هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

خارج الصندوق

صدفة خير من ألف ميعاد

** يتواكب بدء شهر رمضان المبارك فلكياً هذا العام مع ذكري ميلادي السادس والسبعين.. التاريخ الهجري تزامن مع السادس من مايو الميلادي.. في صدفة لا تتكرر كثيراً.. اعتبرتها رسالة ينبغي إدراك المغزي منها.. لانني بحمد الله وعونه حافظت علي أداء فريضة الصيام منذ تدربت عليها في السابعة من العمر.. وحتي الآن وطوال 70 عاماً إذا ما كتب الله سبحانه وتعالي لي نعمة الصوم هذا العام.. لم اتخلف عن الصوم والتمسك بمناسك وفروض رمضان.. سواء صغيراً أو كبيراً داخل الوطن.. أو مقيماً بالخارج مرتين.. بألمانيا والخليج.. الأخيرة منهما استمرت لـ12 عاماً الأولي قبل الزواج.. حيث كنا نتابع مواعيد الصيام والافطار في اقرب دولة مسلمة لنا وحيداً نويت الصوم.. ولحالي تناولت الافطار إلا باستثناء بدعوة كريمة من المبعوثين المصريين الكرماء في المدرسة العليا للاقتصاد بتارلز هورست.. وكنا نستلهم الفرحة والمناخ الرمضاني من داخلنا.. وسعدنا بأن الصوم والعيد جاءا بمثابة الهدية الثمينة التي لا تقارن بأي هدية أخري.. كيف لا.. والصوم هو العمل الذي يتوجه به المسلم إلي الله سبحانه وتعالي وهو وحده الذي يجزي به.. ومن يدري فإن كرم الله عظيم وعميم.. ربما تضاعف الجزاء بالصوم في درجة حرارة تحت الصفر.. تتطلب عزيمة فولاذية كي تستمر الحياة.. يواصل المرء مسئولياته في العمل ويتصدي للشهوات بسد مانع يتمثل في عبارة "اللهم إني صائم". 

** أما المرة الثانية فكانت مع أسرتي الصغيرة وكم اتحفتنا سحابتي الممطرة بما لذ وطاب من الطعام.. واستعارة التقاليد المصرية لنشعر جميعاً وكأننا نصوم بالقاهرة.. وإن افتقدنا الأهل وعوضنا الله خيراً بأصدقاء مخلصين في الغربة.. معظمهم يعملون في نفس التخصص.. ويصرون علي اصطحابنا معهم لأداء أكثر من عمرة في رمضان المبارك حيث تعادل العمرة حجة.. ونضيف إلي ذلك حماس زوجتي العظيمة.. اصطحاب الضيوف القادمين من القاهرة لأداء أكثر من عمرة في الشهر الفضيل.. ورغم الحر الشديد حافظت بحمد الله علي درجة الأداء والانجاز في العمل.. حيث كان فيما اذكر يتم علي مرحلتين.. الأولي من صلاة الظهر حتي الرابعة عصراً.. ثم الثامنة مساء إلي منتصف الليل.. وكانت تسليتنا يوم الاجازة الذهاب إلي السوق وتفقد محلات العصائر والحلوي.. أو تناول السحور لدي الاخوة المصريين الذين افتتحوا مطاعم للفول المدمس "مسمار البطن" والفلافل.. والكباب.. وفي مرحلة تالية الكشري. 

** وبالطبع ساعد تواجدنا في الغرب.. الابناء الصغار علي تعلم الصوم وإقرانه بالصلاة والزكاة والصدقات وتلاوة القرآن الكريم.. وارتداء الملابس البيضاء عند الخروج للمساجد لصلاة التراويح.. ولم ينسوا الامساك بالسبح.. للاستغفار والتسبيح وفي بعض السنوات اتيحت لنا الفرصة لقضاء اجازة العيد في أرض الوطن لنجمع بين روحانيات الأراضي المقدسة.. واحتفالات مصر.. بكل ابنائها بليلة الوقفة وأيام العيد.. وتعدد مظاهر البهجة التي برع فيها المصريون بدون منافس.. وتحولت أيامها لمواسم يأتي فيها للمحروسة الزوار والضيوف من كل مكان. 

** وخلال رحلة الصوم.. التي لا اذكر أن والدي رحمه الله.. استخدم العصا أو التعنيف والتنبيه لما قد يكون قد فاتنا.. من واجبات وسلوكيات رمضانية.. باعتباره من رجال الأزهر وأمي العزيزة الحافظة لكتاب الله.. تأصل لدي الاحساس بالصدق والخير والإيثار ومساعدة المحتاجين.. والتمسك بالقيم الرمضانية.. تحت مظلة الاحساس بالكرم وكبح جماح النفس الامارة بالسوء.. بل أريد التأكيد بالقدرة علي التعايش مع ظروف الصوم في اختلاف المناخ.. بين الصيف والشتاء والحر والبرد.. بمجرد أن يتوجه المرء بنية الصوم يتحول بشخصيته إلي هدف واحد.. صداقة متميزة مع ضيف كل عام.. العزيز المبجل رمضان المبارك. 

** ومع الأمراض العديدة التي مرت بالمرء بفعل السن والمجهود وحسن الظن بالشباب عن رياح الشيخوخة القادمة.. بأن الوضع الصحي العام يتحسن بمعدلات ملموسة.. خلال أيام رمضان المبارك مما جعل الطبيب يسمح لي بالصوم طوال الشهر الكريم.. مع الالتزام بالعلاج.. ناهيك عن سلوي النفس والقلب بتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم.. وختم المصحف الشريف لأكثر من مرة خلال ليالي رمضان.. ووهج الفجر المليء بالسكينة.. ونور الإيمان.. أعتقد أن تزامن بداية رمضان المبارك مع ذكري مولدي رسالة مهمة.. وبشري خير.. وربما الحدث الأكبر في حياة حرصت خلالها ألا اسيء لأحد.. بقصد أو غير قصد وإذا ما بدر مني خطأ في لحظة غضب.. ابادر بالاعتذار.. اتمني الخير للجميع.. ولا أبخل علي أحد بعون استطيعه أو نصيحة متأكد من صوابها.. أبعد ما أمكن عن سحب الغضب.. ونيران الشر.. واسجد لله شكراً علي نعمة تتوج مشوار حياة وحصاد أحلام وبناء.. وأن يعم الخير والنماء الوطن والعالم العربي والإسلامي.. وأن يتقبل الله سبحانه.. الصوم من عباده الاوفياء.