المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

بسيوني الحلواني

لوجه الله:

رعاية كبار السن.. واجب دينى وإنسانى

بقلم .... بسيوني الحلواني

الخميس 05 ديسمبر 2019

 

  

صعد الرجل المسن الى عربة المترو وهو يتكىء على عصاه والكراسى كلها مشغولة بشباب وأطفال ورجال ونساء فى منتصف العمر وقليل من المسنين، فوقف الرجل يستند على عمود حديدى ولم ينشغل به أحد من الجالسين.. بل جلس بعض الشباب القريب منه يهرج ويضحك بينما الكثيرون منشغلون فى هواتفهم المحمولة.. وفجأة صاح الرجل "حرام عليكم أنا راح أقع من طولى وانتم فى عمر أحفادى تجلسون وتهرجون" وهنا شعر كثير من الجالسين بالخجل، وهموا بإخلاء مقاعدهم للرجل المسن، بل انصرف بعض الشباب خجلا من المكان بعد أن توجهت إليهم أنظار عدد من كبار السن الجالسين والواقفين تحمل معانى كلها أسف وأسى على ما وصل إليه حال بعض شبابنا الذين لم يتعلموا كيف يحترمون كبار السن وكيف يوقرونهم ويتعاملون معهم بإنسانية ورحمة.

 

ورغم أن ماحدث فى عربة المترو تجاه الرجل المسن المريض ليس ظاهرة فى بلادنا حيث تربينا على احترام الكبير والتعامل معه برفق ورحمة ولين وتوقير.. إلا أن بعض شبابنا- للأسف- يحتاج الى توجيه وتربية دينية وأخلاقية تفرض عليهم أن يبادروا باحترام كبار السن، والوفاء بحقوقهم الإنسانية، وهذا بالتأكيد يحتاج الى جهود أكبر من مؤسسات التربية والتعليم والتوجيه الدينى كما ينبغى أن تنقل وسائل الإعلام من خلال ما تقدمه من دراما وبرامج ثقافية وتوعوية ما ينبغى أن نتعامل به مع هؤلاء الذين يعيشون حالة ضعف وعجز ويحتاجون الى رعاية حقيقية من كل فئات المجتمع ومؤسساته.

 

****

 

لقد بدأت العديد من مؤسسات الدولة تخصص منافذ خاصة لقضاء مصالح كبار السن تخفف عنهم متاعب الطوابير الطويلة وما يصاحبها من تعب وإرهاق لا يتحمله هؤلاء.. وهذه خطوات طيبة أتمنى أن تنتشر فى كل أجهزة ومؤسسات الدولة وخاصة المستشفيات والمراكز الطبية العامة والخاصة.. كما أتمنى أن تخصص الحكومة جهازا يتابع حقوق هؤلاء الذين أفنوا حياتهم فى خدمة الوطن،  ويتابع حل مشكلاتهم لدى كل الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، فمثل هذا الجهاز مع ما يعطى من إمكانات وصلاحيات يؤكد إنسانية الدولة فى التعامل مع كبار السن من مواطنيها فهم فى هذا العمر فى أمس الحاجة الى من يرعاهم ويخفف عنهم آلامهم وهمومهم ومتاعبهم النفسية.

 

 يجب أن نعترف فى شجاعة بأن إهدار حقوق المسنين سواء أكانوا من الأهل والأقارب أو هؤلاء الذين لا تربطنا بهم صلة أصبح من مظاهر القسوة الاجتماعية التى تغلف حياتنا المعاصرة، وهذه القسوة للأسف يشارك فيها الكثيرون بقصد أو عدم قصد.. فإلى جانب الشباب الذين نشاهدهم فى بعض وسائل المواصلات يجلسون على المقاعد المخصصة لكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة ويتمتع بعضهم ببجاحة غريبة حيث يتركون كبار السن يقفون وهم جالسون يمزحون أو يتصنعون الانشغال بهواتفهم.. أصبح من المعتاد أن تجد بعض المسنين يعبرون الطريق ببطء بسبب حالتهم الصحية ويدخل عليهم سائقو المركبات دون مراعاة لأحوالهم.. كما أصبح معتادا أن نرى كبار السن يقفون فى طوابير طويلة وبعضهم يجلس على الأرض انتظارا لقضاء مصالحهم.

