هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

آخر الأسبوع

زيارة رسمية متفردة

لم يحدث أن زار الرئيس السيسي الولايات المتحدة أو التقي الرئيس دونالد ترامب وهو - أي السيسي - يحمل كل هذه الصفات التمثيلية والمسئوليات الاقليمية والقارية التي يحملها في زيارته الحالية. 
الرئيس السيسي ذهب إلي الولايات المتحدة هذه المرة. ليس فقط كرئيس لمصر. بل - ولأول مرة - كرئيس للاتحاد الافريقي الذي يضم في عضويته أكثر من خمسين دولة افريقية. 
ولقد كان لافتا في هذا الإطار أن يختار الرئيس دولة افريقية شقيقة هي غينيا لتكون محطته الأولي للانتقال إلي الشاطيء الآخر من المحيط الأطلنطي حيث الولايات المتحدة الأمريكية. 
ان بعد المسافة الجغرافية بين مصر والولايات المتحدة وزمن الرحلة الطويل الذي يتجاوز 11 ساعة كاملة في حالة الطيران المتصل. تفرض عادة أن تكون هناك نقطة توقف أو استراحة خلال الرحلة.. وقد فعلها كل رؤساء مصر السابقين خلال زياراتهم المتعددة للولايات المتحدة. لكن أحدا منهم لم يقع اختياره علي عاصمة افريقية خالصة لتكون محطة الانتقال. 
الأكثر من ذلك ان الرئيس السيسي لم يهبط بالطائرة الرئاسية في غينيا علي سبيل "الترانزيت" بل ضمن زيارة رسمية تم الاعداد لها مسبقا ببرنامج حافل بفقرات من التكريم لمصر وللرئيس السيسي ولعلاقات تاريخية وثيقة جمعت الدولتين والشعبين في شراكة غير مسبوقة خلال فترة التحرر الوطني للدول الأفريقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بزعامة عبدالناصر وأحمد سيكوتوري. 
الرئيس السيسي ذهب إلي الولايات المتحدة هذه المرة كرئيس أيضا لأول قمة عربية أوروبية بين الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية والدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. 
لقد عقدت هذه القمة الفريدة في مدينة شرم الشيخ المصرية وحضرها عدد من قادة الاتحاد الأوروبي ورموز القارة وكان لافتا أيضا فيها انها جمعت بين من يتمسكون ببقاء الاتحاد الأوروبي ويعملون علي دعمه وتقويته مثل إنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا الاتحادية والرئيس الفرنسي ماكرون وبين من يعملون علي مغادرة الاتحاد والاستقلال عنه مثل رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي. 
وكانت هذه اشارة لا تخطئها عين لإدراك الجميع. مهما اختلفت توجهاتهم لأهمية هذا المؤتمر ودور مصر والرئيس السيسي في تنظيمه وانجاحه وما يمثله إرساء قاعدة أول تنظيم مؤسسي للعلاقة بين الطرفين العربي والأوروبي من فائدة لمستقبل هذه العلاقة علي كل المستويات الرسمية والشعبية. وفي جميع المحافل الاقليمية والقارية والعالمية. 
الرئيس السيسي ذهب إلي الولايات المتحدة هذه المرة وهو عائد لتوه من قمة عربية دورية عقدت في تونس الشقيقة تحت راية جامعة الدول العربية وحرص الرئيس علي أن يرأس وفد مصر فيها أعلي نسبة تمثيل تشهدها القمم العربية علي مستوي الملوك والرؤساء والأمراء خلال السنوات الأخيرة استجابة لتحديات ومستجدات هائلة علي الساحة العربية تتعلق بمصير دول وشعوب وقضايا عربية. 
ولأن مصر هي أكبر دولة وقوة عربية.. ولأن الرئيس السيسي هو أول رئيس عربي يزور الولايات المتحدة بعد قمة تونس العربية فقد كان طبيعيا أن يحمل "ميزان" هذه القمة ورسالتها إلي الولايات المتحدة والرئيس ترامب.. في كفته الأولي رفض جماعي عربي لقراري نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل للقدس والاعتراف بسيادة إسرائيل علي هضبة الجولان السورية مع التمسك بمبادرة السلام العربية وحل الدولتين وفي الكفة الثانية رفض جماعي عربي وإدانة كاملة للتدخلات الإيرانية في الشأن العربي ومشاركة المجتمع الدولي في تصديه لأطماع إيران في المنطقة. 
هل يمكن أن نضيف لفتة أخري تميز هذه الزيارة وتؤكد تفردها؟! 
