هيرميس

شهادة

سيناء .. روضة الشهداء

تتوالى مواكب الشهداء على أرض سيناء الحبيبة ، ترويها بالدم الزكى ، لتنبت روضات المستقبل المشرق إن شاء الله ، هذه الأرض الطيبة لن تكون لمحتل غاصب ولا لإرهاب حاقد ، وإنما ستظل طاهرة مطهرة ، محفوظة بحول الله وقوته ، وبتضحيات رجال الجيش والشرطة البواسل ، الذين نذروا أنفسهم للقضاء على عصابات الإرهاب الأسود كى تعيش مصر فى سلام ، فهى الموعودة فى كتاب الله العزيز بالأمن والأمان ، " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " .

من دماء الشهداء الأبرار ، ومن شجاعة إخوانهم الأبطال الصامدين على الثغور ، سيطهر المصريون أرض سيناء من رجس الإرهاب التكفيرى ، وسيحققون لها الحلم الكبير ، حلم التنمية الشاملة ، حتى نراها روضة خضراء يانعة تسر الناظرين ، وتدب فيها الحياة  فتحول صحراءها إلى زروع وبساتين ، يزهر فيها التين والزيتون ، وتنبت فيها الحبة سبع سنابل ، فى كل سنبلة مائة حبة ، وتفتح أحضانها  لملايين السكان ، وتدور فيها عجلة الإنتاج فى كل المجالات .

سيناء الحبيبة تستحق هذه المكانة السامية فى الضمير الوطنى المصرى ، وتستحق التضحيات الجسام من كل المصريين ، فعلى أرضها تجلى الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام وكلمه تكليما ، وهو حدث لم تشهده أية بقعة أخرى على أرض البسيطة ، وأثنى الله تعالى على  شجرتها المباركة فذكرها فى كتابه العزيز ، " وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " ، وأقسم بزرعها وجبلها ، " والتين والزيتون ، وطور سينين " ، لذلك فسوف تظل درة فى جبين مصر والمصريين ، يفتدونها بأرواحهم ، ويجعلون منها رمزا لعزتهم وإرادتهم وقوتهم وإصرارهم على دحر الأعداء الذين يتربصون بها  .       

 من أجل سيناء ذهب شهداء كثيرون ، هم أحياء عند ربهم يرزقون ، وسيذهب آخرون ، أبطال شجعان ينتظرون دورهم فى طوابير الشهادة ، " منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ، ومهما تعددت جرائم الإرهاب وتنوعت أشكالها ، ومهما تداخلت المؤامرات وتكاثرت أطرافها ، فإن مصر سوف تخرج من هذه الحرب قوية منتصرة ، عزيزة مرفوعة الراية ، لا تركع إلا لله الواحد الأحد ، هكذا كتب التاريخ ويكتب عن أرض الكنانة ، المحروسة بخير أجناد الأرض .

ورغم شدة الألم وعمق الجراح النازفة ، ورغم مواكب الشهداء الأبرار الذين سقطوا ويسقطون كل يوم ، فإن اللحظة الراهنة هى لحظة الصمود بامتياز ، لحظة إعلان القدرة الفائقة على التصدى لجرائم الخونة ، والنصر على التكفيريين وخوارج العصر ، لحظة التفاف مصر حول نفسها وتأكيد ثقتها فى قدراتها  لتحمى ترابها الغالى ، ولتعلن للعالم أجمع أنها ما ضعفت وما استكانت ، وما نال منها الإرهابيون الجبناء ، ولن ينالوا .

وإذا أردت أن تعرف قوة مصر وإرادة مصر وعزيمة مصر فانظر إلى مواكب وداع الشهداء فى المدن والقرى ، وتفحص وجوه الأهالى الذين خرجوا بالآلاف ليشيعوا الأبطال إلى مثواهم الأخير رغم وباء كورونا الذى يهدد حياتهم ، ستجد أمارات الصمود التى تقول إننا أقوى من الإرهاب ، وأن شهداءنا وراءهم طوابير طويلة من الشهداء الأحياء الجاهزين للموت فى سبيل وطنهم .

هؤلاء البسطاء الذين شاركوا فى تشييع الشهداء الأبطال هم العمق الاستراتيجى لمصر ، هم مخزون الإرادة الحقيقى ، الذين يزرعون فى عقول أبنائهم حب الوطن جيلا بعد جيل ، وهم الذين يخلدون قصص الشهداء وبطولاتهم ، ويحكونها لأبنائهم لكى يحببوا إليهم معانى التضحية والفداء من أجل الوطن .

لقد تحولت جنازات الشهداء الأسبوع الماضى إلى مناسبة وطنية لإعلان الولاء والوفاء لمصر ، وتأكيد التصميم على تحرير سيناء من وباء الإرهاب ،  ليس فقط من جانب الشباب والرجال والنساء الذين احتشدوا لوداع الأبطال ، وإنما من جانب الأطفال أيضا الذين تفتحت عيونهم مبكرا على كلمة وطن ، وعلى معنى الشهادة ، هؤلاء الأطفال هم الذين سيحملون أمانة الدفاع عن بلدهم وعن مستقبلهم ، وبالتأكيد سيظل مشهد الجنازة محفورا فى ذاكرتهم يملأهم فخرا وحماسا .

ومصر ولادة بحمد الله ، تتوالى فيها الأجيال ، كل جيل يتسلم الراية من الجيل الذى  سبقه ، بنفس الروح ، وبنفس التصميم على إنجاز الهدف واستكمال المسيرة ،  حتى يتم استئصال شأفة الإرهاب بالكامل ، فلا يبقى له ملاذ آمن فى أرضنا ، المواجهة حتمية ومصيرية ومستمرة وشاملة ، لا تهاون فيها ولا تراجع ، ولا بديل فيها عن النصر ودحر العصابات الإجرامية .

 فى لحظة الجد يظهر معدن هذا الشعب الأصيل ، شعب  يحب بلده حبا غير عادى ، ويغار عليه من أية ريح معادية ، عندما يكون الهدف الإضرار بمصر فكلنا فداء لمصر ، نقدم أرواحنا رخيصة من أجلها ، مصر الباقية وكلنا زائلون ، هكذا يقول  الدستور الوطنى الذى سار عليه الآباء والأجداد ، ويسير عليه الأبناء والأحفاد .

وهذا أيضا هو المعنى العميق الذى فرضه تزامن جريمة الإرهابيين الأخيرة فى سيناء مع احتفالنا بذكرى النصر المبين ، ذكرى حرب العاشر من رمضان ، السادس من أكتوبر 1973 ، الذى كان علامة فارقة فى التاريخ الحديث لمصر والعرب ، هذا التزامن يؤكد أن المعركة واحدة وممتدة ، بدأت ضد العدو الصهيونى ، ومستمرة ضد الإرهابيين الخونة ، الذين يريدون تمزيق الوطن وكسر شوكته ، فالهدف واحد لأعداء الأمس واليوم ، ولذلك فالنتيجة المحسومة هى النصر المبين بإذن الله ، وتحرير الأرض وتطهيرها من الأشرار بكل أنواعهم .

رحم الله شهداءنا الأبرار ، وحفظ دماء المصريين الشرفاء ، وأعاننا على دحر الفئة الباغية ، ليظل وجه مصر جميلا مشرقا ، وتعيش سيناء آمنة مطمئنة .