المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

بسيوني الحلواني

لوجه الله:

فوضى الفتاوى .. عرض مستمر!!

بقلم .... بسيوني الحلواني

الخميس 16 يناير 2020


[email protected]

فوضى الفتاوى فى عالمنا العربى لم تعد مجرد ظاهرة مزعجة للبعض، بل أصبحت مشكلة تصيب الكثيرين بالقلق والتوتر والاضطراب فضلا عن تشويه حقائق ديننا..

لذلك تعددت تحذيرات علماء وفقهاء الإسلام من اللجوء الى غير المؤهلين للفتوى لاستفتائهم وأخذ الأحكام الشرعية منهم .. كما تعددت المناشدات لوسائل الإعلام المختلفة وخاصة الفضائيات بالبعد عن مدعى العلم ومتسلقى الفتوى والاعتماد على العلماء الموثوق فى علمهم، وتجنب كل صور الإثارة فى تناول القضايا الدينية وعدم توظيف هموم الأسر ومشكلاتها فى برامج فتاوى لمجرد جذب المزيد من المشاهدين.

للأسف.. الفتاوى الغريبة التى تطالعنا بها بعض وسائل الإعلام وتتداول على مواقع التواصل الاجتماعى لا تتوقف وهى أكثر من أن تحصى وخطورتها لا تقف عند تشويه صورة الإسلام وإعطاء انطباعات غير صحيحة عنه، بل تتحول الى نكت وأفيهات للسخرية من الدين وعلمائه، ومع ذلك لم يكف أدعياء الفتوى عن إطلاق الفتاوى الغريبة والشاذة ومن بينها فتاوى تستحل حرمات، وتبيح أمورا شاذة لا يقبلها عقل ولا يقرها عرف أو فطرة سليمة.

**
منذ أيام أرسل لى أحد أساتذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر مقطعا مصورا لأحد الأدعياء يبيح فيه ما حرمه الله ورسوله، ويعطى للإنسان الحق فى الاعتداء على الأعراض تحت مبررات ساذجة ومفاهيم خاطئة وجهل بتعاليم وآداب وأخلاق الإسلام لا حدود له، والغريب والشاذ أن هذا المقطع مصور من أحد المساجد التابعة لبعض الجماعات والتيارات الدينية حيث جلس العشرات من الأتباع يستمعون بتركيز شديد لهذا الجاهل الذى يتقمص شخصية المفتى.. والمصيبة الكبرى تتجسد فى تطبيق المستمعين من عامة الناس لما أباحه هذا الرجل!!

يجب أن نعتراف بأن ساحة الفتوى تعانى بالفعل من حالة اضطراب وفوضى خاصة فى ظل تعدد وتنوع وسائل الإعلام واتخاذ بعض الفضائيات لقضايا الدين وسيلة للإثارة وجذب المشاهدين وإشعال معارك فقهية لا مبرر لها بين العلماء.. حيث لم يعد الكثيرون يلتزمون بالضوابط والقواعد المنظمة لأمور الفتوى وتوضيح الأحكام الشرعية للناس بعيدا عن الإثارة وتشويه تعاليم الإسلام، ووضع الناس في حيرة بسبب اجتهادات متضاربة لا تلتزم بأبسط القواعد الفقهية.

وهنا لا ينبغى تحميل علماء الإسلام ورجال الفتوى الجديرين بالافتاء مسئولية ما نعاني منه من خلل في التعامل مع تعاليم ومبادئ الدين وإشاعة الفتاوى غير المنضبطة بين الناس، حيث تتحمل الجماهير قدرا كبيرا من المسئولية فهم الذين يذهبون لهؤلاء الجهلاء وهم الذين يتداولون فتاويهم.. وشرعا لا ينبغي أن يلجأ الناس إلا إلى العلماء المؤهلين للإفتاء والقادرين على استنباط الأحكام الشرعية ونقلها للناس.

