هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

مجرد كلام

مخ الرجل ومخ المرأة

 

الحديث عن مخ الرجل ومخ المرأة، والفرق بين القدرات الإدراكية لكل منهما، ربما بدأ منذ بداية وجود الإنسان على الأرض. ولا شك في أن هناك تحيزًا للرجال فيما يتعلق بهذا الأمر، فهل هناك فارق بالفعل بين آدم وحواء في القدرات الذهنية؟؟ وهل مخ الذكر يختلف عن مخ الأنثى؟؟

بدأ العلماء يبحثون الفروق في أدمغة الجنسين خلال القرن التاسع عشر على الأقل، عندما ملأ العالم صمويل جورج مورتون الجماجم بالحبوب وطلقات الرصاص لقياس أحجامها. ووجد جوستاف لوبون أن أدمغة الرجال عادة ما تكون أكبر من أدمغة النساء، مما دفع البعض إلى القول بأن هذا الاختلاف في الحجم يجعل الرجال أكثر ذكاءً. لكن المفكر جون ستيوارت ميل قال إنه، وفقًا لهذا المعيار، ينبغي أن تكون الأفيال والحيتان أكثر ذكاءً من البشر!!

من هنا اتجه الاهتمام إلى بحث الأحجام النسبية لمناطق المخ. رأى بعض العلماء أن جزءًا من المخ موجود فوق العينين، ويسمى الفص الجبهي، هو الأكثر أهمية للذكاء وهو أكبر نسبيًا عند الرجال، في حين أن الفص الجداري، الموجود خلف الفص الأمامي مباشرة، يكون أكبر نسبيًا عند النساء. وفي وقت لاحق، جادل علماء التشريح العصبي بأن الفص الجداري أكثر أهمية للذكاء وأنه أكبر لدى الرجال بالفعل.

في القرنين العشرين والحادي والعشرين، أخذ الباحثون يفتشون عن خصائص مميزة للإناث أو الذكور في تقسيمات الدماغ الأصغر أو المخيخ.

لكن تم اكتشاف أكبر الاختلافات بين الجنسين وأكثرها اتساقًا في منطقة ما تحت المهاد "الهيبوثلاموس" hypothalamus، وهي نسيج صغير يتولى مهمة تنظيم وظائف الأعضاء التناسلية وسلوك الإنجاب.

كان هدف الباحثين هو التعرف على أسباب الاختلافات المفترضة بين الجنسين في القدرة على التفكير ـوليس فقط علم وظائف الأعضاء التناسلية -وبالتالي تحول الانتباه إلى المخ البشري الكبير، المسؤول عن الذكاء.

وفي أبحاث الفروق بين العرق والجنس، لم تحظ أي منطقة في المخ باهتمام أكبر من "الجسم الثفني"، وهو شريط سميك من الألياف العصبية ينقل الإشارات بين نصفي المخ، الأيمن والأيسر.

وجد بعض الباحثين أن الجسم الثفني بأكمله أكبر نسبيًا لدى النساء في المتوسط العام، ​​بينما وجد البعض الآخر أن أجزاء معينة فقط هي الأكبر. وجذب هذا الاختلاف انتباه العلماء واقترحوا أنه يسبب اختلافًا في القدرات الإدراكية بين الجنسين.

لكن اتضح أن الأدمغة الأصغر لها جسم ثفني أكبر نسبيًا بغض النظر عن جنس صاحبها، وهذا هو السبب في أن محاولة تفسير الفروق المعرفية المفترضة بين الجنسين من خلال تشريح الدماغ لم تكن مثمرة.

ومن خلال التصوير بالرنين المغناطيسي لأكثر من 1400 دماغ، لقياس مناطق الدماغ البشري العشر التي تتميز بأكبر متوسط ​​للاختلافات بين الجنسين، اتضح أن كل شخص كان عبارة عن فسيفساء مستقلة بذاتها.

في عام 1959 أثبتت دراسة، لأول مرة، أن حقن هرمون التستوستيرون في القوارض الحوامل يجعل ذريتها الإناث تظهر سلوكيات جنسية ذكورية عند البلوغ. واستنتج المؤلفون أن هرمون التستوستيرون السابق للولادة (الذي تفرزه خصيتا الجنين عادة) "ينظم" الدماغ بشكل دائم. وأثبتت الدراسات اللاحقة أن هذا صحيح بشكل أساسي.

وفي حين أن هرمونات ما قبل الولادة قد تسبب معظم الاختلافات الجنسية بين المخلوقات غير البشرية، فإن هناك بعض الحالات يكون السبب فيها وراثيًا بشكل مباشر.

اتضح هذا بشكل كبير في مخ حمار وحشي به شذوذ غريب، حيث كان ذكرًا على الجانب الأيمن من المخ وأنثى على الجانب الأيسر، رغم أن الجانبين واجها نفس البيئة الهرمونية. وبالتالي، فإن عدم تناسق دماغ الحمار الوحشي لم يكن بسبب الهرمونات، ولكن بسبب الجينات مباشرة. منذ ذلك الحين، تم أيضًا اكتشاف وجود تأثيرات مباشرة للجينات على الفروق بين الجنسين في المخ.

والحقيقة أن البشر يتعلمون بسرعة في مرحلة الطفولة، ويواصلون التعلم ببطء أكثر كبالغين. وبدءًا من تذكر الحقائق أو المحادثات إلى تحسين المهارات الموسيقية أو الرياضية، يتسبب التعلم في حدوث تغييرات في الروابط الموجودة بين الخلايا العصبية والتي تسمى المشابك العصبية. هذه التغييرات عديدة ولكنها مجهرية، أقل من 1% من سمك شعرة الإنسان.

ومع ذلك، تظهر الدراسات التي أجريت على مهنة غير عادية أن التعلم يمكن أن يغير أدمغة البالغين بشكل كبير. يُطلب من سائقي سيارات الأجرة في لندن حفظ "المعارف" المتعلقة بالدروب المعقدة والطرق والمعالم في مدينتهم. واكتشف الباحثون أن هذا التعلم قد غيّر جزءًا يسمى الحُصين في مخ السائق، وهي منطقة دماغية مهمة للتنقل. واتضح أن الحصين لدى سائقي سيارات الأجرة في لندن أكبر من غير السائقين بمليمترات، وهو أكبر 1000 مرة من حجم نقاط الاشتباك العصبي.

لذلك، ليس من الواقعي افتراض أن أي اختلافات بين الجنسين في الدماغ هي اختلافات فطرية. فهذه الاختلافات تنتج أيضًا عن التعلم. إننا نعيش في ثقافة جنسانية بشكل أساسي، حيث تختلف الأبوة والتعليم والآمال والفرص بناءً على الجنس، مما يغير أدمغتنا حتمًا.

والأرجح أن تكون أي فروق بين الجنسين في هياكل الدماغ بسبب مجموعة معقدة ومتفاعلة من الجينات والهرمونات والتعلم.