نعم.. فهل يمكن أن نغفل حضور وزير الخارجية الروسي المخضرم سيرجي لافروف إلي القاهرة في زيارة رسمية عشية سفر الرئيس في رحلته إلي الولايات المتحدة واستقبال الرئيس له والمباحثات المهمة التي أجراها الرئيس ووزير الخارجية سامح شكري معه؟! 
لقد كانت هذه الزيارة من الوزير الروسي إشارة بالغة الأهمية في توقيتها تؤكد قدرة مصر الفائقة علي إدارة علاقاتها الدولية مع الشريكين الأمريكي والروسي في وقت واحد بمهارة كبيرة واستقلال كامل للإرادة والقرار السياسي المصريين ودون أن يكون أي منهما علي حساب الآخر. 
بقيت نقطة أخيرة في هذا السياق. 
لقد ذهب الرئيس السيسي للولايات المتحدة هذه المرة ومحيط الجوار العربي لمصر يموج بأحداث وتطوات شديدة الأهمية في ليبيا وفي الجزائر وفي السودان وهي أحداث وتطورات سوف ترسم نتائجها خريطة المستقبل السياسي للدول الثلاث فضلا عن تأثيرها المباشرة علي الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي. 
ربما لا أجد ضرورة إلي الإشارة إلي تصادف توقيت يوم القمة المصرية الأمريكية بين السيسي وترامب مع إجراء الانتخابات العامة في إسرائيل لأنه أيا كان الفائز في هذه الانتخابات فإن العبرة في مدي ما تسفر عنه من تغيير في السياسات والتوجهات وهو - عادة - لا يكون كبيرا. 
انتقل إلي ما تثيره بعض الأبواق حول هذه الزيارة وما جري فيها من أسئلة غير بريئة حتي لا ينساق وراءها البعض - بحسن نية - ممن تغيب عنهم حقائق الأمور.. ومن هذه الأسئلة مثلا: كيف يلتقي الرئيس السيسي بترامب ويعلن ان العلاقات المصرية الأمريكية قد وصلت في عهده إلي أفضل حالاتها منذ عقود بينما توقيع ترامب علي قرارات نقل السفارة للقدس والاعتراف بسيادة إسرائيل علي الجولان السورية ومحاولة نزع صفة الأرض المحتلة عن الضفة الغربية الفلسطينية لم يجف بعد؟! 
أقول - ردا علي هذه الأبواق - وتصحيحا للصورة أمام من قد ينساق.. ما يلي: 
1- لا يمكن لأي دولة في العالم كبرت أم صغرت أن تتجاهل أهمية أن تكون علاقتها جيدة بالولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمي الأولي في العالم بكل ما تحمله هذه الصفة من أدوار وتأثيرات علي السياسات العالمية والاقليمية بل وأن تسعي إلي توثيق ودفع هذه العلاقات إلي آفاق أرحب طالما كان هذا ممكنا وفي إطار السيادة الوطنية ودون مساس بالالتزامات القومية والعالمية. 
2- ان مصر بالذات كأكبر دولة وقوة عربية. من المهم جدا لمصلحتها الوطنية ولالتزاماتها القومية تجاه قضايا أمتها العربية وقارتها الافريقية ان تحرص علي الاحتفاظ بأفضل العلاقات مع الولايات المتحدة.. لأنه كلما كانت العلاقات أفضل. والمصالح المشتركة أكثر. كنا قادرين علي التأثير في السياسات والمواقف الأمريكية تجاه قضايانا الوطنية والقومية. 
انك لن تستطيع التأثير في طرف آخر قوي من منطلق علاقة عداء.. ولا علاقة ضعف.. ولا من موقع خصومة ومقاطعة بل من خلال شراكة قوية تتيح فرص الحوار الشفاف خاصة في القضايا موضع الاختلاف وتضبط ايقاع قرارات وتصرفات كل طرف حيالها حتي لا تتأثر شبكة مصالحه المتسعة مع الطرف الآخر. 
3- ان التأثير لكي يؤتي ثماره. من الأفضل أن يكون جماعيا وليس قاصرا علي مصر وحدها رغم أنها الدولة والقوة العربية الأكبر.. فمثلا مبادرة السلام العربية متفق عليها بين جميع الدول العربية كحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي ينبغي أن تكثف كل الدول العربية ذات الثقل جهودها معا للتأثير في القرار الأمريكي بما يمهد لهذه المبادرة أن تأخذ مكانها الطبيعي علي مائدة السلام بموافقة كل الأطراف. 
4- وأخيرا.. فإن العلاقات الثنائية الوثيقة بين مصر والولايات المتحدة وبين الرئيسين السيسي وترامب هي التي جعلت الرئيس يعلن من واشنطن بكل قوة ان القضية الفلسطينية أولوية لمصر وأن موقف مصر ثابت من القدس والجولان وأن يضع أمام ترامب علي مائدة القمة ملفات تحمل هموم أمته العربية وقارته الافريقية جنبا إلي جنب مع طموحات شعبه.