هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

آخر الأسبوع

مصر تكتب تاريخاً جديداً

أكدت التطورات الأخيرة في السودان وليبيا. ورد الفعل المصري السريع والحاسم تجاهها. كيف كان مهماً. بل ومُلهماً لأقصي درجة. أن تكون مصر السيسي علي رأس الاتحاد الأفريقي في هذه اللحظات الحاسمة من حياة أفريقيا واتحادها. وحياة شعبي السودان وليبيا. وحياة مصر نفسها. 

إن صعود مصر لقيادة الاتحاد الأفريقي هذا العام. وهو المنظمة الدولية التي تضم في عضويتها كل دول القارة الأفريقية. يبدو الآن ــ في ضوء هذه التطورات. واستجابة مصر لهاــ مزيج من الاختيار أو قل التوفيق الإلهي. والاجتهاد السياسي البشري. 

ولعل القمتين اللتين قادهما الرئيس السيسي في القاهرة أول أمس. وما صدر عنهما من بيانات حول تطورات البلدين الشقيقين هما خير دليل علي ذلك. 

تطورات أحداث السودان وليبيا. في مجملها. ودون دخول في تفاصيل توصيفها. عبارة عن: 

* حركة شعبية جماهيرية واسعة في السودان تطالب بالتغيير. انحاز لها الجيش السوداني الوطني. عندما تأكد له أنها تعبر عن إرادة جموع الشعب التي لا يمكن ردها. 

* حركة عسكرية في ليبيا. قام بها الجيش الوطني الليبي. بمساندة شعبية. للقضاء علي الإرهاب المدعوم من الخارج. وميليشياته المسلحة في العاصمة طرابلس غرب البلاد. وحماية آبار النفط ومنشآته. وإنقاذ ليبيا من مخططات التقسيم. 

السودان وليبيا. كما هو معروف. من أهم وأكبر وأغني دول القارة الأفريقية. وهما دولتا جوار لمصر وامتداد ــ بالجغرافيا والتاريخ ــ لأمنها القومي. وكان من الطبيعي أن تثير تطورات الأحداث فيهما ردود فعل. سواء علي مستوي القارة. أو من المجتمع الدولي. أو من مصر بذاتها أو بصفتها رئيساً للاتحاد الأفريقي. 

بالنسبة لأحداث السودان. معروف أن هناك حساسية تاريخية علي مستوي القارة الأفريقية تجاه التحركات العسكرية في دول الاتحاد الأفريقي. جعلت الاتحاد يتعامل مع هذه التحركات بمعيار أحادي أوحد. يعتبرها عدواناً علي الدولة المدنية. دون تفرقة بين أن تكون هذه التحركات انقلاباً عسكرياً بهدف الاستيلاء علي السلطة. أو أن تكون انحيازاً واستجابة مشروعة لإرادة شعبية ظاهرة وموثقة. 

وقد عانينا نحن في مصر من تطبيق هذا المعيار الأحادي علينا عام 2013. عندما انحاز الجيش إلي إرادة الشعب في 30 يونيو لتخليصه من حكم الجماعة الإرهابية. فقد أشهر الاتحاد الأفريقي في وجه مصر وقتها بطاقة تجميد عضويتها به. واحتاجت مصر وقتاً طويلاً. وجهداً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً لشرح خلفيات ما جري فيها. وإقناع الاتحاد بعدم صواب تقييمه الأوَّلي لتطورات الأحداث فيها. حتي تجحت. ليس فقط في استعادة تنشيط عضويتها بالاتحاد. بل وتولي قيادته أيضاً. 

لقد كاد هذا الموقف أن يتكرر مع السودان الشقيق منذ اليوم الأول لانحياز الجيش السوداني بشكل علني وعملي لإرادة الشعب في التغيير. وصدر بالفعل البيان التقليدي المتعجل من مقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا. بإدانة هذا التحرك. توطئة للتعامل معه كانقلاب عسكري.. لولا مصر السيسي. 

وبالنسبة لأحداث ليبيا. أثار تحرك الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر تجاه العاصمة طرابلس غرب البلاد ردود فعل واسعة وسريعة. ولكن هذه المرة علي المستوي الدولي. وليس الأفريقي. خاصة بعد أن كشف هذا التحرك بالأدلة الدامغة تورط أطراف خارجية علي رأسها تركيا وقطر في دعم الميليشيات الإرهابية بالمال والسلاح خلال مواجهتها الجيش الوطني. 

