هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عين العقل

شهر التحولات الكبرى

 


شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون المحرم هو شهر التحولات الكبرى فى تاريخ أمتنا ، بل فى تاريخ العالم ، ففيه نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وجنوده ، وجعل من معجزة النجاة والغرق آية للمدافعين عن الحرية والتحرر من الطغاة على مر الزمان ، وفيه كانت هجرة الرسول من مكة إلى المدينة لإنقاذ الدعوة من بطش قريش وجبروتها ، وليكتب الله النصر للمظلومين والمعذبين والمستضعفين  ، وفيه كان استشاهد الإمام الحسين فى كربلاء مع آل بيت النبى وثلة من أصحابه لتحريرعقل الأمة ووعيها من نزعة الزيف والقهر والاستبداد الناشئة فى دولة الإسلام.
ثلاثة تحولات كبرى فى هذا الشهر الفضيل تحمل دلالات عميقة فى إيماننا ، لم تكن مجرد أحداث عابرة ، وإنما شواهد خالدة على أن عناية الله ليست بعيدة عن صرخة المضطهدين ، وأن الأمل فى الله لايخيب ، وقدرة الله فوق كل قدرة مهما علت وتجبرت. 
لما يئس موسى عليه السلام من دعوة فرعون إلى طريق الحق والهداية ، وقوبلت دعوته بهتاف " أنا ربكم الأعلى " ، لم يعد أمامه إلا أن يخرج مع قومه فرارا من حياة القهر والعبودية ، لكن فرعون لما علم بأمرهم عز عليه أن يفلتوا بدينهم من جبروته ، فتتبعهم بجيشه ليردهم إلى حظيرته ، وعندما لحق بهم كانوا قد وصلوا إلى البحر ، وهنا تيقن أصحاب موسى أنهم مدركون وهالكون لامحالة ، البحر أمامهم والعدو وراءهم ، لكن موسى كان لديه يقين راسخ  بأن الله لن يخذله ، وسيهديه إلى النصر المبين ، وهنا كانت المعجزة الإلهية التى أحدثت التحول الكبير. 
يقول تعالى : " فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ، وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لاينصرون ، وأتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ".
ولا تنفصل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن هجرة موسى وقومه ، تختلف التفاصيل لكن المغزى واحد ، ترك البيئة الفاسدة ومغادرة الظالمين ، لتسلك الدعوة مسلكا  جديدا ينتصر فيه المستضعفون والمقموعون ، الذين عانوا من التعذيب والحصار والعزلة حتى أكلوا ورق الشجر ، وتقوى فيه شوكة الدين ، ويتم به الفتح المبين .
وقد عز على مشركى مكة المغرورين بالكثرة والجاه والمال أن يغادرهم محمد وصحبه ، كما عز ذلك على فرعون ، وأرادوا أن يمنعوه من الخروج ، وتتبعوه فى الطريق بجواسيسهم ، لكن إرادة الله كانت فوق إرادتهم ، فأيد الله رسوله بالمعجزات وبجنود لم يروها لكى يتم الأمر على أكمل وجه ، ويحدث التحول الكبير فى مسيرة التاريخ . 
ومثلما توفر لموسى اليقين الكامل بأنه ناج من فرعون ، توفر أيضا هذا اليقين لمحمد بأن الله ناصره ، قال موسى لقومه : " إن معى ربى سيهدين " ، وقال محمد لصاحبه " لاتحزن إن الله معنا " ، يا أبا بكر ماظنك باثنين الله ثالثهما ، ثم يعد سراقة بسوار كسرى وهو خارج بدينه مطاردا لايملك من حطام الدنيا شيئا ، لكن كلمة الله قد سبقت : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ".
ولما دخل الرسول المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدا سأل عن سبب ذلك فقالوا : هذا يوم نجى الله فيه موسى وأغرق آل فرعون ، فصام موسى شكرا لله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أنا أولى بموسى منهم ، فصامه وأمر بصيامه " ، وكان هذا درسا عظيما فى تأكيد وحدة الإيمان ووحدة الرسالة ، وتمجيد التحرر من الطغاة والفرح بهلاك الظالمين ، والبحث عن المشترك الإنسانى والدينى للتعايش مع الآخر ، ومد جسور التعارف والتعاون بين الأمم ، واجتناب القطيعة والانعزال . 
ثم جاء التحول الكبير الثالث فى شهر المحرم ، عندما خرج الإمام الحسين رضى الله عنه رافضا الظلم والبغي الذى بدا من سلوك يزيد بن معاوية وزبانيته  ، الذين قهروا الناس على بيعة صورية بالسيف ، وغيروا سنة النبى والخلافة الراشدة  ، خلافة البيعة والشورى ، وسلكوا مسلك كسرى وقيصر ليجعلوا الحكم ملكا عضوضا يورث فيهم  .
 حاولوا أن يأخذوا البيعة من الحسين باللين فأبى ، ولوحوا بالقوة فأبى ، وبعد أن ضيقوا الخناق عليه وعاثوا فى المدينة قتلا وتخريبا ، استجاب للرسل القادمة من أهل الكوفة يدعونه إليهم  ليوفروا له الأمان والدعم ، وليكون فى منعة من رجال يزيد ، فخرج مع آل بيت النبي جميعا ، رجالا ونساء وأطفالا ، قاصدا الكوفة ، لكن رجال يزيد قطعوا عليه الطريق فى كربلاء وقتلوه ومن كانوا معه يوم العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة ، فى واحدة من أبشع جرائم التاريخ . 
يقول العقاد فى كتابه " أبو الشهداء ..الحسين بن على " : مامن رجل فاز حيث ينبغى أن يخيب كما فاز يزيد بن معاوية فى حربه للحسين ، وما اختصم رجلان كان أحدهما أوضح حقا وأظهر فضلا من الحسين فى خصومته ليزيد ، وماقد يبدو على السطح محض صراع على السلطة بين طرفين متناحرين كان فى الحقيقة صراع ثائر ضد الظلم والطغيان بذلت فيه أغلى الدماء .
وهكذا تتعانق المناسبات الثلاثة حول معنى واحد ورسالة واحدة لرفض الظلم ونصرة الحق ،  كى تعيش الإنسانية فى عدل وسلام كما أراد لها ربها .