هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

والسلام ختام

مدرسة ماما عصمت الصحفية!!

عندما كرمتها نقابة الصحفيين واحدة من أهم الرواد في العمل الصحفي لم تحضر حفل التكريم لمرضها.. فقررنا نحن أبناءها وتلاميذها أن نزورها في بيتها لنحتفل معها ونسلمها درع النقابة.. لكن الأجل لم يمهلنا أو يمهلها.. وفجأة اشتد عليها المرض.. ثم فارقتنا إلي الأبد ورحلت عنا عصمت حامد.. أو بالأصح ماما عصمت.. أمنا.. وأستاذتنا وصاحبة مدرسة عصمت حامد الصحفية الإنسانية..!! 

كثيرون من هذا الجيل لا يعرفون من هي عصمت حامد.. حتي من شباب الصحفيين أنفسهم لأنهم لم يحالفهم الحظ ليتعلموا منها وينهلوا من أستاذيتها وإنسانيتها التي حالفنا الحظ لنكون الجيل الذي تعلم في مدرستها ومن زملائها في هذه المدرسة أساتذة كبار علمونا بصدق وإيمان وإخلاص فكانوا قدوة بحق وآباء وأمهات بصدق وأساتذة مخلصين.. غير أن ماما عصمت بالذات امتازت بأمر لم يشاركها فيه أحد وهي حنان الأم وصدق المشاعر مع الجميع. 

لم يكن حظي مثل غيري من أبناء جيلي الذين تتلمذوا في مدرستها من البداية.. غير أنني كنت من أبناء العدد الأسبوعي لجريدة "الجمهورية" التي أشرفت فيه علي قسم التحقيقات.. وامتدت أمومتها لتشمل كل العدد الأسبوعي ثم "الجمهورية" بل المؤسسة. 

نموذج فريد من التعامل الإنساني قبل الأستاذية المهنية.. تشعر معها بصدق الإحساس وحنان الأم وإخلاص الأخت. 

عندما وصلت لسن المعاش وتركت الجريدة لم تنقطع صلتها بنا.. تدعمنا.. تنصحنا.. تتابع أحوالنا.. كنا أربعة نحرص كل الحرص علي زيارتها في يوم مولدها وعيد الأم وفي رمضان.. فجأة وبلا مقدمات رحل عنا جمال كمال مدير التحرير السابق رحمه الله.. وكانت صدمة كبيرة.. لم نستطع بعدها أن نفيق إلا وهي تطالبنا بزيارتها..وبعد فترة أخري رحل عنا محمود نافع رحمه الله رئيس تحرير الجمهورية السابق.. وكانت الصدمة أكبر لم أستطع بعدها أن أزورها..ثم رحلت سمية أحمد.. يومها اتصلت بي ماما عصمت وقالت تركوني وحدي هكذا واحداً بعد الآخرلم تستطع أن تتكلم وانهارت في بكاء شديد كان فراق الثلاثة صعباً للغاية عليها وعلي كاتب هذه السطور فأنا كنت رابعهم.. حتي كانت الصدمة الرابعة.. ورحلت عنا ماما عصمت لحقت بأحبتها وهم كثيرون..لم يتحمل قلبها صدمات الرحيل المتتالي لمن تحبهم.. وتركتنا لتكون معهم عند الغفور الرحيم الحليم الكبير.. ولم يعد في هذه المجموعة غيري.. لأعيش وأنا حزين بين ذكريات لم تنقطع وحكايات مازلت أعيش أنفاسها وتفاصيلها الصغيرة..!! 

قد يقول قائل: وما دخل القارئ بهذه الحكاية الخاصة؟ الحقيقة أنه درس من مدرسة عصمت حامد مهم للجميع..!! 

العلاقات الإنسانية هي الأهم.. فلا تشغلنا الحياة وتفاصيل العمل عن الإنسان.. لم تعش لنفسها.. انشغلت بكل من حولها فأحبوها وأحبتهم.. هذا هو الدرس الأول في مدرسة ماما عصمت. 

الحب عندها لم يكن مجرد كلمات تقولها أو يقولها لها الآخر.. بل كان الحب عطاء وصدقاً وإخلاصاً الحب تواصل وفكر ومساعدة دون طلب.. لا تنتظر لكي يطلب منك أحدهم شيئاً مادمت تستطيع أن تساعده وتمد له يد المعاونة. 

