هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

قصتنا مع اليهود

 

تتحدث أبواق الدعاية الإسرائيلية هذه الأيام عن فتح صفحة جديدة بين الشعب اليهودى والشعوب العربية والإسلامية ، تنتهى بها مرحلة الكراهية ، ويبدأ بها عصر السلام والتعاون لما فيه خيرشعوب الشرق الأوسط جميعا ، وتدعى هذه الأبواق أن البلدان العربية أدركت مؤخرا ، وبعد سنوات من الحروب والصراعات ، أنه لاسبيل أمام نهضتها إلا بالتخلى عن  كراهية اليهود ، ومد يد المحبة والسلام لدولة إسرائيل التى حققت درجة عالية من التقدم الاقتصادى والتفوق العلمى والتقنى فى كافة المجالات . 

 هذه الشيفونية ، والإعجاب المبالغ فيه بالذات ، ليست جديدة على قوم درجوا منذ القدم على الإدعاء بأنهم شعب الله المختار ، وأنهم الأذكى والأرقى من كل الأجناس والأعراق والأديان ، وفرضوا على أنفسهم العزلة بهذا الوهم وهذه النظرة الاستعلائية .

وتروج آلة الدعاية الإسرائيلية لمزاعم وأكاذيب باطلة فى محاولات مستمرة لتزييف الحقائق الثابتة تاريخيا ، فتدعى أن اليهود شعب مسالم ومبدع يعمل من أجل السلام ولايسعى للحرب ، وأنه ضحية للإرهاب وجرائم العنف ، ويريد العيش فى أمن وأمان وسط جيرانه ،  ولولا أن العرب بادروه بالحرب والكراهية لكان واقع المنطقة ومستقبلها أفضل مما هوعليه اليوم .

الخطير فى الأمر أن هذا الزيف لم يعد يصدر عن ساسة إسرائيل ووسائل إعلامها فقط ، وإنما يظهرأيضا وبكثافة فى تغريدات وتعليقات ما يسمى بالذباب الأليكترونى ، الذى صار يتسلل فى هدوء مخادع إلى صفحات التواصل الإجتماعى للأشخاص ومنظمات المجتمع المدنى العربية ، وللمجموعات ـ الجروبات ـ الشعبية غير الحكومية ، وهو ما يجعله أقرب إلى المواطن العادى ، ويعطى  له نوعا من القبول .

وتنشط آلة الدعاية الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية بهذا اللغو أكثر وأكثر كلما فتح ملف التطبيع مع إحدى الدول العربية ، وهم لايعتذرون ولا يأتون إلى اتفاقات السلام متواضعين ، وإنما يظهرون بمظهر الضحية المتسامح ، والغريب أن البعض عندنا يصدق هذا الكذب المفضوح ، فينزلق إلى منزلقهم ، ويجتهد فى تعليل التطبيع بمبررات دينية تدعو إلى التسامح ونبذ الكراهية وقبول الآخر ، وكأن الصراع مع إسرائيل كان بسبب كراهيتنا لليهود ، أو كأن الحروب كانت بسبب اختلاف الدين ، وعلينا اليوم أن نعود إلى رشدنا ونتخلى عن كراهيتنا لهم فهم أهل كتاب ، والنبى صلى الله عليه وسلم عاهدهم فى المدينة . 

ومع كامل إدراكنا بأن للسياسة حساباتها وضروراتها ، فإن إقحام الدين فى هذه الحسابات والضرورات مؤلم حقا ، وكذلك فإن محاولة رسم صورة تناقض الواقع التاريخى الذى مازالت آثاره ماثلة أمام العيون تنطوى على تغييب متعمد للوعى ، فنحن لانكره اليهود لأنهم يهود ، ولا نكره اليهود على إطلاقهم ، وإنما نكره الذين شكلوا حركة سياسية صهيونية لتجميع اليهود من شتى بلاد العالم وتهجيرهم إلى فلسطين لإقامة وطن قومى لهم على أنقاض الوطن القومى للشعب الفلسطينى الذى يجمع مسلمين ومسيحيين ويهودا . 

نحن لانكره اليهود ، وإنما نكره الصهاينة الذين كونوا عصابات مسلحة عاثت فى فلسطين تخريبا وتدميرا ، احتلت بلدا بالقوة الغاشمة وطردت أهله منه ، أحرقت القرى الآمنة وشردت سكانها فى الشرق والغرب ، واعتدت على الزراعات والمقدسات الإسلامية والمسيحية ، ومازالت ترفض الاعتراف بأية حقوق للشعب صاحب الأرض، رغم قرارات الأمم المتحدة التى أقرت هذه الحقوق غير القابلة للتصرف ، ورغم الاتفاقات التى وقعت عليها بعد تفاوض مرير ، وما زالت ترفض المبادرة العربية المطروحة منذ 2002 لإحلال السلام العادل والدائم والشامل ، وفى الوقت نفسه ترمى من يقاوم احتلالها وظلمها بالإرهاب ، مع أن مقاومة المحتل مشروعة دينيا ووطنيا ، وأقرتها قواعد الشرعية الدولية .

هذه قصتنا مع اليهود ، نحن فعلا لانكرههم ، وإنما نكره منهم الذين قاتلوا إخواننا فى الدين وأخرجوهم من ديارهم ، وقد نهانا ربنا جل شأنه عن موالاتهم ، والقرآن الكريم أثنى على أقوام من بنى إسرائيل أخلصوا فى إيمانهم وأعمالهم ، ولعن أقواما آخرين منهم تنكروا لأنعم الله وبدلوا فى دينهم وكتابهم ، وتعاونوا على الإثم والعدوان ، ونبى الإسلام صلى الله عليه وسلم عاهد اليهود وكتب لهم ميثاقا للتعايش المشترك ، وأعطاهم فيه ما للمسلمين من الحقوق ، لكنه حاربهم عندما خانوا العهد وأجلاهم عن المدينة .                                                                                      

وبعد ذلك عاش اليهود مع المسلمين والمسيحيين فى دولة الخلافة ، وعانوا مثل المسلمين من ويلات محاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس ، وعاشوا معنا فى مصرعلى مدى التاريخ مواطنين مصريين ، وساهموا فى نهضة بلدنا مثل غيرهم من المسلمين والمسيحيين ، لكن أغلبيتهم ساروا فى فلك الصهاينة ، وهاجروا إلى دولتهم التى أنشئت بالدم والنار .   

نحن نكره الصهاينة ولا نكره اليهود ، فهناك يهود يرفضون الفكرة الصهيونية ، ويرفضون إقامة دولة لليهود على أسس دينية ، وهؤلاء لامشكلة معهم ، المشكلة مع من يهددون القدس الشريف والمسجد الأقصى ويهدمون البيوت على رؤوس أصحابها لإقامة مستوطنات للقادمين من الخارج على أنقاضها .

 ولنا نحن المصريين تجربة مشرفة فى هذا الصدد ، فقد اعتدت علينا إسرائيل واحتلت أرضنا لكننا بحمد الله حاربناها وانتصرنا واستعدنا أرضنا السليبة ، وعندما وقع السادات معاهدة للسلام معها كان الشعب المصرى ـ ومازال ـ على أعلى درجة من الوعى ، فقد رفض أن يصل السلام الرسمى إلى حد التطبيع الشعبى ، وربط ذلك فى وثيقة غير مكتوبة بإحلال السلام العادل مع إخواننا الفلسطينيين ، والتخلى عن العدوان وضم الأراضى المحتلة بالقوة ، والتخلى عن حلم إسرائيل الكبرى .