هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

آخر الأسبوع

صبراً على وزير التربية والتعليم

يوم الجمعة الماضي، دخل على أكبر أحفادى، الطالب بالسنة الأولى الثانوية، فى زيارتهم الأسبوعية لنا، وهو يرفع »التابلت« فى يده، ويكاد يقفز فرحاً ويردد:

ــ تصور يا جدو.. كل حاجة نزلت لنا خلاص على التابلت وبدأنا نستعمله.

قلت : كل حاجة اللى هى إيه؟!

قال : كتب الوزارة كاملة فى كل المواد.. الكتب الخارجية اللى حنحتاجها.. حتى أسئلة الامتحانات حتنزل لنا عليه، وحنجاوب عليه.

واستطرد غير مصدق نفسه:

أخيراً.. مفيش شنطة كتب وكشاكيل وأدوات.. موش متخيل إنى أروح المدرسة كل يوم موش شايل أى حاجة غير الجهاز ده كإنى فى إجازة.

مشاعر فرح عارمة، لا أظن أنها قاصرة على حفيدى وحده، بل لعلها اجتاحت الـ 400 ألف طالب من زملائه الذين تضمهم سنة أولى ثانوى على مستوى الجمهورية.

بل ليس الطلبة فقط، وإنما أسرهم بالتأكيد أيضا.. فسوف يريحهم التابلت من أعباء كثيرة.. مادية وغير مادية.

الأمر أيضا لا يقتصر على مسألة اختزال مقررات ومناهج التعليم فى هذا الجهاز، ولا فى إعفاء الأسر من بعض الأعباء.

الأمر يتجاوز ذلك بكثير.. إنه يتعلق بالنقلة التكنولوجية والمعرفية الهائلة التى يحققها التطوير.

يتعلق بثورة تعليمية تضعنا على خريطة العصر فى مصاف الدول المتقدمة.

يتعلق بتخريج أجيال بكفاءة وقدرات »عولمية« تتعامل بمفاهيم وأدوات المستقبل، وتستطيع المنافسة مع غيرها فى أى مكان من العالم.

لذلك كان رد الفعل أشبه بالصدمة، حين بدأ أول اختبار عملى للتابلت هذا الأسبوع بإجراء امتحان تجريبى للطلبة عليه، وتعثرت التجربة بسبب خلل فى النظام أو »السيستم«.

وفى إطار افتراض حسن النوايا، وقياساً إلى حجم الفرحة والأمل لدى الطلبة وأسرهم فى النظام الجديد، يمكن اعتبار رد الفعل طبيعياً ومتوقعاً.

لكن ــ وكالعادة هذه الأيام ــ فى مثل هذه المواقف، ينفلت زمام البعض، وتبدأ الحرب على شخص الوزير، وعلى استراتيجية الدولة لتطوير التعليم، وتتعدى ذلك إلى محاولة استغلال هذه الحالة المحددة للتشكيلة فى كل شىء، وزعزعة ثقة المواطن فى الدولة.

وأظن ــ بعيداً عن هذا اللغط ــ أن وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقى تفهم رد الفعل لدى الطلبة وأسرهم ومعلميهم، وتعامل معه بحكمة وموضوعية شديدتين.

لقد قام بشرح الموقف لرئيس الوزراء حين طلب منه ذلك.. وللرأى العام أيضا.

ولم يكتف ذلك، بل أعلن عن إجراءات عاجلة لتدارك ما حدث، بالتعاون مع وزارة الاتصالات، واستكمال الامتحات على الموقع الإلكترونى للوزارة، وطمأنة الطلبة وأسرهم على أنه امتحان تجريبى هدفه كشف أى ثغرات فى النظام الجديد لعلاجها.

ورغم ذلك، فإن بعضا من الرأى العام، سواء بين أسر الطلبة، أو بين معلميهم أنفسهم مازال يردد سؤالا يستحق الرد عليه وهو:

> ألم يكن من الأجدى والأوفق ألا يبدأ الوزير تطبيق استراتيجية التطوير الجديدة، وهى على هذا القدر من الأهمية والتعقيد أيضا، قبل أن يستكمل كل عناصر المنظومة الجديدة، ويطمئن إلى جاهزيتها للانطلاق حتى لا يفاجأ ــ كما حدث ــ فى كل خطوة بعثرة، ويتحول أبناؤنا إلى فئران تجارب غير واضحة الجدوى أو معروفة النهاية؟!

