كلام بحب 

متى ننصف " أكتوبر" وأبطاله؟

في خطاب النصر الذي ألقاه الرئيس الراحل أنور السادات أمام مجلس الشعب يوم 16 أكتوبر 1973 قال فيه : (سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص ونروي ماذا فعل كل منا في موقعه .. وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره .. كيف خرج الابطال من هذا الشعب وهذه الامة من فترة حالكة ساد فيها الظلام ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء)

سيظل المصريون يتذكرون السادس من أكتوبر ليس فقط بعد 47 سنة كما نحتفل به هذا العام ..  ولكن الى ما شاء الله ومهما مرت الايام او تبدلت الاحوال او ما حدث من تغيير في الشخصية الوطنية التي بدأ تجريفها بفعل فاعل بعد تحقيق نصر أكتوبر.. حيث بدأت المؤامرات لضمان عدم اتفاق ابناء هذا الوطن .. فلا يجب ان يكونوا على قلب رجل واحد ولا ان تتوحد صفوفهم او يتكاتفوا معاً ويكونوا يداً واحدة شعباً وجيشاً .. فذلك ليس خطرا على اسرائيل وحدها 

ولكنه يجعلهم قادرين على فعل المعجزات .. كما حدث في العبور وتحطيم خط بارليف خلال ست ساعات .. وهو ما عبر عنه السادات حينما قال : ( لقد كانت المخاطرة كبيرة وكانت التضحيات عظيمة.. ولكن النتائج المحققة لمعركة هذه الساعات الست الاولى من حربنا كانت هائلة)

رغم مرور 47 عاما مازلنا لم نعط اكتوبر حقها.. ولم نجلس كما اراد السادات لنروي قصص الابطال والشهداء للاجيال التي لم تعش هذه اللحظات المجيدة من تاريخنا .. ولم نوف الملحمة التي سطرها الضباط والجنود والمدنيون ما تستحقه من القاء الضوء عليها.. ولم نكشف كل الاسرار وهي كثيرة والتضحيات وهي عظيمة.. ولا ادري كيف قصرنا جميعا خلال تلك السنوات بحق من ضحوا بأرواحهم ومن وضعوا حياتهم على كفوفهم في سبيل اعادة العزة والكرامة لابناء الشعب وللوطن .. فهل انشغل الافراد والحكومات المتعاقبة بالهموم اليومية أم منعنا الفساد الذي تسلل حتى حاصرنا وكاد يخنقنا خلال الاربعين عاما الماضية .. وأدى الى تغيير في الشخصية المصرية التي نحاول هذه الايام استعادتها لانها مدفونة داخل كل مواطن ولا تحتاج لتطفوا على السطح وتعود من جديد سوى الى نفخ روح اكتوبر فيهم واستخراجها من داخلهم

نعم .. يجب ان نعود الى تاريخنا والايام المجيدة التي مرت على المصريين .. وان ندرس انفسنا جيدا لنتعرف على قدراتنا .. ونستخرج أفضل ما فينا !!

يقولون ان التاريخ يكتبه المنتصرون .. ولكني اقول : حتى تتأكد من نصرك وتدحض ما يروج له المشككون وتظهر الحقيقة واضحة بلا لبس .. فلابد ان تعرف ما يقوله العدو المهزوم فهو بالتأكيد لن يكذب على نفسه لانه يريد ان يعالج القصور الذي ادى الى هزيمته.. واذا عدنا الى قادة اسرائيل وقت الحرب فقد قال وزير حربيتهم موشيه ديان :(حرب أكتوبر زلزال تعرضت له اسرائيل .. وما حدث فيها أزال الغبار عن العيون وأدى الى تغيير عقليتنا .. ولا نملك القوة الكافية لاعادة المصريين للخلف مرة اخرى..)
امارئيسة وزراء العدو جولدا مائير فقالت: ( ان ما حدث مأساة عاشت وستعيش معي للابد.. وكنا امام اعظم تهديد تعرضت له اسرائيل .. وقد انهار ما كنا نعتقده من قدرتنا على منع المصريين من عبور القناة)

.. ولان عملية التمويه والخداع الاستراتيجي كانت نتيجتها مبهرة وتدل على فشل استطلاعاتهم فان مدير مخابراتهم أهارون باريف اعترف بالهزيمة بصراحة وقال: (لا شك ان العرب قد خرجوا من الحرب منتصرين .. بينما نحن قد خرجنا ممزقين وضعفاء).. نحن علينا ان نقرأ وان نعي وان ننقل للاجيال الحقيقة على لسان الاعداء حتى لا يشككوا في نصر اكتوبر.

مطلوب استعادة روح اكتوبر.. وتكريم قادتها وابطالها وشهدائها .. بل وكل مواطن من الجبهة الداخلية شارك وساهم  في النصر.. ولا ادري لماذا لا تنشر قصص البطولات وهي كثيرة .. ولماذا لا يتم انتاج اعمال درامية من افلام و تمثيليات توثق هذه الاحداث خاصة وان مثل هذه الاعمال يقبل علي مشاهدتها الناس كما رأينا عند عرض فيلم "الممر" ومسلسل "الاختيار".. ولماذا ايضا لا نطلق اسماء من يحملون "نجمة سيناء" وكل بطل وشهيد على شارع من شوارعنا مع وضع لافتة للتعريف به وبتاريخه وبطولته او المعركة التي استشهد فيها.. خاصة وان لدينا العديد من الشوارع تحمل اسماء غريبة ومنها ما يخجل سكانها من ذكر اسم شارعهم مثل "درب المهابيل و قلعة الكبش وبركة الفيل وضلع السكة  وسوق العصر وشق الثعبان".. وغيرها من عجائب الاسماء.. فلماذا لا تتحول هذه الشوارع لتحمل اسماء ابطال وشهداء يفخر من يعيشون فيها انهم من سكانها ويتباهون باسماء شوارعهم  ولا يخجلون؟!