كبار علماء الأزهر المعنيين بالفتوى يؤكدون أن مظاهر الخلل في عالم الفتوى والإفتاء كثيرة، وأبرزها اللجوء إلى غير المتخصصين وهذه يتحمل مسؤوليتها المستفتي الذي يذهب بسؤاله إلى غير المؤهلين للإفتاء، كما يتحمل مسؤولية ذلك أيضا وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات والصحف ومواقع الإنترنت وغيرها، فالمسئولية هنا مشتركة بين الجماهير التي تقبل على أشخاص بعينهم لكي تسألهم دون أن تتأكد من قدرتهم على ذلك، وفضائيات تبحث عن الإثارة وكل ما يهمها إقبال الناس عليها حتى ولو كان ذلك على حساب الدين، لذلك نرى فضائيات تحرص على الاستعانة بأشخاص بعينهم لكي تأخذ منهم ما تريد، بصرف النظر عن مدى اتفاقه أو عدم اتفاقه مع الثوابت الشرعية ولذلك أصبح من الطبيعي الآن أن تتداول آراء غريبة في بعض الفضائيات ومواقع الإنترنت تحت مسمى "فتاوى" وهي في واقع الأمر لا علاقة بصحيح الدين من قريب أو بعيد.

**
نعم.. الإسلام دين لا يعرف الكهنوت، ولكنه يحترم التخصص، والفتوى - التي هي بيان الأحكام الشرعية للناس- تحتاج إلى متخصصين مؤهلين لهذا العمل الكبير، ولذلك لا ينبغي أن يلجأ إنسان إلى شخص غير متخصص لمعرفة حكم شرعى وهو يعلم أنه غير متخصص ولا يحمل مؤهلات الفتوى، كما لا ينبغي أن يتصدى أحد للفتوى اعتمادا على ثقافته ومعلوماته الدينية العامة، وعلى الجميع أن يدرك أن كبار علماء الأمة كانوا يهابون الفتوى ويدركون خطورتها ويحيل بعضهم على بعض خوفا من الوقوع في الخطأ والتسبب في تضليل الناس.

وهنا لا ينبغى لأحد أن يخلط الأوراق ويدعى أن جهله بالأحكام الشرعية من باب تعدد وتنوع الفتاوى والاختلاف المقبول شرعا.. فالجهل شىء والاجتهاد فى الفتوى شىء آخر، وإذا كانت الشريعة الإسلامية تتميز بالمرونة والسعة وتسمح بتعدد الآراء فى الأمور الاجتهادية التى يتوقف الحكم فيها على فهم العلماء وتقديرهم لمصالح الناس في المكان والعصرالذي يعيشون فيه، فإن الأحكام الاجتهادية متاحة للعلماء والمتخصصين وليس للأدعياء والجهلاء بالإسلام وشريعته.

**
الفتوى علم وصناعة لها رجالها المؤهلون لها، ولا ينبغى أن يتصدى لها غير المتخصصين وغيرالمؤهلين للفتوى خاصة على شاشات الفضائيات مما يثير بلبلة وتخبط بين الناس.

المفتى المؤهل المفتي للفتوى- كما قال العلماء- لابد أن تتوافر به عدة شروط منها أن يكون من خريجي جامعة إسلامية معتبرة، وحاصل على شهادة متخصصة في العلوم الشرعية كما يجب أن يكون ملما بالأحكام التي وردت بالقرآن الكريم والحديث الشريف وكتب التراث حتى يتمكن من استنباط الحكم الصحيح منها إلى جانب تمتعه بالأخلاق والقيم الإسلامية النبيلة والورع والاستقامة.. كما أن الإفتاء ملكة تصقل بالعلم والتجربة لأنها مرتبطة بأحوال الناس والزمان والمكان الذي تعرض فيه وبالتالي يجب أن يكون لدى المفتي المهارة والإمكانية التي تؤهله لإصدار فتوى تراعي هذه العوامل وتتماشى مع مستجدات العصر الذي تصدر فيه بالإضافة إلى امتلاكه لأدوات الإفتاء وهي اللغة وأصول الفقه والبلاغة والتفسير حتى يستطيع استنباط الأحكام من مصادرها الشرعية.