بث مباشر
أخبار التعليم
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

فريد ابراهيم

بالحسنى

طه حُسَيْن .. ومرآة الإسلام

بقلم .... فريد ابراهيم

الجمعة 28 ديسمبر 2018

من أراد أن يعرف موقف عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الفكري في آخر حياته يقرأ كتابه: "مرآة الإسلام" وهو كتاب يحكي فيه ــ إن صح هذا التعبير قصة الإسلام بعقل مفكر وقف في آخر حياته ينظر إلي تجربة شديدة الثراء بفؤاد أمين مع النفس. يريد أن يقول للناس كلماته الأخيرة. فاستعرض تاريخ الإسلام وتاريخ عقله.. لذا وجدناه في هذا الكتاب لا يراجع إلا إلي ذاكرته فقط. وكأنه أراد أن يقول: إنني لا أقدم دراسة أو بحثاً يلزمني فيه أن أعيد كل معلومة إلي مصدرها. وإنما أقدم خلاصة ما أؤمن به وأعتقد وألْقَي عليه ربي. وأنصح به أمتي من بعدي. 
كأنه يقول: إن اليقين الإيماني أقوي من الشك في الوصول إلي الحق. والعقل الذي يحرسه النقل أهْدَي من العقل الذي لا هادي له ولا حارس إلا نفسه. 
من هنا فإنك تجده فيما يسرد من تاريخ شامل لهذا الدين وهذه الأمة مؤرخاً ومفسراً ومحدثاً ومتكلماً وفيلسوفاً وأديباً وناقداً للفكر الغربي الذي عاش يبشر به طويلاً. ورافضاً للوقوف العربي عند مرحلة زمنية معينة مؤكداً أن تراثنا وعقولنا قادرة علي الإبداع. وقرآننا وسُنة نبينا يعصمان أجيالنا من الذوبان في الآخرين. ويربطان المسلم علي مر الزمان بحبل سُـرِّي لا ينقطع بالسماء. 
إذا أردت أن تعرف ما يرمي إليه هذا الكتاب الفاصل في تاريخ العميد. فاقرأ الدراسة التي قدمه بها الدكتور محمد عمارة عما يراه في هذا الكتاب. وإذا أردت أن تعرف هذا التغيير الذي طرأ علي فكر العميد ــ من كلام العميد نفسه. دون قراءة الكتاب كله ــ فاقرأ آخر الكتاب الذي جاء تحت أرقام 7 و8 فالكتاب بلا عناوين داخلية أو فصول لها أسماؤها. وإنما قُسِّمَ إلي قسمين: الكتاب الأول. والكتاب الثاني.. وكلاهما تم تقسيمه إلي أرقام. 
أما إذا أردت أن تعيش متعة فكرية متنوعة وتقف علي قصة هذه الأمة منذ أن كانت تعيش علي هامش التاريخ. حتي أصبحت قوة فاعلة في مصائر الأمم. ثم صارت مطمعاً لمغامرات المستعمرين. ومؤامرات الطامعين فيها. الخائفين من يقظتها. العارفين بما تملكه من قوة ذاتية قادرة علي التنامي مرة أخري.. إذا أردت كل هذا فاقرأ الكتاب كلمة كلمة. 
الطبعة التي أحدثكم عنها صدرت عن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.. هدية من مجلة الأزهر عن شهر صفر "1440هـ/2018م".. أما الكتاب في طبعته الأولي فقد صدر بعد عودة الدكتور طه حسين من زيارته الحجازية بأربع سنوات. حيث حج إلي بيت اللَّه الحرام. وزار سيد النبيين "عليه أفضل الصلاة وأتم السلام" عام 1955 فعاد إنساناً جديداً. كما أراد له يقينه الإيماني أن يكون.. لا يبحث عن أفكار تثير الزوابع. وتشعل الجدل بقدر ما يدعو إلي التخلي عن الجدل وفهم الإسلام. كما فهمه الصحابة رضوان اللَّه عليهم. محذراً من عبادة العقل المحدود. واتخاذه ــ وحده ــ طريقاً إلي المعرفة غير المحدودة. وهو الأمر الذي قد ينتهي به إلي الضلال. 
إذا أردنا أن نختار جملة من كلام العميد. تعبر عما حدث له من تغيير. فنجدها في قوله عند رحلته إلي الحجاز حاجاً: "إنها تلبية لدعوة آمرة من خارج النفس.. عادت فيها النفس الغريبة إلي وطنها بعد غربة غريبة طويلة جداً. وهي مدركة لما بين اللَّه وبينها من حساب عسير. وراجية من اللَّه أن يجعل من عُسْرِه يُسْراً". 
وإذا أردنا أن نتأمل مجمل فكره الذي أراد أن يقوله في نهاية حياته ويعلنه لناس فلنتأمل ما قاله في الجزء الثاني تحت رقم 8 حيث يقول: 
فالقرآن بين المسلمين يقرءونه ويسمعونه ويتعبدون به ولكن الذين يفهمونه حق فهمه من بينهم يمكن احصاؤهم. ويجب ان يكونوا من الكثرة فوق الاحصاء. ويجب ان يتجاوزوا به أنفسهم وأن ينشروا العلم الصحيح به بين الناس. 
والثابت من سنة النبي ــ صلي الله عليه وسلم ــ محفوظ وقد نشر في الكتب وجعل كثيراً من الناس ينظرون فيه. ولكن الذين يفقهونه أقل من القليل ويجب أن يكثروا وأن ينشروا منها علي الناس ما يبين لهم حقائق القرآن أولا ويفقههم في أمور دينهم ثانياً. 
وسيرة الخلفاء الصالحين من المسلمين معروفة منشورة يقرؤها المؤرخون وانما يجب ان يشيع بين الناس وأن يتيسر لهم قراءته وفهمه وعلم العلم سجل في الكتب ينشر قليله وأكثره مازال نائما كما نامت الأمة الإسلامية فيجب ان يفيق من نومه وأن يكون قريب التناول للذين يحسنون درسه وفقهه من العلماء. 
هذا كله لا يكفي لأنه لا يزيد علي أنه ترقية للعقول وتزكية للأفهام إلي القلوب والأمزجة ويؤثر في الضمائر أعمق التأثير. ويوفر في السيرة الظاهرة لهم أعمق التأثير أيضا وقد عرضت في هذا الحديث صورة ان تكن شديدة الايجاز فإنها شديدة الوضوح لحياة النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه رحمهم الله. 
فلو لم يكن لهذا الحديث أثر إلا ان يقرأه الناس ويجتهدوا ما استطاعوا في ان يحملوا أنفسهم علي ان يسيروا في أمور دينهم ودنياهم سيرة النبي وأصحابه والصالحين من المسلمين وينفوا عن أنفسهم وعقولهم وقلوبهم ما أصابها من التقليد والجمود وما استقر فيها من السخف والأوهام. لو لم يكن لهذا الحديث أثر إلا هذا لكان قد بلغ بعض ما أردت حين أخذت في إملائه.