هاي سليب
المجموعة المالية هيرميس
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

جيهان عبد الرحمن

برقيات

زهرة الياسمين

 رحلتي الأولي خارج حدود الوطن في مهام صحفيه كانت إلي تونس الخضراء  منتصف التسعينات أبهرتني البنايات البيضاء والأبواب والشبابيك الزرقاء المميزة بطرازها المعماري الغالب علي دول شمال أفريقيا المطلة علي ساحل المتوسط، والتي تعد السياحة اهم مصدر للدخل القومي بها شاهدت من يقطع الأف الأميال لكي يحتسي كوب من الشاي بالنعناع في ضاحية سيدي بو سعيد أعلي المنحدر الصخري المطل علي قرطاج وخليج تونس،  رحلة عمل توافر لها عناصر النجاح ليس فقط لكم التقارير والحوارات الصحفية التي أجريتها مع وزراء التعليم والثقافة في ذلك الوقت، لكن لكونها التجربة الأولي  خارج الوطن وأول الأشياء دائما يترك اثر عميق لا يجرؤ الزمن ولا صروفه المتقلبة علي النيل من تفاصيله خاصة لو كان مصبوغ بألوان المكان الزاهية، لا يمكن أن أنسي عامل النظافة وزهرة الياسمين معلقة  خلف أذنه وهو يعمل بكل همه ولا يلتفت لاحد وكأنه في الكون وحده، وبعد مرور الزمن تنبهت ان عناصر الإبهار ومواطن الجمال التي تملكتني وقتها من نظافة وتنسيق حضاري لها مسمي اخر يتردد مؤخرا في بلدنا لكنه يعرف بمسمي الهوية البصرية.

الأسبوع الماضي صدرت التوجيهات بطلاء واجهات المباني بلون موحد خاصة تلك المكتفية بالطوب الأحمر والمتروكة لعوامل التعرية ناهيكم عن المباني المخالفة الشاهد الصامت علي فساد الذوق والذمم والأخلاق والرشوة والاستهانة بالقوانين وفساد المحليات ، وفوضي الإعلانات والملصقات وكراكيب الأسطح وأطباق الدش.

  التعليمات الرئاسية  صدرت مؤخرا طبقا لتصريحات رئيس الوزراء وأن البداية ستكون بتلك المطلة علي طول الطريق الدائري وصولا للمتحف المصري الكبير المنتظر افتتاحه العام المقبل،  وبعيدا عن جدل تكاليف الطلاء ومن سيتحملها المالك، الساكن، المحافظة، والتخوف من أعباء ماديه إضافية قد لا يتحملها المواطن في ظل أوضاع اقتصادية صعبه وقد يتملل من تنفيذها، أو القول أنها مجرد تعليمات كسابقتها لن ينفذها أحد خاصة وأن ثمة دعوة مماثله كانت عام 2008 اطلقها محافظ القاهرة في ذلك الوقت بتوحيد طلاء واجهات المباني المطلة علي نيل القاهرة باللون الأبيض وشهدت تراخ شديد واعتراضات نظرا للأجواء المتربة ولم ينفذها سوي بضعة مبان بصورة شكليه باهته موفرة للنفقات أظهرت القبح بدلا من أن تخفيه.

 لكن يبدو أن الأمر هنا مختلف لآنه مرتبط برؤيه واضحه للدولة ومشروع قومي للهوية البصرية  يجري تنفيذه بإشراف القوات المسلحة، ليكون لكل محافظه لون مميز يتفق عليه باستخدام الرسومات والألوان والشعارات وسرد حكايات المكان،  تلك الهوية التي انطلقت من الجامعة الألمانية بالقاهرة ووجدت طريقها للعرض أمام الرئيس العام الماضي في مؤتمر الشباب السادس.

طلاء المباني والحث عل النظافة العامة واستدعاء مواطن الجمال عناصر تبهرنا وتؤثر فينا، صورة جعلت عامل النظافة البسيط في تونس ما زالت محفورة في ذاكرتي رغم مرور الزمن لكنها صورة حفرت قبل موجات الربيع العربي وثورة الياسمين، تري هل ما زال الرجل سعيد بعمله ؟ هل زهرة الياسمين مازالت خلف أذنه؟ أم أنه اصبح مثل عمال النظافة في بلدنا يتخذ من وظيفته رخصة للتسول ؟ ولا اعلم هل البنايات في تونس مازالت  محتفظة باللون الأبيض الناصع ونوافذها وأبوابها زرقاء زاهيه كما رأيتها أول مره، لكن ما أعلمه وأثق في تقديره إن الطريق إلي تحقيق هوية بصريه في كل محافظات مصر يجب أن يبدأ بالقضاء علي فساد المحليات المستشري كالسرطان في الجسد وأن تحسين مستوي دخل الفرد عامل أمان أساسي ل يكون لديه فائض لتجميل بيئته المحيطة.