الدرس الثالث في مدرسة ماما عصمت هو تواصل الأجيال وتواصل العلم والتعلم.. لم تبخل بشيء علي أي منا.. علمتنا فن الحياة قبل فنون الصحافة.. كانت تساعدنا في أدق التفاصيل دون أن نطلب تواصل الأجيال وامتداد المدرسة هو العنوان الأساسي لحياتها. 

الدرس الرابع في مدرسة ماما عصمت هو كلمة الحق مهما كانت دون مواربة ودون مجاملة كلمة الحق الصادقة بهدوء وأدب واحترام وبلا هجوم أو انتقاد لاذع.. بل كلمة الحق لصالح الجميع ودفاعاً عن الحق وحده بلا شخصنة للأمور!! 

الدرس الخامس في مدرسة ماما عصمت هو أنه لا توجد مشكلة بلا حل.. مادمنا علي قلب واحد ولدينا النية والرغبة الصادقة في مساعدة بعضنا البعض فلا توجد مشكلة.. لو أن كل شخص ساعد حتي بمساعدة بسيطة جداً.. فإن المشكلة سيتم حلها بسهولة ومع الاحتفاظ بماء وجه صاحب المشكلة..!! 

الدرس السادس هو الاحترام المتبادل.. كانت تحترم الجميع فاحترمها الجميع.. الصغير قبل الكبير له احترامه وتقديره وشخصيته تساند.. تدعم.. تقف معه حتي أمام أي كبير!! 

الدرس السابع المهنية والاحتراف في الصحافة مباح ومتاح لمن يريد.. لا فرق بين صحفي وصحفي سوي في الاجتهاد والالتزام.. كانت أكبرنا وأكثرنا مهنية لكنها لا تتكبر علي أي عمل صحفي مهما صغر.. بل وتكلف الشباب الصغير بأعمال كبيرة وتساندهم وتعلمهم.. إنها ببساطة أم حقيقية في بلاط صاحبة الجلالة. 

الدرس الثامن في مدرسة ماما عصمت هو العمل الجماعي بحب وصدق يحقق أفضل النتائج أما الأنانية والفردية مهما كان تميزها فإن عمرها قصير. 

تاسع الدروس أن روح الأسرة والحب لا يتوقف عند مكان.. بل يمتد ليخلق روحاً عامة تساعد علي النجاح.. الأشياء البسيطة.. والمساعدات الصغيرة واللمسات الصغيرة جداً تحقق صدقاً وإخلاصاً وتثبت أن هناك أسرة حقيقية تجمعنا شعارها هو الحب.. ولا مكان لكراهية أو حقد أو حسد..!! 

الدرس العاشر وهو ليس الدرس الأخير في مدرسة ماما عصمت الصحفية كان مهنياً حيث كانت تسبق جيلها بأفكار صحفية ومهنية وتتابع كل جديد خارج الصحافة العربية وتمصرها بشكل رائع..فكم من قضايا سياسية وإنسانية واجتماعية فجرتها قبل غيرها بكثير.. سبقت جيلها مهنياً.. وسبقت غيرها إنسانياً.. علمتنا الحب والتسامح والصدق والإخلاص.. زرعت في جيلنا أشياء جميلة يفتقدها الشارع الصحفي الآن.

رحلت عصمت حامد.. لكنها لم تغادرنا لأنها مازالت فينا.. ومازالت في قلوب من عرفها لكن الأهم أنها كانت مدرسة تعلم منها الكثيرون ومازالت برغم رحيلها وابتعادها لسنوات عن العمل الصحفي بفعل فاعل.. مازالت مدرستها مفتوحة تستقبل أجيالاً وأجيالاً وتمنحهم حباً وعلماً وصدقاً..! 

رحم الله عصمت حامد.. أو بالأدق ماما عصمت كما كانت تحب أن نناديها..وجزاها الله خير الجزاء علي ما قدمت. 
اللهم إنها ضيفك وأنت الكريم العظيم تكرم ضيفك فأكرمها بفضلك وكرمك وعظمتك وأدخلها مدخل صدق واجعل الجنة منزلها يارب العالمين.. اللهم اقبلها في عبادك الصالحين يارب.