وشهدت أروقة مجلس الأمن الدولي محاولات مستميتة من دول كبري لاستصدار قرار بإدانة التحرك. والمطالبة بوقفه فوراً بما يعني إجهاضه.. لولا مصر السيسي ومساعدة روسيا التي منعت صدور القرار بتلك الصيغة الأحادية. 

انظر كيف تحركت مصر السيسي عملياً في الموقفين. 
لقد كان عنصر الوقت مهماً للغاية في ضرورة أن يكون التحرك سريعاً. وفعالاً. وعلي مستوي القمة. حتي يكون قادراً علي اتخاذ قرارات مباشرة ونافذة. وهو ما فعلته مصر. 

بادر الرئيس السيسي للدعوة إلي قمتين في القاهرة في يوم واحد: 
* قمة تشاورية للشركاء الإقليميين للسودان بمشاركة زعماء وممثلي 12 دولة أفريقية. فضلاً عن مفوضية الاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيجاد". 

* قمة الترويكا ورئاسة لجنة ليبيا بالاتحاد الأفريقي. 

ورغم ضيق الوقت. كانت استجابة الأطراف للدعوة سريعة. وعلي مستوي القمة. وهو أمر كنا. ومازلنا. نحسد الاتحاد الأوروبي عليه. إذ يستطيع عقد قمة لكل أو بعض دوله خلال 48 ساعة. كما كناــ ومازلناــ نتمناه لجامعة الدول العربية.. هذا درس مهم نحتاج إلي استيعابه والعمل علي الاستفادة به. 

ما الذي عبَّرت عنه مبادرة مصر السيسي إلي الدعوة للقمتين. في إطار الاتحاد الأفريقي الذي ترأس دورته الحالية؟! 
المغزي والهدف هو أن يأخذ الاتحاد الأفريقي بيده زمام مشكلات قارته. ويتولي تسويتها وإيجاد الحلول المناسبة لها. بعيداً عن أي تدخلات خارجية أو إرادات غير أفريقية. 

هذا درس سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية. نفتقده للأسف في معالجة قضايانا العربية. حيث تتقرر مصائر دول عربية أعضاء في جامعة الدول العربية خارج الجامعة. وعلي يد أطراف غير عربية. 

درس ثالث.. إن المعتاد في مثل هذه الأحوال. أن تعقد أي قمة رئيسية أو فرعية. لمنظمة إقليمية أو قارية أو عالمية. في دولة المقر لهذه المنظمة. أي في أثيوبيا بالنسبة للاتحاد الأفريقي. 

لكن مصر السيسي عرضت أن تستضيف القمتين علي أرضها. باعتبارها جزءاً من مسرح الأحداث في البلدين الجارين الشقيقين.. السودان وليبيا.. ووافق قادة الدول المدعوون علي ذلك بالإجماع. 

كانت فرصة ذهبية لكي تشرح مصر تطورات الأحداث. وأن تعرض رؤيتها للحاضر. وما ينبغي أن يكون عليه المسار في المستقبل دعماً لإرادة الشعبين. وتحقيقاً لتطلعاتهما المشروعة. 

ومن يقرأ الخطابين اللذين ألقاهما الرئيس السيسي أمام القمتين. وهما مصاغان ببراعة سياسية فائقة. سيجد أن مصر أرست فيهما مجموعة من المبادئ الجوهرية اللازمة للتعامل مع مشكلات دول القارة. بحرص بالغ علي مصالح ومصائر هذه الدول والشعوب. وفي إطار من الشرعية الدولية. 

ولذلك. جاء البيانان الختاميان الصادران عن القمتين ترجمة دقيقة لما احتواه الخطابان الرئاسيان. 

ولذلك أيضاً. كان من الطبيعي أن تتلقي مصر. وتتلقي القمتان كل الشكر والامتنان من السودان وليبيا. فقد رفعت عن كاهل التحركين المشروعين فيهما أعباءً. وفككت قيوداً. وأتاحت قدراً ضرورياً من المرونة والتوازن في التعامل معهما. ودعت المجتمع الدولي كله لذلك. 

مصر. برئاستها للاتحاد الأفريقي. وفي أول اختبار عملي لقيادتها له في مواجهة وضعين شديدي الحساسية. وضعت منهاجاً جديداً سوف يسهم في تفعيل الاتحاد وتقوية آلياته. وجعله ساحة للاحتواء الإيجابي لأعضائه.