*******
بطل رأس العش 

في هدوء كعادتة .. رحل الاحد الماضي أحد أهم الابطال في تاريخ العسكرية المصرية .. ولو علم أبناء الشعب قدره لصنعوا له تمثالا ووضعوه في أشهر الميادين .. ولتناقلت الاجيال قصة الملحمة التي حققها مع جنوده البواسل الذين لقنوا العدو درسا لم ولن يستطيع نسيانه أبدا لانه ذاق على أيديهم الهزيمة التي كسرت غروره في عز زهوة انتصاره بعد أيام قليلة من نكسة يونيو ٦٧ .

فقدت مصر بطل معركة رأس العش وقائدها اللواء السيد إبراهيم مصطفى الشرقاوي أحد أبطال الصاعقة الذين كانوا ملء السمع والبصر وتناقلت وسائل الإعلام العالمية أسطورة ٣٥ بطلا بأسلحتهم الخفيفة تفوقوا على رتل من الدبابات والعربات نصف المجنزرة الإسرائيلية ولم يهابوا غارات الطائرات عليهم وحافظوا بأجسادهم على منطقة بورفؤاد التي ظلت موطئ القدم الوحيد للقوات المصرية داخل سيناء بعد ٥ يونيو وحتى أكتوبر ١٩٧٣ .

في الساعات الأولى من صباح ١ يوليو ١٩٦٧ وبعد ٣ اسابيع فقط من  انتهاء هزيمة يونيو .. حاولت ١٠ دبابات إسرائيلية مدعمة بقوة مشاه ميكانيكية في عربات نصف مجنزرة التقدم للاستيلاء على بورفؤاد عن طريق رأس العش التي كانت نقطة لإرشاد السفن في القناة .. وصدرت الأوامر يومها للرائد السيد الشرقاوى بالتصدي لهم هو ومجموعته .. ولم تكن القوة متكافئة ووقع الاشتباك فقاوم أبطال الصاعقة ببسالة حتى ظن العدو أنهم يواجهون فرقة أو كتيبة كبيرة .. ولكن هذه الفئة القليلة التي آمنت بربها وقدراتها و التي لم تزد عن ٣٥ مقاتلا بأسلحة خفيفة أجبروا العدو على التراجع ..إلا أن قواته عادت مرة أخرى .. وخلال ٧ ساعات هو زمن المعركة دُمرت لهم ٣دبابات و ٦ عربات نصف مجنزرة وفقدوا عددا من الجنود فانسحب الإسرائيليون ولم يفكروا في العودة لاحتلال بورفؤاد أبدا بعد أن ذاقوا الهزيمة على أيدي رجال الصاعقة بقيادة السيد الشرقاوى الذين لا يعرفون سوى القتال حتى النصر أو الشهادة  فشعارهم الدائم " التضحية .. الفداء .. المجد " .. وسقط من الابطال شهداء بينهم الملازم أول جابر الجزار والملازم عبد الوهاب الزهيري ومن الجنود محمد عبد السلام واصل ومحمد عثمان ابراهيم وصلاح الدين محمود ومحسن محمد حسن وكان ممن ابلوا بلاء حسناً الملازم فتحى عبد الله والرقيب حسنى سلامة مع باقى افراد المجموعة . 

منح الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ترقيات استثنائية لشهداء رأس العش وأوسمة لابطالها .. وحصل السيد الشرقاوى على نوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى وهو الذي كانت آخر مداخلة تلفزيونية له في برنامج على إحدى القنوات الفضائية في العام الماضي في الذكرى ٥٢ للمعركة وتحدث عنها بكل فخر فقد كانت أول خطوة على طريق نصر اكتوبر بعد استعادة الثقة في الجندي المقاتل المصري .

يستحق اللواء السيد الشرقاوى وأمثاله من الابطال أن نكرمهم وليس أقل من اطلاق اسمه على أحد شوارع حي الزمالك الذي عاش فيه طويلا أو حي الشيخ زايد الذي انتقل إليه مؤخرا وأعتقد أنه مازالت في هذا الحي شوارع بلا أسماء ممكن أن نطلق عليها اسمه حيث لم تتوقف بطولاته عند معركة رأس العش ولكنه شارك في حرب اكتوبر مع شقيقيه في سلاح الطيران اللواء مصطفى الشرقاوي والعميد أحمد الشرقاوى حيث شارك الثلاثة في الحرب عندما كانت كل أسرة مصرية تفخر بتقديم أبنائها فداءً للوطن .. وكان كل طفل لا يشعر بفرحة العيد الا إذا ارتدى بدلة الضابط ..

وحكى لنا اللواء السيد الشرقاوى بتواضع إنه عندما تقدم لخطبة زوجته فإن والدها لم يتردد في قبول طلبه عندما علم أنه قائد معركة رأس العش .. فقد كان الشعب في هذا الزمان يحترم ويُقدر من ينتمون إلى قواتة المسلحة.. ويحلم كل شاب بالانضمام إلى الجيش وأن يصبح من أبطاله.

رحم الله اللواء الشرقاوى بطل معركة رأس العش وكل أبطال وشهداء هذه المعركة التي مهدت لنصر أكتوبر والذين انطبق عليهم وصف الرسول "صلى الله عليه وسلم" من أن المصريين خير اجناد الأرض.