Warning: Illegal string offset 'Hits' in /home/gomhuriaonline/public_html/class/PortalNews_class.php on line 560
فتحى الصراوى نموذجا بقلم مؤمن الهبـاء
هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

فتحى الصراوى نموذجا

 

الآن أستطيع أن أحدثكم عن صديقى وزميلى فتحى الصراوى نائب رئيس تحرير " الجمهورية " بعد أن استوعبت فجيعة موته المفاجئ بفيروس كورونا ، أستطيع أن أحدثكم عن هذا الرجل الوديع الذى جاء إلى الدنيا طيبا وعاش فيها طيبا وغادرها طيبا ، لم يكن مشهورا فى عالم الصحافة رغم أنه امتلك أدوات هذه المهنة امتلاك المقتدر ، وأجاد فنونها ، لكنه لم يكن صخابا فاحشا ، ولا مزاحما على المناصب والمكاسب ، ولم يسع إلى الشهرة ، ورضى من حياته بنعمة الستر ، فأراحه الله من هموم الدنيا بالقناعة ، وملأه بعزة النفس ، وظل إلى آخر يوم فى حياته مرفوع الرأس ، من الذين تحسبهم أغنياء من التعفف .

أنا لا أكتب عنه الآن لأعدد مناقبه وسجاياه المحمودة ، ولا لأزكيه على الله ، معاذ الله ، ولكنى أردت أن أقدم نموذجا إنسانيا وصجفيا نادرا ، لأؤكد أن الخير موجود إلى يوم الدين ، وأن الذين لايظهرون على السطح ليسوا كلهم هملا ، بل منهم اللؤلؤ النفيس ، الذى استقر فى جوف المحيط ، ولا نكتشفه ونصل إليه إلا بالبحث والتنقيب .

كان صديقى فتحى الصراوى ـ رحمه الله ـ صاحب دين وضمير وخلق رفيع ، وما أصعب أن تكون كذلك فى زمن يترخص فيه كثيرون من حولك ، ويتسابقون ويتنابزون ويتقاتلون ، ويأكل بعضهم لحم أخيه ميتا ، ولا يرضون منك إلا أن تكون مثلهم ، وإلا فأنت غريب عنهم ، دخيل عليهم ، ويعلم الله أن الرجل كان بعيدا كل البعد عن هذا المناخ المسموم ، وآثر أن يعيش فى هدوء ، محبا للجميع ، لم يوجه إساءات لأحد ، كان متسامحا إلى أقصى حد ، لكنه تحمل إساءات ومناكفات الصغار ، الذين لم يكن يشبههم فى شيء ، بل كان مجرد وجوده كنموذج مترفع يقلقهم ، ويحرك ضغائن نفوسهم .

عرفته وزاملته من قبل أن نلتقى فى " الجمهورية " ، كان شابا بسيطا من خريجى الأزهر ، لا يكاد يلفت الأنظار إليه ، وبعد فترة وجيزة جذبنى أسلوبه الرصين فى الكتابة ، وخبرت دأبه على القراءة وسعة الاطلاع ، وحرصه على ألا يكتب عن شيء إلا إذا كان ملما به ، ثم عرفت أن الله قد أكرمه بحفظ القرآن كاملا ترتيلا وتجويدا ، وأعزه بالنشأة  فى أسرة قرآنية ملتزمة بتعاليم القرآن وأحكامه ، وحباه بصوت عذب مؤثر ، تشعر عندما تسمعه كأن القرآن يتنزل من جديد ، ولذلك أدركت أننى قد حظيت بكنز إنسانى ثمين ، وبصديق لا تزيده الأيام إلا حبا ووفاء .

وعندما تفرقت بنا السبل وشغلتنا مشاغل الحياة تباعدت لقاءاتنا ، لكننى كنت حريصا على متابعته من خلال ما يكتب فى كل موقع عمل به ، وكلما قرأت له ازددت احتراما وتقديرا لموهبته وقدراته وجديته فى تناول القضايا التى يتصدى لها ، كانت تحقيقاته الصحفية زاخرة بالمعلومات ووجهات النظر المتباينة ، التى تعطى القارئ وجبة متكاملة تشبع شغفه ، أما مقالاته فكانت تحفة أدبية معرفية ممتعة ، ففكرة واضحة وحجتة بالغة وأسلوبه شيق بديع ومنطقه مستقيم ، ودفاعه عقلانى قوى عما يعتقد أنه صواب ، ونقده مهذب رفيع لما يتصور أنه خطأ ، ليس فى مأثوراته هزل أو نفاق أو تفحش ، ولا لعب على الحبال ، لم يدافع عن فاسد أو فساد ، ولم يسخر قلمه للتقرب من هذا أو ذاك ، ولم يحد عن الحق للحصول على مكسب من ذى سلطان .  

 ما أندر النموذج الذى أحدثكم عنه فى الصحافة وفى الحياة ، لكنه موجود وإن لم ينل حظه من الشهرة والظهور ، ووجوده يعطينا الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل ، وربما يتصور البعض أننى أبالغ فى مدحه من فرط الحب ، لكن يعلم الله أننى ماقصدت إلا أن أوفى هذا النموذج المكنون بعض حقه من باب " ولا تنسوا الفضل بينكم " ، وأن أكشف جانبا من قيمته وقدره ، وليعذرنى القارئ الذى اعتاد أن يقرأ عن النجوم اللامعة ، فأمثال فتحى الصراوى هم نجومى المفضلين ، وليس كل ما يلمع ذهبا ، والناس فيما يعشقون مذاهب .   

منذ زمن طويل اعتدت أن  أفتح " الجمهورية " كل سبت من الصفحة التى كان يكتب فيها  لأقرأ له ما يفتح شهيتى ، ويعزز ثقتى بالقلم وما يسطرون ، وفى بعض الأحيان كنت أتصل به لأبلغه إعجابى بما كتب ، أو أناقشه فى معلومة معينة أريد أن أستوثق منها ، أو استأذنه فى أن أنقل عنه ، فكان رده دائما غاية فى التواضع والنبل ، وعندما كنا نتقابل قدرا وأحاول أن أثنى عليه يطرق رأسه إلى الأرض حياء وخجلا ، فيما يحارب آخرون من أجل الحصول على شهادة بالصلاحية لايستحقونها .

أعلم أن لكل أجل كتاب ، وإذا جاء الأجل فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون ، لكن  أحزننى جدا أن يرحل عنا صديقى دون وداع ، فلقد أخبرنى أخونا الفاضل سيد حسين رئيس تحرير " كتاب الجمهورية " السابق ليلا بنبأ إصابة الصديقين فتحى الصراوى وفريد إبراهيم مدير تحرير " الجمهورية " بالفيروس اللعين ، وحاولت مرارا الاطمئنان عليهما تليفونيا دون جدوى ، وفى ضحى اليوم التالى مباشرة جاء خبر وفاة الصراوى ونقل الزميل فريد إلى مستشفى العزل .

رحم الله الصديق العزيز ، الصابر المحتسب ، ورزقه الفردوس الأعلى من الجنة  ، وأكثر من أمثاله ، وأعاد إلينا أخانا فريد إبراهيم سالما غانما معافى بحوله وقوته  .