ورأيى أن الدكتور طارق شوقى على حق فى »المغامرة« ــ إن صح تسميتها بذلك ــ بالإسراع بتطبيق استراتيجية التطوير حتى ولو لم تكن كل أدواتها قد اكتملت بعد.. ولذلك أكثر من سبب.

أول هذه الأسباب، أنه لم يعد هناك وقت للانتظار على تطوير التعليم.. فقد طالت معاناة المصريين منه على مدى عقود عديدة مضت، وتغيرت وتبدلت استراتيجيات وخطط تم تبشير الناس عند إطلاقها بأنها ستنهى هذه المعاناة وستنجح فى كذا وكذا.. ولم يحدث شىء، لأن أياً منها لم تطبق.. وما تم تطبيقه من بعضها لم يكتمل.

ثانى هذه الأسباب، أنه فى ظل معرفتنا بسوابق البيروقراطية المصرية، فإن انتظار اكتمال عناصر أى استراتيجية أو مشروع قومى قبل البدء فيها قد يعنى أننا لن نبدأ على الاطلاق.

ان الانتظار يتم استخدامه من جانب البيروقراطية، ذريعة للتسويف والمماطلة وإضاعة الوقت وتعطيل الإجراءات.

ولو كنا طبقنا نظرية الانتظار هذه على مشروعات قومية كبرى كحفر قناة السويس الجديدة، أو إنشاء العاصمة الإدارية مثلاً، لما وجدنا الإنجازين اليوم حقيقة قائمة على الأرض، بل ومنتجة أيضا، وقيمة مضافة للاقتصاد، ومصدر فخر للمجتمع حتى على المستوى الدولى.

أما السبب الثالث، فيتمثل فى حقيقة بسيطة يجسدها القول المأثور: إنك لن تستطيع تعلم السباحة ما لم تنزل البحر.

أى أنك لا تستطيع أن تتأكد من النجاح أو الفشل إلا من خلال تجربة عملية.

فهل كان يمكن مثلاً اكتشاف أو توقع الخلل فى »السيستم« ما لم يتم تجربة أجهزة التابلت عملياً على الطبيعة، ومن خلال دخول 400 ألف طالب عليها فى لحظة واحدة؟!

اكتشاف الخلل، أتاح الفرصة للتفكير فى الحلول أو العلاج.. ولتوقع اختلالات مشابهة قد تقع فى حالات أخرى قادمة والاستعداد لها.

أى أن نتائج تجربة الامتحان على التابلت إيجابية وليست سلبية، وخطوة للأمام وليست انتكاسة.

تتبقى نقطة فى هذا الموضوع، وهى أنه حتى بافتراض انتظار استكمال كل عناصر منظومة التطوير قبل إطلاقه، فإن هذا لم يكن يعنى »تعقيم« عملية التطوير ضد الثغرات والاختلالات. لأن هذا افتراض ضد طبيعة أى تطور بشرى.

أخيراً.. منذ تولى الدكتور طارق شوقى قيادة الوزارة، وأطلق استراتيجية الدولة لتطوير التعليم، وهو يتعرض لحرب شعواء لا تهدأ، وضغوط هائلة لا تتوقف.

ولا يكاد الرجل يخرج من معركة، حتى يجد فى انتظاره معركة أخرى قبل أن يتمكن من النقاط أنفاسه.

وما يتعرض له الرجل من حرب وضغوط، وما يدخله من معارك أو يفرضه المسار الجديد للتعليم عليه من مواجهات له خصوصية شديدة، نتيجة أن التعليم هو أمن مصر القومى، وقضية كل بيت، ورهان كل أسرة، ومستقبل فلذات أكباد.

ورغم أن هذا يستدعى الاشفاق على الرجل، فإن ما يستحقه حقيقة منا هو مزيد من الوعى، والصبر.. والمساندة.

إنه لا يغير كتاباً، أو يضيف مقرراً.. إنه ينسف نظاماً تقليدياً للتعليم طالت المعاناة والشكوى منه، ويقيم نظاماً حصرياً متقدماً.. لمصر، لا لنفسه.

فاصبروا على التجربة حتى تكتمل.. وساندوه حتى ينجح، وتنجح.. وننجح.