانى فى إطار شرعى ، لكن من قال إن المودودى وقطب فسرا " إن الحكم إلا لله " على أنه الإمارة ، لم أستشعر هذا من خلال قراءتهما ، فالمودودى فى كتابه " الحكومة الإسلامية " يقول كل ماقاله  الصادق المهدى عن انحرافات نظم الحكم بعد الخلافة الراشدة ، إذن  القراءة الأسطورية للتاريخ الإسلامى وهم غير موجود . وباقى أطروحات الصادق المهدى تناولها الكثيرون وليست جديدة ، مثلا التقريب بين الشيعة والسنة مطروح منذ أكثر من ثمانين عاما ، وأنشئت له مؤسسات تحت إشراف الإمام شلتوت والسيد حسين فضل الله وغيرهما ، وكذلك مسألة الخلافة التى لم تعد تعتمد نظاما حتميا . لاأرى جديدا فى طرح المهدى إلا أنه خارج من قيادة تاريخية صوفية لها ثقلها الفكرى ، وأيضا بلورة الفكرة بهذا الوضوح تستحق الإشادة. 

ـ الكاتب الصحفى موسى حال : ليست كل الخلافات الإسلامية استبدادية ولكنها كما قال العلامة السنهورى خلافة إسلامية ناقصة ، والشعوب الإسلامية فى الماضى لم يكن يعنيها من بحكم بل من يحافظ على الدين والأرض ويحقق العدالة الاجتماعية. 

ـ الكاتب الصحفى عبدالمنعم السلمونى : طرح جيد لقضية شائكة من خلال شخصية الصادق المهدى ، لكن الحقيقة المؤلمة كما قال أنه " تولى رعيها الأسد ".

ـ الكاتب الصحفى عبدالله عبدالسلام : الصادق المهدى مفكر وزعيم دينى من العيار الثقيل ، لكنه على المستوى السياسى متذبذب للأسف ، وتتباين مواقفه فى الحكم عن مواقفه فى المعارضة ، وموقفه من البشير وحكمه تسلب منه ولا تضيف.