 

هذه المشاهد وتلك الظواهر تفرض علينا ضرورة تربية الأجيال الجديدة على "البر بكبار السن"، فالمسنون لهم حقوق على الجميع ويجب على المجتمع كله أن يقف الى صفهم وأن ينصفهم ويتبارى فى الوفاء بحقوقهم.

 

هذا فضلا عن أبشع صور إهدار حقوق المسنين على يد أبنائهم، وهناك قصص مؤلمة تجسد صورا شاذة لعقوق الأبناء والأقارب لبعض المسنين، فالشاب الذى يذهب بأمه أو أبيه الى دار للمسنين إرضاء لزوجته، أو تأففا من خدمتهم، ثم يتركهم وينساهم ولا يفتكرهما إلا فى المناسبات هو شاب عاق مهدر لحقوق من كانوا سببا فى وجوده.. والزوج الذى يمنع زوجته من رعاية ومودة والدها المسن هو رجل مسيىء لا يتمتع بالمروءة والشهامة ولا يعرف حقوق الأباء.. وهكذا تتعدد صور العقوق للمسنين حيث يعانى بعضهم من "قسوة مفرطة" بسبب التربية الخاطئة للأبناء وضعف الوازع الدينى، وقصور التوجيه الأخلاقى، وانعدام الشعور الانسانى.                               

 

****

 

لقد أقرت شريعتنا الغراء حقوقا متنوعة للمسنين، وهى بهذه الحقوق تؤكد ضرورة البر بهم والوفاء بحقوقهم.. والحقوق التي أقرتها شريعتنا لها جوانبها الإنسانية الواضحة التي تؤكد عظمه هذا الدين وتكشف عن حرصه على دعم روح المودة والرحمة والتعاون بين كل أفراد المجتمع، صغارهم وشيوخهم، صحيحهم ومريضهم، فالعلاقة بين أفراد المجتمع ينبغى أن تقوم على الحب والتناصر والتعاطف والتكافل والاحترام المتبادل.

 

لا خير فى أى مجتمع يهدر حقوق كبار السن فيه، وكل مجتمع يتمتع بالعدل والانصاف يؤكد على احترام هؤلاء الذين قضوا حياتهم فى خدمة الوطن وكفالة حقوقهم، ولا يسمح لأحد بالتفريط فيها بأى حال من الأحوال، حتى يتركنا هؤلاء بعد عمر طويل وهم راضون عنا، ولكى نرسخ قيمة احترام الصغير للكبير وحتى لا يقع على واحد منهم – وهو فى مرحلة ضعفه – ظلم يجلب لفاعله غضب الله وعقابه.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا فليس منا"، فهذا هو شأن المجتمع الإنسانى الراقى، يرحم الصغير فيه الكبير ويعترف بحقوقه، والكبير هنا يشمل الكبير فى السن، والكبير فى العلم والمقام والمسئولية، وكلما اعترفنا بحقوق هؤلاء ساد الحب والاحترام والتقدير المتبادل بيننا.

 

نحن فى أمس الحاجة الى تربية صغارنا على احترام "حقوق الكبير" وتوقيره بما يستحق من احترام وتوقير، فهذا جانب تربوى وأخلاقى من المهم تعميقه فى نفوس الصغار حتى لا ينشأوا على الإسفاف والتبجح الذى نراه فى سلوك بعضهم الآن.

 

احترام حقوق كبار السن ورعايتهم "حصاد تربية وثقافة مجتمع" وهى لا يمكن فرضها على المواطنين بقرارات وتعليمات وأوامر.. بل تنبع من داخلهم نتيجة ما تعلموه وتربوا عليه وتلقوه من تعليم وتوجيهات دينية، وما ينبع من داخلهم من مشاعر إنسانية.

 

[email protected]